أموال الإسلام السياسي تضخ في إعلام الكراهية

الاثنين 2014/03/17
القنوات التي تدعو إلى الكراهية تبرئ نفسها من اتهامات التحريض على العنف

لندن - هيئة الإذاعة البريطانية تكشف، في برنامج “أثير الكراهية”، الراعين لقنوات التحريض المذهبي في العالم العربي.

تبث هيئة الاذاعة البريطانية "بي بي سي" اليوم برنامج “أثير الكراهية”، وهو وثائقي من إنتاجها، ويعالج التحريض المتبادل بين قنوات فضائية سنية وشيعية.

وكتب عمر عبدالرازق من هيئة الاذاعة البريطانية المساهم في إعداد البرنامج تقريرا عن طبيعة الفيلم وكيف التقى الشخصيات الشيعية والسنية التي ساهمت فيه قائلا.

تتوقف الكاميرا عن التصوير في استراحة على إيقاع رشفات الشاي العراقي، أتطلع إلى وجه “ثائر” ممازحا: اسمي عمر، ففي أية خانة تصنفني؟ يرد بنبرة ودودة، أنت صديق. لكني ألححت في السؤال، مشيرا إلى ما يكنه بعض غلاة الشيعة من كراهية للخليفة الثاني عمر بن الخطاب. ينطق ثائر الدراجي بما يعتقده هذه المرة “لست من النواصب، أي الذين يناصبون العداء لآل بيت الرسول، وبالتالي أعاملك في الدنيا معاملة المسلمين، لكنك في الآخرة لن تحاسب كمسلم”.

العثور على ثائر الدراجي في رحلة الوثائقي “أثير الكراهية” كان الأكثر إثارة. هو أحد أكثر النشطاء الشيعة غلوا في العراق، صدرت بحقه مذكرة اعتقال ويعيش متخفيا. وهو الذي يعشق الإيقاع بعلماء السنة لإحراجهم على الهواء وتحقير رموزهم الدينية في برامجهم التليفزيونية المخصصة أصلا للنيل من الشيعة. وهو أيضا يدبر “المقالب” لسياسيين عراقيين، وفنانين مصريين مستخدما اسما بديلا في كل مرة، وأنه صحفي من وكالة “دراجي نيوز″.

خطاب الكراهية تكفله حرية التعبير التي تعززت بفضل ما سمي بالربيع العربي

آراء ثائر الدراجي لم تثر صدمتي، فعلى مدى ستة أشهر هي فترة إعداد الوثائقي “أثير الكراهية” ألتقيت كثيرين من دعاة الكراهية المحسوبين على المذهبين السني والشيعي. لم يكن كل هذا حديث غرف مغلقة، لكنه خطاب تكفله حرية التعبير التي تعززت بفضل ما سمي بالربيع العربي، وصار له متحدثون وممولون.

من بين عشرات القنوات التليفزيونية التي رصدناها اخترنا ستا هي الأكثر تطرفا. السنية منها هي قناة صفا التي تبث من مصر، وشبكة وصال بلغاتها الست التي تبث من السعودية، وقناة الأنوار 2 الشيعية التي تبث من العراق، أما الثلاث الأخرى فتأتي عبر البحار، وهي قناة وصال فارسي السنية من لندن، وقناة فدك الشيعية من لندن وأهل البيت الشيعية من كاليفورنيا.

لكن أبواق الكراهية لا تعمل في فراغ، فهي تحتاج إلى تجهيزات تكلف أموالا طائلة، إذ أن تكاليف فضائية من هذا النوع تبلغ 450 ألف دولار سنويا على الأقل. فمن أين تأتي هذه القنوات بالمال؟ كان السؤال مرهقا في مناقشاتي مع المسؤولين عن قناة صفا، وترواحت الإجابات بين متبرعين من دول الخليج أو رجال أعمال عرب “غيورين” على دينهم. لكن أحدا لم يفصح عن هوية المالك الحقيقي، حتى عثرت على مذكرة داخلية تؤكد أن مالك القناة ورئيس مجلس إدارتها هو رجل أعمال كويتي يدعى خالد العصيمي.

