أميرة بوراوي الطبيبة البارعة التي ترفض نموذج ثورات الربيع العربي

الأحد 2014/03/23
أميرة بوراوي: ثورتنا أنجزناها ونريد قطف ثمارها

الجزائر - لم يتصور الوزير الأول عبدالمالك سلال أن إعلانه من ولاية وهران، عن ترشح الرئيس بوتفليقة للعهدة الرابعة، سيلاقي رفضا لن يظل هذه المرة محبوسا في الصدور بل سينفجر في الشوارع الجزائرية وسيربك أنصار الرجل المريض ويخلط أوراقهم.

وتسارع الرفض من خلال تنظيم الوقفات الاحتجاجية من طرف فعاليات شبابية وبعض المثقفين، وكانت أولى الوقفات تلك التي قادتها الطبيبة أميرة بوراوي بمشاركة طلبة وصحافيين أمام جامعة الجزائر”2″ ببوزريعة، وأشارت الصور التي التقطتها العدسات إلى عدد ضئيل من المحتجين لكن ما لفت الانتباه هو ذاك الوجه الأنثوي الذي كان يرتدي قميصا كتب عليه “لا للعهدة الرابعة، لا لعهدة العار”، إنها أميرة بوراوي تلك المرأة التي ستشد إليها الانظار.

ذاك الاهتمام الإعلامي بأميرة بوراوي دفعنا للعودة إلى البحث عن أكثر تفاصيل عن حياتها ومواقفها.

صعد اسم أميرة بوراوي في الآونة الأخيرة وكانت حركة “بركات” المناهضة للولاية الرابعة لبوتفليقة الحضن السياسي الذي جعل الاهتمام بها يكبر بين الجزائريين.

“بركات” كانت إذن الإطار المناسب الذي جمع بعض الوجوه المعارضة وهي حركة مواطنة سلمية مستقلة ترفض العهدة الرابعة وتناضل من أجل التأسيس لنظام ديمقراطي حقيقي. والحركة تؤكد في بياناتها أنها تعتبر نفسها إطارا جامعا يسعى لتحقيق الطموحات المشروعة للشعب الجزائري من أجل تغيير النظام الحالي ومن أجل دولة ديمقراطية ذات سيادة ومن أجل جزائر عصرية.

هذا الإطار المعارض هو الذي عملت تحته أميرة التي ولدت في باب الوادي بالعاصمة وعاشت طفولتها فيه ذاك الحي الشعبي الذي رسم ملامح الطبيبة وشحنها بتناقضاته الاجتماعية وخصوصياته التاريخية.

فهي طبيبة نساء وتوليد، وهي ابنة طبيب جراح ومدير سابق لمستشفى عين النعجة العسكري بالعاصمة، تعمل في مستشفى عمومي بـإحدى ضواحي العاصمة الجزائر.

ارتسمت صور القمع في ذهنها منذ طفولتها وبقيت عالقة في دواخلها، صور تلك الدبابات التي اقتحمت حيهم لتقمع تظاهرات الشباب سنة 1988 وذاك ما أثّر ولو جزئيا في شخصيتها.

ما نريده في حركة “بركات” هو تحقيق التغيير لأن الشعب الجزائري يستحق مستقبلا أفضل وهذا النظام ليس فيه فائدة أبدا


الوعي بضرورة التغيير


بدأت أميرة نشاطها في مطلع 2011 عندما دخلت نشاط المواطنة ضمن التنسيقية الوطنية من أجل التغيير والديمقراطية والتي أسستها في يناير 2011 شخصيات مستقلة وجمعيات سياسية وحقوقية في خضم حركات الربيع العربي.

التجربة المتراكمة اللصيقة بهموم الجزائريين جعل وعي أميرة يتجاوز اللحظة الذاتية والخاصة بالمعاناة لتحاول إيقاظ وعي الجزائريين من الخطر الذي يتهدد مستقبلهم السياسي إن تمت الولاية الرابعة لبوتفليقة. لذا كانت الطبيبة واثقة من قدرة الشعب الجزائري على تجاوز هذه الأزمة السياسية، كما أنها واثقة من أن سيناريو الرجل المريض الذي يترشح لعهدة رابعة لن يتكرر في تاريخ بلادها.

بوراوي كغيرها من الجزائريات اللاتي ثرن ضد الظلم، فقد سبقها للنضال أسماء مثل حسيبة بن بوعلي وجميلة بوحيرد وفاطمة نسومر التي قاومت ضد الاستعمار الفرنسي في منتصف القرن 19.

لذا كانت متواضعة في حديثها عن نفسها فهي ليست معارضة سياسية ولا قائدة نضال أو ثورة موجهة لإسقاط النظام، بل هي مواطنة جزائرية ثارت من شدة الظلم واختراق القانون والدستور.


