"أمهات على الأثير" فضاء للتفاعل مع قضايا الأمهات العازبات في المغرب

القانون المغربي لا يعترف بأي وضعية قانونية للأم العزباء، والإذاعة المجتمعية منصة هدفها التقليل من نظرة المجتمع الدونية لفئة مضطهدة.
الجمعة 2018/03/30
أمهات يأملن العيش دون تمييز ونظرة نقص

الرباط - اختارت جمعية “100 بالمئة أمهات” بمدينة طنجة شمالي المغرب تأسيس إذاعة مجتمعية خاصة لخدمة أهدافها، وكانت بذلك إذاعة “أمهات على الأثير” أول إذاعة إلكترونية متخصصة فقط في المواضيع المتعلقة بالأمهات العازبات في المغرب.

وقالت نعيمة حمداني (أم عزباء)، وهي مقدمة لأحد برامج الإذاعة بمناسبة إطلاقها في مايو 2017، “إنه تحد كبير أن أقف أمامكم اليوم بوجه مكشوف كأم عزباء للإعلان عن انطلاق إذاعة أمهات على الأثير".

وتابعت قائلة إنه من خلال هذه الإذاعة “سنترافع ليعيش أبناؤنا بشكل طبيعي وليكونوا أحسن في المستقبل، وألا يوصموا من طرف المجتمع كأبناء لأمهات عازبات.. نأمل أن نعيش مثل جميع الأمهات دون تمييز ولا نظرة نقص”.

ويثير موضوع “الأمهات العازبات” جدلا كبيرا في المغرب بين التيارات المحافظة والحداثية، حيث لا يعترف القانون المغربي بأي وضعية قانونية للأم العزباء، ويجرّم العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج.

وتوفر جمعية “100 بالمئة أمهات” الرعاية اللازمة للأمهات الشابات العازبات حتى أنها تتيح لهن حضانة مجانية ليتمكن من الذهاب إلى العمل، ومعظم الأمهات الشابات العازبات في الجمعية كن ضحايا لقصص حب انتهت بفرار الشريك عند إعلان الحمل.

وتتبع الأمهات تدريبا مهنيا داخل الجمعية يمكنهن من تحقيق استقلالهن المادي، كما تضم الجمعية فريقا للاهتمام بالشؤون الاجتماعية والصحية للأمهات وفريقا آخر للمساعدة القانونية يعمل جاهدا لإقناع السلطات بضرورة فرض اختبار الحمض النووي قانونيا لتحديد نسب الأطفال المولودين خارج إطار الزواج.

إطلاق إذاعة خاصة بالأمهات العازبات هو أول خطوة في مسار الكفاح من أجل الاعتراف بحقوقهن وحقوق أطفالهن بالمغرب

وتعتبر المشرفات على الجمعية أن الحمض النووي هو دليل، ليس دليلا قانونيا بعد ولكنه يظل دليلا بيولوجيا، ويطالبن بأن يطبق بشكل منهجي ومجاني حتى تتمكن الأمهات العازبات من اللجوء إليه لإثبات الهوية الكاملة لأطفالهن. ومن خلال السعي لفرض اختبار الحمض النووي وتغيير القانون المغربي تهدف الجمعية إلى إجبار الآباء البيولوجيين على الإنفاق على أطفالهم لضمان مستقبل أفضل لهم.

وقالت سارة المجامري، مسؤولة التواصل والمرافعة بجمعية “100 بالمئة أمهات” والقائمة على المشروع الإذاعي في حديثها لموقع “دي دبليو” عربية، إن “الجمعية تعمل إلى جانب فعاليات المجتمع المدني منذ تأسيسها عام 2006 على الترافع على حقوق الأمهات العازبات وأطفالهن، بيد أن الجمعية ارتأت إنشاء هذه الإذاعة لتكون منبرا للأمهات العازبات بالمغرب للدفاع شخصيا عن حقوقهن وحقوق أطفالهن باعتبارهن الفئة المعنية بذلك”.

وأشارت المجامري إلى أن المشروع بتمويل من الاتحاد الأوروبي ووزارة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية بالمغرب، بالإضافة إلى تعاون مشترك مع المنظمة الإيطالية “Soleterre”.

وأضافت أن الفكرة جاءت انطلاقا من التزام الجمعية بالعمل من أجل خدمة قضايا الأمهات العازبات وتطوير أساليب عمل الجمعية، حيث رأى فريق عمل الجمعية أن هناك حاجة ملحة لمنبر إعلامي يساهم في إشراك الأمهات العازبات في الدفاع عن القضايا التي تهمّهن، وبالتالي إدماجهن في المجتمع عبر التقليص من الفجوة التواصلية التي توجد بين المجتمع وهذه الفئة بالذات.

ودرّبت الجمعية بالشراكة مع فاعلين إعلاميين وإذاعات مجتمعية معروفة بالمغرب وبتمويل من الاتحاد الأوروبي عددا من الأمهات العازبات على تقنيات العمل الإذاعي وتجهيز أستوديو للبث الإذاعي، لتطلق بذلك إذاعة أمهات على الأثير.

