أميرة "والت ديزني" تنعش مسرح الدولة في مصر

في مملكة العجائب، تكتشف أليس أنها البطلة المنتظرة كما يقول كتاب الأساطير ووفق نبوءة حكيم بلاد العجائب.
الأربعاء 2018/08/29
دعوة إلى اقتناص الأحلام

يجتهد مسرح الدولة في مصر لتجاوز محنته، ويكثف مساعيه في الآونة الأخيرة من خلال عروض تستند إلى نصوص عالمية في أغلب الأحوال، تجري معالجتها بصياغات مبتكرة ورؤى مختلفة، أملًا في إحداث حالة حراك واستعادة ثقة المشاهدين. آخر الأعمال التي قدمها في هذا الإطار مسرحية “أليس في بلاد العجائب”.

أضاء العرض المسرحي “أليس في بلاد العجائب” الذي انطلق في القاهرة بخيالات “والت ديزني”، مسرح الدولة بجماليات بصرية وحركية، وأنعش خزانته بإيرادات غير مسبوقة، من خلال صياغة مختلفة لنص الكاتب لويس كارول.

تحاول مسرحية “أليس في بلاد العجائب”، المعروضة حاليا في القاهرة حل المعادلة الصعبة بتقديم منتج جمالي مبهر، وتحقيق إقبال جماهيري كبير.

سر الخلطة

منذ انطلاقها في عيد الأضحى على مسرح “البالون” في القاهرة، نجحت مسرحية “أليس في بلاد العجائب” التي تقدمها فرقة “تحت 18”  برئاسة الفنان وليد طه في لفت الأنظار، حيث حققت “أعلى إيراد في تاريخ مسرح الدولة” خلال الأيام الأولى للعرض، وفق بيان رسمي للبيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية الذي تتبعه الفرقة.

لم يكن الحضور الكبير من فراغ، فجمهور المسرح يتعطش إلى عرض ثري يلقي حجرًا في الماء الراكد، ويبعث الروح في المشهد، في ظل واقع تعاني فيه الدراما من نمطية الأفكار وجفاف الخيالات وفقر الإنتاج.

تقدم مسرحية “أليس في بلاد العجائب” بمعالجتها الجديدة، من تأليف وإخراج محسن رزق، مزيجًا ثلاثيًّا بين النص الأصلي الذي أصدره البريطاني لويس كارول في 1865، والفيلم الأميركي الذي أنتجته شركة “والت ديزني” في 2010، والنكهة المصرية المسبوكة محليًّا.

هذا الدعم الثلاثي، أفاد الخلطة الفنية كثيرا، وحررها من التقيد والالتزام، فالثيمة الأساسية مستوحاة من نص لويس كارول، حيث تسقط أليس من خلال جحر أرنب (زحليقة كما في العرض) إلى عالم خيالي تسكنه نباتات وحيوانات، وكائنات غريبة، ومخلوقات أسطورية، لتبدأ رحلتها في بلاد العجائب.

التقت المسرحية أكثر مع فانتازيا فيلم والت ديزني للمخرج الأميركي تيم برتون، حيث يصور العملان “أليس” شابة مقبلة على الزواج، وليست طفلة أو فتاة صغيرة كما في العمل المكتوب، ومن ثم فإنها تصلح لأن تكون قائدة قوى الخير في مملكة العجائب، في مواجهة الوحوش الضارية والقوى الشريرة المتحالفة.

لوحات استعراضية تثير الخيال وتفجر أفكارا جريئة تحررنا من الخوف
لوحات استعراضية تثير الخيال وتفجر أفكارا جريئة

جاءت الإضافات المصرية إلى الطبخة الدرامية بمثابة البهارات ومُكسبات الطعم، فأليس يتقدم لخطبتها شاب مدلل يطمع في الاستيلاء على المملكة، وهي وأمها ترفضان هذه الزيجة، لكن تخشيان نفوذ الشاب وأمه الساحرة وجنوده المستعدين للحرب واحتلال المملكة، فعدم الموافقة على إتمام الزواج معناه حرب غير متكافئة نهايتها العار والانكسار وتحول الأميرة إلى أسيرة.

