أموال التونسيين رهينة معركة نقابة البريد مع الحكومة

خسائر مؤسسة البريد تواصل الارتفاع مع تلاشي آمال حل الأزمة جذريا، والتوقف عن العمل يكلف خسائر بقيمة نحو 380 ألف دولار يوميا.
الأربعاء 2019/08/28
في انتظار نهاية عاصفة الأزمة

تسود حالة من الغضب بين الأوساط الشعبية التونسية مع دخول الإضراب المفتوح الذي دعت إليه نقابة البريد أسبوعه الثاني، وسط جمود حكومي في معالجة جذور المشكلة، التي عطلت مصالح المواطنين وفاقمت معاناة شريحة واسعة تمر بظروف معيشية صعبة تحت وطأة التجاذبات السياسية.

تونس - رفعت نقابة البريد التونسي من مستوى ضغوطها على السلطات برفضها الاستجابة للمطالب باستئناف العمل بعد مرور أكثر من أسبوع من بداية إضراب مفتوح عطل مصالح شريحة واسعة من المواطنين.

ويأتي التصعيد رغم تأكيد الرئيس المدير العام للبريد جوهر الفرجاوي أمس أن كافة المكاتب ستفتح أبوابها الأربعاء.

ورصدت “العرب” الاعتصام، الذي ينفذه النقابيون منذ الأربعاء الماضي، أمام وزارة تكنولوجيات الاتصال والاقتصاد الرقمي دون أي مؤشرات على تحرك المسؤولين لحل هذه المشكلة، التي قد تؤدي إلى نتائج أكثر تعقيدا.

وتتهم نقابة البريد المنضوية تحت الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر النقابات العمالية في البلاد، الحكومة بالتلكؤ في تنفيذ الإصلاحات المتفق عليها.

ويتزايد القلق بين الأوساط الشعبية من مصادرة النقابة لأموال المواطنين هذه المرة لاستخدامها كسلاح في معركتها مع الحكومة.

البريد التونسي في أرقام

130.7 مليون دولار حجم تعاملات مؤسسة البريد سنويا

1100 عدد مكاتب البريد المنتشرة في البلاد

10 آلاف وظيفة توفرها مؤسسة البريد حاليا

4 ملايين عدد حسابات الادخار والجارية لدى المؤسسة

ويحصل المتقاعدون والفقراء على معاشاتهم عن طريق شبكة من مكاتب البريد تضم 1100 مكتب منتشر في البلاد، وهو إجراء معمول به منذ سنوات، إذ تقوم الصناديق الاجتماعية بإيداع أموال هذه الشريحة في حسابات معتمدة لدى المؤسسة.

وعطلت الأزمة كذلك إتمام الطلبة في كافة المراحل التعليمية إجراءات التسجيل والحصول على اشتراكات النقل للموسم الدراسي الجديد.

ويتداول ناشطون على الشبكات الاجتماعية مقاطع فيديو وصورا تظهر الفوضى الكبيرة أمام مكاتب بريد بالعاصمة وسط اتهامات من المواطنين لاتحاد الشغل بتعطيل مصالحهم.

ويقول متابعون إن المواطنين الذين يعانون من مشكلات لا حصر لها نتيجة تدهور قدرتهم الشرائية والتي تزداد عادة في مثل هذا التوقيت من كل عام مع الاستعدادات للموسم الدراسي الجديد سيكونون الخاسر الأكبر من هذه المعركة.

وهددت الإدارة العامة البريد باتخاذ إجراءات تأديبية في حق الموظفين الذين تخلفوا عن الالتحاق بعملهم في حال لم يفكوا الاعتصام.

وقالت في بيان تلقت “العرب” نسخة منه إنها “تستنكر الدخول في إضراب مفاجئ لم تراع فيه الإجراءات والتراتيب الجاري بها العمل”.

وأكدت أنها قلقة إزاء ما ترتّب عن الإضراب من إضرار بمصالح المواطنين وتكبد المؤسسة لخسائر مالية فادحة.

وكانت الجامعة العامة للبريد قد ذكرت في بيان اطلعت عليه “العرب” أن تحركها جاء نتيجة تلكؤ السلطات في تنفيذ الاتفاقيات المبرمة بين الطرفين.

وقال الحبيب الميزوري الكاتب العام للجامعة في تصريحات لوسائل إعلام محلية إن “جلسة تفاوض قد تنعقد خلال الساعات القادمة بهدف حل المشكلة واستئناف العمل بمكاتب البريد”.

وتطالب ناقبة البريد بتفعيل اتفاقيات تتعلق بالترقيات والزيادة في المنح والحوافز إلى جانب حزمة مطالب اجتماعية من بينها القانون الأساسي للبريد.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن رقم معاملات مؤسسة البريد، الذي يوفر نحو 10 آلاف فرصة عمل، يبلغ سنويا 374 مليون دينار (130.7 مليون دولار)، ما يعني أن التوقف عن العمل يكلف خسائر بقيمة نحو 380 ألف دولار يوميا.

إضراب البريد

وتعود جذور الأزمة إلى 2017 حين رفضت وزارة تكنولوجيا الاتصال بقيادة أنور معروف المنتمي لحزب النهضة الإسلامي، مطالب نقابة البريد بإعادة هيكلة المؤسسة بعد أن عانت منذ 2011 من مشكلات جراء الوضع السياسي.

وأكد مصدر مطلع، رفض الكشف عن هويته، لـ”العرب” أن الوزير الحالي تسبب في شلل المؤسسة عندما منح مهدي بن غربية الوزير السابق في حكومة يوسف الشاهد رخصا لشركات تعمل في مجال نقل الطرود.

وقال إن “الوضع تسبب في انخفاض أرباح المؤسسة لأنها تعتمد في جزء كبير من مداخيل على نقل الطرود وغيرها من الخدمات اللوجستية المتعلقة بنقل البضائع”.

وخلال السنوات التي تلت الإطاحة بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، عانى قطاع البريد من انتشار شركات موازية منافسة تعمل بعيدا عن رقابة الدولة وربما تكون الحكومات المتعاقبة متورطة بعدم ملاحقتها هذه الكيانات.

وهناك مخاوف من أن يتفاقم وضع مؤسسة البريد أكثر مستقبلا، ما سينجر عنه ارتفاع في تكاليف الخدمات التي قد تتسبب في انسحاب شريحة من المواطنين، الذين لديهم حسابات بريدية ودفاتر ادخار توظف عليها رسوم تكاد تكون مجانية.

إضراب البريد

وتظهر الأرقام أن حسابات الادخار فاقت حاجز 4 ملايين حساب بقيمة إجمالية تجاوزت 140 مليون دولار.

وكشف المصدر أنه منذ فترة تولي وزير تكنولوجيا الاتصال منصبه في أغسطس 2016 تم إغلاق أكثر من 35 مكتبا بريديا بتعلة نقص الموظفين.

وكانت حكومة الشاهد قد جمدت الانتدابات في الوظيفة العمومية طيلة العامين الماضيين بفعل ضغوط صندوق النقد الدولي لكبح فاتورة الأجور التي تلتهم ثلث موازنة الدولة
سنويا.

وتسببت حكومة الترويكا عند توليها مقاليد السلطة انتهت في 2014 في إغراق الإدارات والشركات الحكومية بوظائف عشوائية فوق المستويات المسموح بها.

11