أموال الخمس واجب ديني تحوله إيران إلى لعبة سياسية

تروج بعض وسائل الإعلام الإيرانية أو الأجهزة المقربة منها أن أموال الخمس التي تتلقاها الجمهورية الإسلامية لا تدخل تحت سيادة الأجهزة الإيرانية أو بنوكها ومؤسساتها المالية، بل هي أموال تابعة للمراكز الدينية الإيرانية الشيعية وديوان المرشد الأعلى. ولكن في آخر المطاف فإن هذه الدوائر الدينية ليست سوى دوائر تتبع الفضاء السيادي الإيراني عموما، توظفها “الجمهورية” لصالح أحزاب وقوى طائفية بعينها مغروسة في الوطن العربي، تحت شعارات القدسية الدينية ولأهداف سياسية خبيثة.
الاثنين 2016/02/22
بهرج من أموال الخمس

تونس – تصل إلى إيران كل سنة مئات الملايين من الدولارات كسيولة مالية مباشرة مما يسميه النظام الإسلامي الإيراني “الواجب الشرعي للمسلمين تجاه المرجعية العليا للطائفة الشيعية في العالم” كما تروج لذلك أجهزة النظام الإيراني، بطريقة جعلت من النص الديني الإسلامي والآيات والأحاديث النبوية التي قيلت في أموال الزكاة والخمس مستخدمة لتبرير استحواذ النظام الإيراني على تلك الأموال على حساب أمن الأوطان والأمم المجاورة.

وتعد مسألة دفع الخمس في الفقه الإسلامي مسألة مكملة لمفهوم الزكاة، ومفهوم الخمس حسب فقهاء المذهب الشيعي يوجب على الأغنياء الشيعة دفع نسبة الخمس من أرباح رؤوس أموالهم لمراجعهم الدينيّة التي يوزّعونها بدورهم على وكلائهم عبر العالم. وهنا يكمن الخطر، حيث تطوع أجهزة النظام الإيراني هذه القيمة الدينية في مسألة سياسية تخص المطامع الإقليمية والتوسعية لإيران المتخفية تحت شعار الخمس كواجب ديني.

فقد كشفت تحقيقات بنكية أميركية مؤخرا أن محاولات الولايات المتحدة في حصار التمويل المالي للحزب نظرا لأنه على لائحة المنظمات الإرهابية، باءت تقريبا بالفشل لأن الأموال الفعلية التابعة لحزب الله اللبناني الإسلامي التابع لإيران لا تدور في البنوك اللبنانية أو العالمية، بل أموال خاصة بأفراد يتم تجميعها باسم جمع الخمس (أي الزكاة) ثم ترسل تلك الأموال بطرق مختلفة إلى خزائن حزب الله.

الخمس غطاء ديني عقائدي من أجل تخليص النظام الإيراني الطائفي من أزمته السياسية

وتفيد العديد من التقارير أن حزب الله يحظى بانتشار عالمي نظرا لقوة الدولة الإيرانية التي تقف وراءه، فتسهل له إجراءات الانتشار الاقتصادي العالمي، وهذا ما يعكس استبطان النزعة العالمية التي لدى الأحزاب الإسلامية بشكل عام، سواء سنية أو شيعية، وهي أحزاب وتنظيمات تبحث عن العالمية وفق الأسس التي تبنى عليها التنظيمات الإسلامية العقدية التي من بينها الجهاد العالمي و”نشر الإسلام في العالم”، وهذا ما يؤكد أن حزب الله يعتمد شبكة امتدادات واسعة داخل الاجتماع الشيعي في العالم كله، وقد شكل ذلك مع تقادم الزمن عليه أسلوب حياة اجتماعي واقتصادي وديني لدى الاجتماع الشيعي العالمي.

هذه العالمية الطائفية، وحسب إثباتات تاريخية واقعية تمت مواكبتها في المنطقة العربية، أصبحت منذ زمن مطوعة في العمل على إعلاء صوت طائفي بعينه في المنطقة العربية، وقد تكثفت تلك التعبيرات الطائفية في الآونة الأخيرة لتتمظهر في شكل وسائل إعلامية ومجموعات إسناد وشخصيات وكتاب وإعلاميين وتنظيمات مسلحة. وقد تمكنت إيران من مواصلة تغطية هذه التنظيمات والأجهزة التابعة لها في أكثر من قطر عربي أو دولة في العالم عبر أموال الخمس التي تصلها من كل حدب وصوب من شيعة العالم، خاصة إذا كانت أموال الخمس تدفع بناء على فتاوى عديدة تم إصدارها من المرجعيات الشيعية في إيران والعراق ولبنان وسوريا وغيرها، ما يكشف أن النظام الإسلامي الإيراني يلعب لعبة التبرير الديني للتغطية على هدف سياسي، وجر أبناء الطائفة الشيعية وراء هذا الوهم.

المطامع الإقليمية والتوسعية للدولة الإيرانية تتخفى وراء شعار الخمس كواجب ديني

فقد كانت الدولة الإيرانية منذ سنوات تحت الحصار الدولي المضروب عليها، ولم تتمكن أجهزة الدولة من التحرك بأريحية في السوق البنكية العالمية نظرا للحصار المالي، وحتى التجاري وبعض الرحلات الجوية، لكن أموال الخمس كانت هي اللاعب الأساسي في ذلك الحصار وتغذية الداخل الإيراني بالسيولة المالية، تحت غطاء ديني عقائدي وهو دفع الخمس للمرجعيات الدينية في قم وطهران.

ولئن كانت مسألة الزكاة والخمس وحقيقة أداء هذه الأموال الهائلة إلى الإمام أو الفقيه فيها أخذ ورد فقهي ومذهبي، إلا أن تلك الأموال التي تأتي من كل أنحاء العالم وبكمية هائلة، يتضح يوما بعد يوم أنها توضع بين أيدي العقول السياسية التي تحكم إيران، وبذلك فإن خطر تأويل القواعد الفقهية المتعلقة بهذه الأموال في سياق سياسي، يجعل منها أداة للولوج أكثر إلى الشيعة العرب وتأطيرهم وفق النظرة الإيرانية التوسعية وليس وفق النظرة الوطنية التي لدى أي مواطن عربي تجاه وطنه بقطع النظر عن طائفته أو دينه أو مذهبه. ولعل سر تواصل وجود الأحزاب الإسلامية التابعة لإيران سواء في العراق أو لبنان أو اليمن يعود إلى أموال الخمس التي هي حق في المذهب وباطل في السياسة.

13