وتم تشكيل فريق عمل الإذاعة من الأمهات العازبات فقط واللواتي أخذن على عاتقهن مهمة الدفاع على قضاياهن مثل الإجهاض وإجبارية إجراء فحص الحمض النووي لإثبات نسب الأطفال مجهولي الأب، والتوعية من مخاطر الأمراض المنقولة جنسيا ومواضيع أخرى تهم هذه الفئة.

وتمت برمجة سبعة برامج تعنى بمعالجة المواضيع المذكورة سابقا مثل برنامج “حمي راسك”، أي “احمي نفسك”، والذي يهتم بتوعية الأمهات العازبات من أخطار الأمراض المنقولة جنسيا، وبرنامج “استشارات قانونية” الذي يناقش القوانين التي تحمي المرأة ويساعد النساء على حل نزاعاتهن القانونية عبر تقديم الدعم والاستشارات الضرورية، إضافة إلى برنامجي “شهادات” و”افتح قلبك” لتبادل التجارب والقصص.

نحو 30 ألف حالة حمل لعازبات في المغرب، يعانين من الإقصاء والرفض والتمييز وحتى الاستغلال

 أما برنامج “دقوا الباب” فيقوم باستطلاع آراء المجتمع المغربي حول المواضيع المتعلقة بالأمهات العازبات لقياس درجة تقبله لهذه الفئة.

وأثار إطلاق الإذاعة الإلكترونية، التي تعنى بقضية الأمهات العازبات بالمغرب، جدلا واسعا من قبل رواد مواقع التواصل الاجتماعي حول هذه الخطوة التي تعد الأولى من نوعها في المغرب.

واعتبر بعض النشطاء أن إطلاق إذاعة خاصة بالأمهات العازبات هو أول خطوة في مسار الكفاح من أجل الاعتراف بحقوقهن وحقوق أطفالهن بالمغرب. وقالوا إن الأمهات العازبات أصبحن واقعا بسبب عزوف الشباب عن الزواج بالمغرب، وبالتالي يجب توعية الأمهات بدل أن يلجأن إلى ارتكاب جرائم من أجل التخلص من أطفالهن. وانتقد آخرون المبادرة وأبدوا استغرابهم من دعم وزيرة الأسرة والتضامن بسيمة الحقاوي، المنتمية إلى حزب العدالة والتنمية لها.

وعن تقبّل فكرة الإذاعة من طرف المجتمع المغربي، قالت المجامري إن طبيعة المجتمع المغربي غالبا ما ترفض الخوض في المواضيع التي قد تعتبرها من الممنوعات، خصوصا تلك المتعلقة بالجنس والعذرية والحمل خارج نطاق الزواج، ولكن بالنسبة إلى تجربة الإذاعة وتفاعل المجتمع المغربي خاصة والعربي عامة معها، فإن زوار المنصة على الإنترنت ومتابعي حسابات الإذاعة على مواقع التواصل الاجتماعي من ذوي المصلحة كان تفاعلهم إيجابيا من
خلال التعليقات والرسائل التي تتلقاها إدارة الإذاعة وغالبا ما تأتي من الأمهات العازبات ونشطاء المجتمع من داخل المغرب وخارجه.

 ومن جانبها أكدت الناشطة الحقوقية خديجة الرياضي أنه بالرغم من رمزية هذه الخطوة، إلا أنها تعتبر مهمة لأن من شأنها التأثير على عقلية ونظرة المجتمع لهذه الفئة المضطهدة، مشيرة إلى أن الأمهات العازبات هن الفئة الأكثر تعرضا للاضطهاد والعنف من قبل المجتمع، الذي تقع عليه مسؤولية مساعدة هذه الفئة، في حين يحدث العكس ويقع نبذ النساء وأطفالهن.

كما انتقدت الرياضي القوانين الحالية التي ترى أنها تشجع على نوع من النفاق الاجتماعي، مؤكدة أنه يجب المطالبة بإلغاء الفصل 490 من القانون الجنائي الذي يجرّم العلاقات الجنسية الرضائية بين البالغين، والذي يقف عقبة في طريق رفع الأمهات العازبات لدعاوى قضائية ضد المغتصب أو الأب المتنصّل من السؤولية.

ويشار إلى أن دراسة حول الأمهات العازبات في المغرب أجرتها جمعية “إنصاف للدفاع عن حقوق المرأة” بالتعاون مع الأمم المتحدة، كشفت عن وجود نحو 30 ألف حالة حمل لعازبات، مبيّنة أنهن يعانين من الإقصاء والرفض والتمييز وحتى الاستغلال.

وكشفت نتائج الدراسة أن 7 من كل عشرة آباء يتم إبلاغهم بحالات حمل خارج الزواج، لكن معظمهم يرفضون الاعتراف بالمولود.

21