أمومة للبيع

الاثنين 2015/04/13

تزوجت الشابة الحسناء زواجا تقليديا لم يكن الحب يساوي في معادلته شيئا، ولا حتى ذلك الصفر الذي نعرفه حسابيا بكونه غير ذي قيمة، فقط شاب وأثاث بسيط، ودبلتين ودقات الدفوف، أوهم والد الزوج أهل العروس بالرغبة في الاطمئنان على أخر أبنائه ومن تبقى له بعد موت الزوجة وسفر بقية الأبناء.

وافق والد الفتاة الطامع في الستر والعفاف لوحيدته، ومرت الأشهر الأولى ثقيلة على والد الزوج الذي يتلهف على حمل الحفيد أكثر من لهفة ابنه على سماع كلمة بابا، وبغريزة بنات حواء المتشبعة منذ الصغر بالحنين إلى الإنجاب طارت الشابة على زوجها تخبره بتحقق الحلم النابت في رحمها.

لم تظهر على الزوج علامات الرضا والفرحة بل تمتم بكلمات غير مفهومة لم تستوعبها الزوجة بادئ الأمر، فالزوج الذي يتعوذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم وشر القادم، يتفوه بكلمات ليس لها محل من الإعراب في مشهد السعادة الذي ترسم الزوجة تفاصيله ببشارتها.

حلمت الأم المستقبلية بعالم مختلف لم تعهده من قبل، أمسكت بحلمها النابت بين الأحشاء، ونسجت خيوط عالمها الأمومي الخاص بعيدا عن عوالم لم تستوعبها بعد.

صرخ الطفل صرخته الأولى معلنا وجوده وسط فرحة وخوف وترقب ولهفة، لم تدركها سويعات الصغير الخارج لتوه من دنياه الفسيحة كونها خاصته وحده إلى دنياهم التي ضاقت عليهم بما رحبت.

كان المشهد يبدو عاديا خاليا من الإثارة والتشويق، ولكن بضع كلمات كان من الممكن أن تمر عابرة لولا توقف أخت الزوج عندها وتمسكها بها حد الاستماتة، حين هنأها الأب بكونها أصبحت أما بعد طول سنين، رأت الزوجة الشابة الكلام عاديا فشقيقة زوجها العقيمة والمحرومة من إحساس الأمومة، بمثابة أم لوليدها القادم على عجل.

ولكن الشقيقة تناولت الطفل ليس لتقبيله بل لاصطحابه لمنزلها، هكذا كان الاتفاق الخفي بينها وبين أبيها، الذي رأى ضرورة أن تصبح ابنته أما لطفل “من دمه ولحمه” حفاظا على حياتها الزوجية، وبدلا من التبني الذي رأه وصمة عار في جبين الأسرة.

هكذا تفتق ذهن الرجل عن خطة جهنمية لولادة طفل واستئجار رحم لن يكلفه عناء إجراءات التبني الحمقاء، وتجنب أصل قد لا يكون سوى خطأ لحظي. صرخت الزوجة من هول المؤامرة على طفلها وفلذة كبدها، ولكن أحدا لم يسمعها، وببرود دعتها أخت الزوج لزيارتها حين تحرقها نار الشوق لصغيرها للاستمتاع بساعات إلى قربه. ظل الرجل وابنته يتفاوضان على الصغير والأم في تيه لم تستطع قراءة هذا الموقف الهزلي.

لم تصدق الزوجة ما سمعته، وهل الأمومة سلعة تصلح للتفاوض، توضع على الأرفف تغازل زبائنها، وهل كان زوجها عالما بخيوط المؤامرة المحبوكة حول الرضيع الصامت قهرا، بلا حول ولا قوة.

لم تتمالك الأم الحديثة نفسها وظل عقلها تائها عاجزا عن استيعاب المشهد اللحظي القاتم، لم تقطع ذهول اللحظة ـالتي تمنتها كابوساـ سوى صوت الرجل حاسما قاطعا، يقول نحن لا نرجوكي أن تتركي هذا الطفل الذي “صنعته” لسعادة ابنتي، فهو من حقها وما رحمك إلا بيئة حاضنة، أنجبي غيره فأنت قادرة على ذلك، وارحمي حياتها المهددة بالفشل لأنانيتك!!.

هذه القصة هي ما صدمتني به امرأة ثلاثينية حسناء أرادوا قطع لحمها بأعصاب باردة وضمير ميت، خذلتني نسويتي وأنا أسمع بنساء بهذه القسوة، وأخريات محبوسات في سجن القهر.

21