أمن الخليج ومشروعية معالجة الخواصر الرخوة

الخميس 2014/09/11

هناك مثل إنكليزي يقول “فقط هي الريح المريضة التي عندما تهب لا تأتي لأحد بخير”. وشخصيا أعتقد أنّ هذه الحكمة تنطبق على واقعنا الدولي، لا الشرق أوسطي فحسب، في هذا المفصل التاريخي. وقد أكّد ذلك مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق زيبنغيو بريجنسكي بتوصيفه الحال كما يلي: “لم يشهد العالم واقعا يحاكي واقعنا الآن لجهة عدم الرضى والفوضى على رقعة بهذا الامتداد من العالم".

واستطرد في تناوله لواقع الشرق الأوسط ولـلأدوات الواجب توظيفها للخروج من حال الفوضى القائمة بالقول: “يجب الاعتماد على نظم سياسية عتيدة مثل تركيا وإيران وإسرائيل لأنّها وحدها القادرة على فرض الاستقرار في محيطها، مع ضرورة تحقيق الأحلام المشروعة للفلسطينيين في الحدود القصوى الممكنة فقط".

وبقراءة سريعة لمواقف البيت الأبيض حيال قضايا تمسّ أمننا القومي الخليجي والعربي عموما، نجد أنّها لم تخرج كلّها عن ذلك السياق منذ فبراير 2011 وحتى تاريخنا هذا، وأنّ الأدوار الرئيسية قد أعطيت للثلاثي آنف الذكر في كل الخواصر العربية مجتمعة أو متفرقة لتظفي “الشرعية” المطلوبة سواء عبر توظيف آليات غير معهودة في التاريخ السياسي منذ الحرب العالمية الأولى، أو بتوظيفات تنمّ عن خيال واسع في تفريخ تنظيمات أو منظمات سياسية وعسكرية النزعة، قد تختلف أسماؤها لكن تتّسق وتتّفق جميعها في المنهج والرؤية السياسية أوّلا، وثانيا في المظهر والسلاح والشعار، وثالثا في معاداتها الدول العربية والغرق في الهمجية والقتل.

ربما الميزة الأهمّ في هذه الخواصر العربية هو كثافتها السكانية مقارنة بدول القلب السياسي العربي. كما تمتاز بخاصية ارتفاع نسبة الأميّة وتراجع نسبة الوعي الاجتماعي المدني، وعدم الإدراك لأهميّة تنمية ثرواتها الوطنية نتيجة تخلّف نظمها السياسية، وهذا يقودنا فعلا لا قولا إلى اليمن الآن الذي يشهد تحرّكا حوثيا في محاولة انقلاب على الشرعية الوطنية بتوظيف كل الأشكال الممكنة من المناورات لتحقيق ذلك. إلاّ أن عبدالملك الحوثي ورعاته الرسميين الإقليميين والمحليين لم يدركوا أن هنالك بعدا جغرافيا لا بدّ من مراعاته، وأنّ الإمعان في الغلو سيقوده لمواجهة خيارات أحلاها سوف يكون مرّا.

إنّ الافتراض بأنّ تقبل المملكة العربية السعودية بوجود “ضاحية جنوبية” في صعدة اليمنية (على غرار ما هو قائم فعلا في لبنان) هو ضرب من الخيال.

كما أن قبول الرياض بأن يكون للحوثيين منفذ على البحر الأحمر هو أضغاث أحلام، ذلك أنّ تحرّك الحوثيين لا يعد فقط تعديا على السيادة الوطنية اليمنية، بل هو تهديد صريح لجواره يعطي ذلك الجوار المشروعية الكاملة لاستخدام كل الوسائل المتاحة لمواجهة التهديدات. إذ أن لكل دولة الحق في حماية أمنها القومي ومنع تحوّل الجوار إلى خاصرة رخوة ومدخل لتهديده.

وليس أوضح دليلا على ذلك من الهجوم الذي شنه تنظيم القاعدة في يوليو الماضي على مدينة شرورة السعودية، وأن ذلك الهجوم انطلق من منطقة نفوذ شبه مشتركة بين الحوثي والقاعدة في محافظة الجوف. وقد مثل ذلك الهجوم نقلة نوعية في التكتيك الميداني للقاعدة التي عمدت لأول مرّة إلى إطلاق صواريخ تمهيدا لهجوم مقاتليها على شرورة.. وهي نقلة قادت لسؤال غني بالدلالات: منذ متى والقاعدة تنفذ تكتيكات حزب الله.

إنّ الهدف التكتيكي المرحلي للحوثيين هو الاستيلاء على الجوف وحجة عاجلا بالتزامن مع اختطاف الإرادة السياسية في البلاد وإجبار صنعاء على الاختيار بين الإذعان لإرادة الجماعة أو الدخول في حرب أهلية جديدة.

ويعني نجاح جماعة الحوثي ومن يقف وراءها في هذا المخطط الخطير، تحويل السواد الأعظم من رقعة اليمن إلى ضاحية إيرانية جديدة في جنوب السعودية على غرار مناطق نفوذ حزب الله في لبنان، غير أنّ ذلك الهدف سيظل بمثابة “عشم إبليس في الجنة”، إذ أن الإرادة المضادة له هي من القوة وتمتلك من الوسائل المادية والسياسية، ومن الدعم الإقليمي والدولي ما هو كفيل بمنعه.

ومن هذا المنطلق لكن يكون مستبعدا أن يكون الملف اليمني محورا لاجتماع دولي تحتضنه السعودية على غرار اجتماع جدة اليوم المخصص لمكافحة الإرهاب، كما لن يكون مستغربا إقرار تفاهمات سعودية مع قوى دولية وازنة لمواجهة خطر القاعدة والحوثي في اليمن بكل الوسائل على غرار ما يجري في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي.

3