محاولات للقمع والتهميش


لم يصمت أنصار بوتفليقة عن الحركة الاحتجاجية التي بدأت تتوسع وتلاقي الكثير من المؤيدين بل حاولوا قمعها في المهد من خلال توظيف العديد من الوسائل.

فاعتقلت الشرطة الجزائرية عشرات المتظاهرين الذين خرجوا لإبداء رأيهم ضد العهدة الرابعة أمام مقر الجامعة المركزية بوسط العاصمة الجزائر، والذين استجابوا لدعوات على مواقع التواصل الاجتماعي، للخروج للتعبير عن مواقفهم من ترشح بوتفليقة.

أميرة بوراوي كانت واثقة من أن سيناريو الرجل المريض الذي يترشح لعهدة رابعة لن يتكرر في تاريخ بلادها

كما حاول أنصار بوتفليقة الإيهام بأنهم تمكنوا من جمع 5 ملايين توقيع تؤيد العهدة الرابعة، في ظل تركيز رئيس الوزراء سلال على الدفاع عن سجل إنجازات بوتفليقة، وموظفا سلاح الأمن والاستقرار الذي يهم الجزائريين كثيرا بحكم عشرية سنوات الجمر التي لاتزال عالقة في الذاكرة.

ولم يدخر رجال الأمن جهدا في قمع تلك الوقفات الاحتجاجية التي دعت إليها حركة “بركات” مما جعل الناشطة بوراوي، تندد على صفحتها الفيسبوكية بسلوك رجال الأمن الذين اعتقلوها في فاتح من مارس 2014، وحاولوا تعريتها أمام الحاضرين.

وعلقت الطبيبة على تلك الممارسة قائلة: “إن أعوان البوليس الجزائري حاولوا تجريدي عنوة من ملابسي، لكن هيهات، أنّى لهم أن يجردوني من قناعاتي”. مؤكدة أنها ستستمر في الدفاع عن دولة القانون ولن يثنيها أي شيء عن ذلك، مشيرة إلى أن رأس الشعب الجزائري سيرتفع عاليا متجاوزا قمم كل جبال البلاد.


مواقف شجاعة


عبرت بوراوي عن أفكارها بكل وضوح فلم يعد هناك مساحة للخوف عندها وتوقعت أن يكبر الزخم المؤمن بتوجهات حركة “بركات”، إذ أن العدد في ارتفاع مع كل وقفة احتجاجية، فالجزائريون اليوم وحسب الطبيبة تخلصوا من الخوف الذي سكنهم لسنوات منذ زمن العشرية السوداء.

كما أن العديدين اقتنعوا أن “بركات” من خلال أرضيتها التأسيسية ليست حركة سياسية ولا تسعى للحكم، بقدر ما تريد خلق وعي شعبي بمصير البلاد في ظل حكم النظام الفاسد، وهو ما أدى إلى رفع اللبس عن حقيقة هذه الحركة وطبيعة نشاطها.

وتشير بوراوي إلى أن الاتهامات التي تعتقد أن “بركات” تحرّكها أياد من الخارج إلى أن اليد الخارجية تمكنت من البلاد في عهد بوتفليقة، وما تصريح وزير الخارجية الفرنسي الداعم لبقائه إلا دليل على ذلك. في إشارة إلى كلام لوران فابيوس الذي قال فيه “بوتفليقة الذي نعرفه كان يتمنى أن يترشح”.

الجزائر بحاجة إلى تغيير جذري نحو الأحسن، بحاجة إلى مزيد من الحريات إذا كنا نحلم فعلا ببلد ديمقراطي، وترشح بوتفليقة لعهدة رابعة يعني الاستمرار في التأخر الذي تشهده البلاد

وعن سر هذا الاهتمام الإعلامي بحركة “بركات” في الخارج، ترى بوراوي أنهم يريدون معرفة ما إذا كانت هذه الاحتجاجات امتدادا لما يعرف بالثورات العربية، ونحن نرد عليهم بأننا لا نريد ثورة في الجزائر، فثورتنا قمنا بها ولكننا نبحث عن ثمارها التي لم تقطف بعد.

وتنفي بوراوي احتماءها بوالدها العسكري وتشير أنها لم تكن أول امرأة تخرج إلى الشارع، فقد عبرت عن موقفها إيمانا منها أنها في بلد ديمقراطي ومع ذلك اعتقلت. وتوضح الطبيبة أنها ليست مع أي طرف سياسي أو ثقافي أو ديني، لقد خرجت من تلقاء نفسها وعبرت عن موقفها “15 سنة بركات” ولا للعهدة الرابعة. فيجب حسب رأيها أن يكون هناك تغيير جذري إلى الأحسن، ويجب أن ننتزع مزيدا من الحريات في التعبير والآراء إن كنا نريد بلدا ديمقراطيا حقا.

