أمومة اللغة واستبدادها

الخميس 2013/12/19

أن تنتمي للسان ما، إقرار بوجود آصرة قرابة مع الآخرين، وشيجة غير دموية ولا عرقية، بل هي ذهنية بمعنى ما، لما يجمع بين الشركاء في المدونة اللفظية والمعنوية ذاتها، من وجدانيات تكاد تتخطى رابطة المواطنة أو الانتماء الديني، شيء عاطفي، لا ندرك كنهه إلا عندما نلتقي، دون توقع منا، من يتكلم لغتنا في غربة سحيقة، وعند عتبات تيه موجع.

اللغة أم إذن، بكل ما للأمومة من مهارات التهذيب والتعليم، فعبر أبجديتها نتعرف على الأسماء كلها، ونكتشف الكون والناس، وتتخايل إلى أذهاننا شساعة الحياة المبهرة، والتفاصيل البالغة الصغر، ثم عبر أضوائها ندرك، في البدء والمنتهى، أن الصمت ظل قاس وظلام موحش.

ولأمومة اللغة سلطة، كسلطة كل أم في مملكتها الأسرية، بيد أن سطوة اللغة تجاوز السيطرة الأمومية الناعمة لتبسط قيدها الحريري (الحديدي في العمق) على الحدود والأمة والمجتمع والمعتقد، هكذا نجد أعتا الطغاة يلتجئون إلى سطوتها لبسط عقيدتهم السياسة المستبدة على رقاب الناس، كما نجدها وسيلة طيعة لرجل الدين والتاجر والمثقف والمعارض المنشق، للترويج لعقيدتهم الناشئة، والزحف إلى منصة المجد .

وبما أن اللغة أم فهي أنثى بالضرورة، وهو الافتراض الذي ينفي، بالبداهة، قدرتها على التواؤم مع ضرة، حيث لا تقبل لغة ما أن تهان بمزاحمة لغة أخرى، تحجب فتنتها وتهوش إشعاعها. هكذا يمكننا استكناه السر وراء إصدار الملك الإسباني شارل الخامس (حفيد الملكين الكاثوليكيين فيرناندو وإزابيلا) قراره الشهير القاضي بمنع شعب غرناطة المسلم المهزوم من استعمال اللغة العربية، فالدولة الكاثوليكية المنتصرة لا يمكن أن تطمئن على سيادتها بوجود لسان غريب، يزاحم اللسان القشتالي الغالب، في القدرة على التغلغل في المجتمع، لسان منتشر ومزدهر في البيوتات والأسواق وبين الناس، يتغزل به العشاق، وتنشد به الأغاني، ويبتهل به إلى الله… لن تكون القشتالية حينئذ أمّا صالحة، فالأمومة تقتضي طي الجميع تحت جناح الرحمة والعطف اللغويين، وإكساب الأعجمي (وهو من لا يفقه القشتالية هنا) عدوى الكلام، ليشارك الجموع فرحة الفهم، والتخاطب.

وعلى غرار سلوك الملك الإسباني، أصدر الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن الماضي، قراراته اللغوية الشهيرة، بشأن التركية؛ وهو الساعي للخروج كشعرة من عجين الجسد العثماني المريض.

وكان من أهم تلك القرارات اعتبار التركية لغة قومية وحيدة، لا يجوز استعمال غيرها، ليس في مؤسسات الدولة فقط، بل في المجتمع أيضا؛ ومن ثم بات عاديا أن تجد في شوارع اسطنبول، في العقد الثالث من القرن العشرين، لافتات تدعو المارة من ساكنة تلك المدينة الكوزموبوليتية الشبيهة ببرج بابل، بأن يتكلموا التركية فقط… بطبيعة الحال ظلت اللغات الأخرى: “اليونانية” و”الأرمينية” و”الإيطالية” و”العربية” و”العبرية”… حاضرة في النسيج اللغوي لمجتمع اسطنبول، بيد أنها تحولت إلى لغات مضطهدة، بيتية، لفظها حضن الأم الرءوم.

أستحضر هذه النماذج وأخرى كثيرة في التاريخ الإنساني لألفت انتباه القارئ إلى النزوع الاستبدادي أحيانا للغة المسيطرة، وهو النزوع الذي إذا لم يتم وعيه بشكل سليم، فإنه سيضحى سبيلا ملكيا إلى الانغلاق الثقافي، والتطرف العقائدي، والشوفينية القومية… وليس المقصود باللغة المسيطرة هنا لغة المجتمع أو اللغة السائدة فقط، إذ قد تتحول لغة مكتسبة (كالفرنسية في السياق المغربي مثلا) مع الزمن إلى لغة مستبدة تبسط سطوتها على المجتمع، فتقمع نزوعه إلى الانفتاح، وهو ما من شأنه أن ينتج مع الوقت ما يمكن تسميته ب”الضغينة اللغوية” التي تتسبب في ردود أفعال قاتلة ثقافيا، هاجسها الأساس هو الانتقام من اللغة الغالبة.


* كاتب وناقد من المغرب

14