أميرات.. خارج مدن الخيال

الخميس 2013/11/14

ما أجمل هذا العالم، فحكاياته العجيبة تشبه كثيرا الحكايات الخيالية، ومدنه العامرة بالأحلام والكوابيس تشبه كثيرا مدن الجنيات الطيبات التي تصحو على خيال وتغفو على آمال وبعض من كوابيس.. سرعان ما تتلاشى حين تبلغ الحكاية نهايتها الحتمية.. والآن أصبحت النهايات الحتمية مباحة أيضا في عالم الحقيقة.. فكل خيال واقع لا محالة.

لهذا، فإن أميرات الحكايات الخيالية وجدن أخيرا موطئ قدم لهن في هذا العالم المتواضع ونجحن في الوصول إلى مدن البشر الحقيقية، بعد أن سئمن النهايات المتشابهة وهجرن الأمير الوسيم، الذي أصبح كهلا والحصان الأبيض الذي أطلق الرصاص على نفسه ضجرا ومات قرير العين. أميرات الحكايات أصبحن حقيقة من دم ولحم وترف، وهالة البذخ التي كانت تحيط عالمهن الخيالي خرجت عن طريقها المألوف، فعبرت خزانة الملابس لتنطلق شرارة مبهرة في جميع الاتجاهات، فعوضا عن الحقائب والأحذية التي ترصع بالمجوهرات، والملابس والمفروشات التي تحاك بخيوط من فضة وذهب، فاضت خزينة الكهف السحري بمزيد من الياقوتات والألماسات والزفيرات وطفحت قصور الأميرات بمفردات ذات ذائقة بشرية جديدة؛ ابتكارات حاولت أن تضيف بعض اللمسات المادية على منجز الحكاية الخرافية.

هكذا، صرنا نسمع عن وجبات شهية تختم بتحليات ممزوجة بالذهب والألماس على شكل حلوى تحتوي على ذهب عيار 24 قابل للأكل بثمن 22 ألف جنيه أسترليني صنعت خصيصا للأميرات الحالمات.. ومنتجات إلكترونية مطعمة بقطع فريدة من الألماس والذهب الأبيض تمّ ابتكارها لمصلحة الأميرات العاملات. وأخيرا، صابونات مرصّعة بالذهب والألماس بتكلفة 2800 دولار أميركي فقط للحبة الواحدة تحتوي على 17 غراما من بودرة الذهب و3 غرامات من بودرة الألماس، ممزوجة مع خيرات الطبيعة ومقدمة حصريا للأميرات الكسولات.. كل هذه الابتكارات مسجلة كأرقام قياسية في موسوعة غينيس العالمية.

هذه هي أحدث الابتكارات البشرية في مجال صناعة الترف غير المحدود وغير المبرر أيضا.. ولهذا، فهو زمن التطرف بامتياز، التطرف في الأفكار والابتكارات والنزعات الأنانية أيضا.. زمن اللامبالاة بالآخرين.. زمن الأرقام القياسية التي تغفل عن عدد القتلى الذين نجح الموت في التقاطهم في يوم واحد ومدينة واحدة، لترصد عدد قطع الصابون الألماسية التي نجح المبتكرون في صناعتها في اليوم ذاته وفي المدينة ذاتها.

المطلوب، حكاية خيالية محايدة أبطالها من ورق أيضا، تبيح التضحية بعدد قليل من الصابونات الألماسية لمصلحة مستشفى تنقصه الأسرّة والضمادات، أو الاكتفاء بوجبة عشاء فاخرة والاستغناء عن التحلية المرصعة بالمجوهرات، لقاء توفير وجبات طعام باردة لخمسين أسرة فقيرة. النتيجة المتوقعة؛ ستقضي حتما بإقصاء الحكاية الجديدة وأبطالها من سجل الجنيات السعيدة، وربما تقفل بعض أميرات الحكايات راجعات إلى مدن الأحلام الخيالية..

ربما ستكف بعض وكالات الأنباء عن ملاحقة الأميرات الأرضيات بمجاهر الفضول والتحقيق في أثمان ما يرتدينه ويأكلنه.. ربما يخسر المصنعون جهودهم ويضيّع الواهمون آمالهم ويفقد بعض المتسلقين وظائفهم غير المشروعة.. ولكن، لن تربح مدن البشر إلا القليل، فما يتمّ صياغته من قطع ألماس فريدة، لا يمكن أن يكفي لإنقاذ جميع الأرواح وإشباع جميع الجياع والمشرّدين في هذا العالم الموحش.

21