فهي كما تقول “أنا مواطنة جزائرية قلت “لا للعهدة الرابعة” ومثل ما يحق للرئيس أن يترشح لأربع عهدات في وضعه الصحي، يحق لي أن أعبر عن رأيي ولن يمنعني أحد، لا أعمل لصالح المخابرات ولا لأية جهة أو حزب سياسي”.

وأضافت “لا للعهدة الرابعة التي ستؤدي بالبلاد إلى حالة اللااستقرار، لا للمسؤولين الذي يدفعون بالبلاد إلى الهاوية ويغامرون بصحة الرئيس".

وتعتقد بوراوي أن “الأفلان” الذي يدافع بقوة عن العهدة الرابعة، يوظف كل الطرق للحد من خطر الاحتجاجات وهناك تعليمة لسعيداني بتجنيد جيش الكتروني لتشويه سمعة كل الذين يعارضون العهدة الرابعة.

وطالبت الطبيبة، علاوة على رفضها العهدة الرابعة، بتفعيل المادة 88 من الدستور وحل البرلمان “غير الشرعي” وحل كل الأحزاب التي لم تنجح في الحصول على نسب تؤهلها للاستمرار حسب القوانين، والتي أوجدتها أطراف فقط لتكون مؤيدة لبوتفليقة من باب الديمقراطية الوهمية وذر الرماد في العيون.

وقالت بوراوي بأسف شديد: “كان لدينا أمل كبير خلال العشرية السوداء، فجاء حكم بوتفليقة المستمر منذ 1999 ليتبخر ذلك الحلم وخير دليل أن شبابنا حلمه الوحيد هو الهروب إلى أوروبا المريضة”.

وتوضح بوراوي بالقول: “صحيح أنني سعيدة في حياتي اليومية، لكن هل يمكن أن تكون سعيدا والجميع حولك يتألم، ما نريده في حركة “بركات” هو تحقيق التغيير لأن الشعب الجزائري يستحق مستقبلا أفضل وهذا النظام ليس فيه فائدة أبدا”.

فالجزائر بحاجة إلى تغيير جذري نحو الأحسن، نحن بحاجة إلى مزيد من الحريات إذا كنا نحلم فعلا ببلد ديمقراطي، وترشح بوتفليقة لعهدة رابعة يعني الاستمرار في التأخر الذي تشهده البلاد.

وتعتقد أميرة أن من بين كل التواريخ التي مرت في حياتها ستذكر يوم اغتصب الدستور الجزائري سنة 2008 فبذلك سرقت أحلامنا في دولة القانون والحريات.

وبالنسبة إلى موقفها من المرأة فهي تناشد كل جزائرية، ألا تتخلى عن دورها في بناء المجتمع، لأنها هي القاعدة الحقيقية للمجتمع وللوطنية التي لا تورّثها للأجيال إلا الأم.

وترى أنه لا يجب أن نتوقف عند خطاب المساواة بين الرجل والمرأة بالشكل التقليدي، لأن الرجل هو الذي عليه أن يسعى لذلك، لأن المرأة الجزائرية، تقوم بواجباتها، فهي المسؤولة غالبا عن كل تفاصيل البيت وتربية الأبناء إلى جانب دورها في المجتمع بداية من أنها أصبحت جزءا مهما من القوة العاملة ولا يمكن الاستغناء عنه. لكل هذا تقول أميرة بوراوي لكل جزائرية – في هذه الأيام الصعبة التي خلقت فيها حركة “بركات”-، “لا تسمحن بأن يغتصب حق المواطنة والمستقبل الآمن من أبنائكن”.

وقفت أميرة بوراوي بكل شجاعة أمام الآلة القمعية لأنصار بوتفليقة وعبرت عن آرائها دون خوف ورغم الاعتقال ورغم الخطر الذي يتهددها إلا أنها رأت أن الجزائر تستحق منها مثل هذه التضحيات.

ويذهب العديد من المهتمين بالشأن الجزائري إلى القول إن حركة “بركات” لن تقدر على الصمود إذا لم يقع توظيف كل الوسائل للمحافظة أولا على سلمية التحركات وثانيا التشبث بالمطالب الواضحة والمحددة والتي تراها بوراوي متمثلة أساسا في منع العهدة الرابعة لبوتفليقة، فهل تقدر “بركات” على إعادة الأمل للجزائريين في تغيير جذري لواقعهم السياسي وذلك بضخ دماء جديدة فيه تجعلهم يتفاءلون بالمستقبل؟

20