في الكويت تكشف لي أن تمويل معظم هذه القنوات سنية وشيعية يأتي من الكويت، امتنع “العصيمي” عن تسجيل أية مقابلة، وقدم إلى فندقي لحوار دون تسجيل. قال لي إن “حلمه منذ الصغر كان أن يؤسس قناة تدافع عن السنة في وجه قنوات الشيعة”. سألته عن الدماء التي قد تراق بسبب التحريض المذهبي؟ قال : نحن نرد الهجوم ولا نبدأ به. لكن نشاط القناة لا يقتصر على الدفاع كما يقول العصيمي، فالكثير من برامجها يستخدم لغة هجومية ضد الشيعة ومعتقداتهم. كما أنها ورغم ما يقول العاملون فيها عن مديونيتها الكبيرة، تجمع الكثير من التبرعات، وتحقق مكاسب مالية أيضا منها، على حد قول العصيمي الذي ينحدر من عائلة سياسية كبيرة لها مصالح تجارية ومالية واسعة في الكويت.

قنوات التحريض الطائفي
◄ قناة صفا تبث من مصر

◄ شبكة وصال بلغاتها الست تبث من السعودية

◄ قناة الأنوار2 تبث من العراق

◄ قناة وصال فارسي من لندن

◄ قناة فدك من لندن

◄قناة أهل البيت من كاليفورنيا

ومن الكويت أيضا فر رجل الدين الشيعي ياسر الحبيب لاجئا إلى لندن في عام 2004 بعد خروجه من السجن الذي دخله في بلاده بعد إدانته بإهانة رموز دينية. في لندن أسس الحبيب هيئة خدام المهدي وذراعها الإعلامية قناة فدك، واشترت الهيئة مقرا في إحدى القرى القريبة من لندن بما يوازي 3 ملايين دولار. ورغم أن أنصاره قليلون في بريطانيا فهم يجاهرون باحتفالات مثيرة للجدل، منها احتفالات بموت السيدة عائشة ولعن الخلفاء الراشدين على الهواء وإعلان البراءة منهم.

تجمع فدك ما يصل إلى 70 ألف دولار شهريا من خارج بريطانيا وداخلها لتمويل عملياتها، قال لي الحبيب في ثاني لقاء معه إن “كثيرا من الأثرياء الشيعة في الكويت يظهرون التقية لكنهم يدعمون قناته ونهجها”. يبرئ نفسه من أية دعوة إلى العنف معتبرا أن ما يقوله يندرج ضمن البحث التاريخي الذي تكفله القوانين البريطانية.

الحبيب ليس حالة متفردة، لكنها الأكثر إثارة، فالشركتان “فدك وخدام المهدي” تأسستا هنا بوصفهما نشاطين خيريين، ولأهداف، منها الترويج للتسامح الديني وتوعية الجيل الشاب. وحين تحدثت إلى هيئة أوفكوم Ofcom، المعنية بتنظيم الإعلام والاتصالات هنا، عن معرفتها بنشاط قناة فدك، قالت الهيئة إنها حققت في نشاطها في عام 2012 ولم تعثر على مخالفة لها، ولكنها قدمت لها إرشادات عن كيفية التعامل مع الرموز التي تعتبر حساسة بالنسبة إلى الآخرين.

ربما توفر قناة “وصال فارسي” التي تبث من لندن أيضا دليلا على أن التحريض ليس له هوية أو وطن. فمؤسسها ومديرها أبو منتصر البلوشي، ناشط سني من عرب إيران، قدم إلى بريطانيا لاجئا سياسيا مثل الحبيب، وأسس قناته بتبرعات من دول الخليج العربية، لدعم السنة في إيران. وإذا كان الحبيب يهاجم السنة ورموزهم فالبلوشي متخصص في إهانة الشيعة ومعتقداتهم. وتبقى في النهاية قاعدة ذهبية تتبعها قنوات التحريض: سوف تكسب تبرعات أكثر وجماهير أوسع كلما زاد الغلو وإهانة الآخر… فهل تستطيع الأجهزة الرقابية والحكومية التصدي لهذه الموجة دون الإضرار بحرية التعبير؟.

18