أمواج قومية صاعدة تهدد بتفكيك الاتحاد الأوروبي

الاثنين 2016/07/04
النازية تنهض من قبرها

برلين - أعرب وزير العدل الألماني هايكو ماس في تصريحات عن تخوفه من إلحاق أضرار بالديمقراطية في ألمانيا بسبب تنامي القوى اليمينية المتطرفة. وقال “هناك الكثير من الأشخاص الذين يضطرون للشعور بالخوف من حدوث انتهاكات يمينية بسبب تمسكهم بالتحرر والانفتاح، ويعد ذلك أمرا كارثيا لديمقراطيتنا”.

الأمر ليس غريبا عن الواقع السياسي الألماني بشكل عام، إذ لا يزال هاجس النازية يلاحق النظام السياسي الألماني الذي عجز إلى حد الآن عن اجتثاث فكره بشكل تام؛ الفكر المجتمعي الألماني الذي تميل بعض شرائحه مباشرة إلى التطرف والقومية المشطة عندما يتحسسون توافد الأجانب عليهم.

فقد كانت النازية في البداية مجرد حزب أو مجموعة يقودها عدد من المتطرفين وقاموا بحملات واسعة في البلاد للدعاية لفكرهم مستغلين مناخ الحرية الذي كان في عهد جمهورية فايمار التي تعبر عن ألمانيا المعاقبة من اتفاقية فرساي والكساد الاقتصادي العميق الذي ضرب البلاد في تلك الفترة.

وقد صعد النازيون إلى البرلمان بانتخابات ديمقراطية آنذاك بعد أن ضمن النازيون انتشارا واسعا في عدد من المقاطعات الألمانية وتكوين خلايا حزبية نازية في كل مكان، كان ذلك أواخر سنة 1929 ليبدأ معها تاريخ عنيف هز العالم بحرب عالمية ثانية قضت على عشرات الملايين من الناس.

وللتعبير عن الأزمة السياسية التي تعيشها ألمانيا الآن رغم كل الجهود الإعلامية والسياسية التي تقوم بها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، قال الوزير ماس إن مقاطعات كبرى في ألمانيا الآن تشهد عزوف الناس عن ممارسة النشاط العام والتعبير السياسي، مضيفا “هناك أيضا حالات في ولاية سكسونيا مثلا من الصعب فيها للغاية أن تتم مواصلة العمل من الناحية السياسية بالأساس، فلم تعد بعض الأحزاب هناك تجرؤ على إنشاء أكشاك لحملاتها الانتخابية في الشارع”.

وأضاف أن الأمر وصل حاليا إلى المدى الذي لا يمكن قبوله، وقال “في الحقيقة لم يسبق أن عشنا في مناخ لم يعد يجرؤ فيه الناس على فتح أفواههم، يجب ألّا يحدث ذلك، ولا يمكن لأي مواطن قبول ذلك في بلد حر”.

وناشد وزير العدل الاتحادي المواطنين عدم التعامل مع العنصرية التي تحدث على مدار الحياة اليومية بلا مبالاة، وقال “إذا واصلت الأغلبية الصامتة صمتها، سيثار حينئذ المزيد من الضغط في وسائل التواصل الاجتماعي وفي الشارع، والقول بأن هناك عددا من اليمينيين الشعبويين واليمينيين المتطرفين أكبر مما هو موجود في الواقع”.

وحمل ماس حزب البديل لأجل ألمانيا “ايه اف دي” المعارض للاتحاد الأوروبي والمناوئ لعمليات إنقاذ اليورو جزءا من مسؤولية زيادة العنف اليميني، وقال “حزب البديل وبعض الأشخاص البارزين به ينتمون بشكل واضح تماما إلى مشعلي الحرائق اللفظية الذين يستغلون الموضوع ويبحرون في اتجاه هذه الموجة للاستفادة منها من الناحية السياسية”.

تكمن المفارقة في أن تصاعد اليمين المتطرف وتحذيرات السياسيين الألمان -وألمانيا دولة مؤسسة للاتحاد الأوروبي- يحدث بالوتيرة ذاتها في فرنسا، التي تعد العمود الثاني من أعمدة بناء الاتحاد.

فالدولتان تشهدان الآن من الداخل تفكك المنظومة المجتمعية والقيمية التي أدت إلى ازدهار الاتحاد وتقوية مؤسساته وتوسعه، خاصة وأن قيم التحرر والانفتاح ووحدة الشعوب ونبذ العنصرية وغيرها بدأت تتآكل تحت وقع الأزمة الاقتصادية وضغوط الإرهاب والإسلاموفوبيا وأخيرا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وفي السياق ذاته أكدت مارين لوبان -زعيمة حزب الجبهة الوطنية القومي المتطرف في فرنسا- أن التجربة البريطانية التي أدت إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي يجب أن تعمم في كامل الدول المنتمية إلى هذا الحلف بغرض إنهائه، وقالت نهاية الأسبوع الماضي في تصريحات لها أثناء اجتماع بأعضاء وأنصار حزبها في باريس “الشعب البريطاني لم يلقن الأوروبيين فقط درسا قاسيا في الديمقراطية ، بل لقن العالم أجمع، أوروبا الجديدة ستظهر”، مضيفة أنها “إذا انتخبت رئيسة ستجري استفتاء على عضوية فرنسا في الاتحاد الأوروبي في غضون 6 أشهر”. تعهدات لوبان جاءت في سياق مشهد فرنسي يتسم بالحركية السريعة والتوتر البادي في المظاهرات والاحتجاجات اليومية، خاصة وأن استطلاع رأي أجري في مايو الماضي كشف عن تأييد 53 بالمئة من الفرنسيين لإجراء استفتاء يشبه استفتاء بريطانيا، كما تأتي في ظل تحذيرات من وقوع حرب أهلية في فرنسا أطلقها باتريك كالفار، مدير الاستخبارات الداخلية محذّرا في إفادة أمام لجنة برلمانية مؤخرا من وقوف باريس على “حافة حرب أهلية”؛ بسبب تصاعد العنف من قبل اليمين ضد المسلمين في فرنسا.

ويقول خبراء إن عددا من الأحداث والتطورات السياسية مكنت اليمين القومي الفرنسي، والأوروبي بشكل عام، من التصاعد خاصة مع العمليات الإرهابية التي تحدث بين الحين والآخر في مدن وعواصم أوروبية غذت الشعور بالخوف من الانفتاح في عصر يتسم بسهولة التنقل وسرعته.

6