أمية أبجدية في العصر الرقمي

الخميس 2016/09/08
الوقت لم يتأخر

القاهرة - يبدو الحديث عن الأمية الأبجدية أمرا مستغربا في العصر الرقمي الراهن؛ ففي الوقت الذي يخطو فيه العالم خطوات واسعة نحو الثورة الصناعية الرابعة، وفي زمن وصل فيه نظام التعليم في دول مثل كوريا الجنوبية واليابان إلى أعلى مستويات التقدم التنظيمي والتكنولوجي، تذكّرنا الأمم المتحدة في الثامن من سبتمبر من كل سنة بأنه مازال هناك في دول أخرى، ومنها دول عربية، من يفتقر إلى أبسط الحقوق في الحصول على مكان لائق للتعليم.

ويلخص هذا الوضع بشكل كبير تصريح يرينا بوكوفا المديرة العامة لليونسكو حين قالت بمناسبة الذكرى الخمسين لليوم العالمي لمحو الأمية “لا يزال 758 مليون نسمة من سكان العالم الراشدين أميين لا يستطيعون قراءة أو كتابة جملة واحدة، ويعادل عدد النساء بينهم الثلثين.. فقد خلف ركب العولمة الذي جعل العالم قرية صغيرة كما يقال هؤلاء الناس وراءه، فلا نصيب لهم من خيرات العولمة ولا مناص لهم من شرورها”.

ورغم الجهود العربية المبذولة لتقليص هذه الفجوة وتحسين مستويات التعليم في العالم العربي إلا أن هذه الجهود تبقى متفاوتة ومرتبطة بظروف خاصة ومحددة، إذ تختلف الأسباب باختلاف المعطيات الاقتصادية والاجتماعية كما تختلف النتائج باختلافها أيضا؛ فدولة الإمارات العربية المتحدة مثلا نجحت في السنوات الأخيرة في تغيير النظرة نحو التعليم واعتبرته مشروع استثمار في أجيال المستقبل، بينما مازال التعليم في دولة مثل مصر يئن تحت سندان الأسلوب التعليمي التقليدي.

وقد أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري (حكومي) أن 14.5 مليون شخص من سكان البلاد يعانون الأمية، بالنسبة للمرحلة العمرية 10 سنوات فأكثر لعام 2015. وذكر الجهاز الحكومي أنه في عام 2015 رصد 9.3 مليون من الإناث يعانين من الأمية من 14.5 مليون نسمة بالنسبة للمرحلة العمرية 10 سنوات فأكثر.

وتحتل مصر المرتبة الرابعة عربيا بنسبة 23.7 بالمئة، وفق رصد الجهاز لمعدل الأمية بالنسبة للمرحلة العمرية 15 عاما فأكثر، خلال الفترة 2008-2016، حيث حصل اليمن على أعلى نسبة وهي 30 بالمئة، يليه المغرب 28 بالمئة، والسودان 24 بالمئة، فيما كانت فلسطين الأقل بنسبة 3 بالمئة.

بين 70 و100 مليون نسمة عدد الأميين في العالم العربي، ما نسبته 27 في المئة من عدد السكان

وتعرف منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) الشخص الأمي بأنه الشخص الذي لا يستطيع أن يقرأ ويكتب جملة بسيطة عن حياته اليومية. ويرى البعض من المحللين أن تفاقم هذه الظاهرة في المنطقة العربية، نابع أساسا من قاعدة اقتصادية تتبعها أغلب الحكومات العربية التي توجه ميزانيات ضحلة للتعليم مقارنة بالميزانيات الضخمة المخصصة للتسليح والإنفاق على الإعلام، مذكرين بالنهضة الكبرى لدول جنوب شرق آسيا التي سخرت ميزانيات مرتفعة للتعليم تمثل أضعاف ما تخصصه الحكومات العربية لذلك.

وتؤكّد التقارير أن أغلب دول العالم الإسلامي لم تحقق النتائج المرجوة منها في مجال خفض الأمية. وإن انخفضت معدلات الأمية في السنوات الأخيرة، فإن ذلك لا يعني أنها بلغت المستوى المرجو لتقليص هذه الظاهرة. بل بالعكس، سجل الخبراء ارتفاعا خطيرا في المناطق التي تشهد صراعات، في سنتي 2015- 2016.

وقدر تقرير لليونسكو عدد الأميين في العالم العربي بنحو 70 إلى 100 مليون نسمة، يمثلون ما نسبته 27 بالمئة من سكان المنطقة، وتبلغ نسبة الإناث من الأميين نحو 60 إلى 80 بالمئة، ما يجعل المنطقة العربية تأتي كأضعف مناطق العالم في مكافحة الأمية، وذلك بعد أن تجاوزت منطقة أفريقيا قبل بضع سنوات. كما كشف تقرير لمنظمة المؤتمر الإسلامي أن نسبة معدل الأمية في العالم الإسلامي تناهز 40 بالمئة، تتراوح بين 40 بالمئة من الذكور و65 بالمئة من الإناث.

ووفقا لتقارير المنظمات الأممية فإن الأوضاع السياسية والأمنية والصراعات وموجات النزوح التي تعصف بالعديد من الدول العربية، تشكل أحد أكبر أسباب الأمية في هذه المنطقة اليوم.

إن تقدم الشعوب مرتهن بمدى تقدمها العلمي والتقني. والنظام العالمي المعاصر هو نتاج شرعي للثورة العلمية والتقنية التي تغلغلت في مختلف مظاهر الحياة، حتى أن الفرق الزمني بين الدول بات يحسب في المستقبل بسنوات التخلّف العلمي وتقدّمه؛ وإذا اعتمدنا هذا التقييم اليوم، واستنادا إلى الأرقام الدولية، فسنجد أن سنوات كثيرة بل عقودا تفصل بين مجتمعات عربية ومجتمعات أخرى، تعاني بدورها من الأمية، لكنها أمية رقمية لا أبجدية.

فإلى جانب الأمية التقليدية، تواجه المجتمعات الأمية المعلوماتية والمعرفية، حيث تأتي الأمية الرقمية كأحدث أنواع الأمية التي أفرزها التقدم التكنولوجي.

7