وتلتقي أليس في حلمها بالكائن البشري الذي يتخذ شكل أرنب، ويقنعها بإتباعه إلى مملكة العجائب من خلال رحلة طويلة مليئة بالتفاصيل المثيرة كالتزلج والسباحة والطيران وشرب الماء الأحمر المسحور.

وفي مملكة العجائب، تكتشف أليس أنها البطلة المنتظرة كما يقول كتاب الأساطير، وإن الجميع يعقدون عليها الآمال كي تعيد الحقوق إلى أهلها، وتصلح حال المملكة.

وبعد طول تردد، تتحلى أليس بشجاعتها، وتتعاون مع قوى الخير وصانع القبعات والملكة البيضاء “حبيبة كل الشعب” التي كان يسود في عهدها “النور والخير والحب”، ويتقدم فريق الآمال والأحلام لمحاربة قوى الشر التي تضم الملكة الحمراء التي اغتصبت الحُكم وجيشها الجرار والوحش الجبروكي العملاق.

وتتمكن أليس أخيرا من قتل الوحش الجبروكي (الديناصور) بسيف الأساطير في اليوم الموعود، لتعود مملكة العجائب إلى سابق عهدها، وتستقيم فيها الأوضاع، وفق نبوءة حكيم بلاد العجائب صاحب مخطوطة الأنباء والأسرار.

وبعد إفاقة أليس من حلمها، تجد نفسها مرة أخرى في مواجهة ذلك الشاب الانتهازي الذي يريد الزواج منها، وهنا ترفض تهديداته، وتتمسك بالمقاومة حتى آخر نَفَس، لأنها وعت الدرس جيدا، واستطاعت أن تقتل “وحش الخوف” الساكن في داخلها.

فنون وجنون

مسرحية الآمال المستحيلة والمتعة البصرية
مسرحية الآمال المستحيلة والمتعة البصرية

 تجاورت فنون المسرحية الحية النابضة، وجنون الأفكار المجردة الداعية إلى التحرر والجرأة والاقتحام في عرض “أليس في بلاد العجائب”، لتمثل المنظومة الكلية بعناصرها المختلفة صرخة إنسانية في وجه التقليدية، وثورة على الاجترار.

أقام المخرج محسن رزق عالما خصبًا موازيًا، وتحوّل الممثلون طواعية بيديه إلى ما يشبه “عرائس الماريونيت”، فالعرض حركي بامتياز، فلا تكاد تُقال جملة من غير تعبير جسدي، والأحداث كلها تتخللها الاستعراضات البديعة بصريًّا، بمرافقة موسيقى مارك إسكندر المعبرة عن طقوس السحر والأساطير، وألحان جون خليل المندمجة بالغناء الطفولي السلس.

لم تأت الاستعراضات التي صممها ضياء شفيق، مقحمة أو منفصلة عن السياق الدرامي، كما في عروض أخرى، إنما جاءت كلها ملتحمة بالأحداث، مساهمة في تناميها وتصاعدها، كما في استعراض “المبارزة بالسيوف” مثلًا بين جيشي الخير والشر، قبل قتل أليس للوحش الضاري، وكما في استعراض رقصات الباليه الذي عبّر عن افتتان أليس بمملكة العجائب.ساعدت شاشة السينما في خلفية المسرح في بناء بُعد ثالث يغذّي الصورة ويعمّق الرؤية ويفسح مجال التخييل، وشكلت السينوغرافيا أعلى درجات التفوق في العرض، من خلال ديكورات حازم شبل وإضاءة أبوبكر الشريف وملابس نعيمة عجمي، بالإضافة إلى أعمال النحت والمناظر التي صممها منذر مصطفى.

كما أسهمت السينوغرافيا في تحويل المسرح إلى فضاء بصري جذاب، وجاء الأداء مرحا انسيابيًّا مناسبًا للأحداث والأفكار التفاؤلية التي يطرحها العمل، متناغمًا مع حيوية الطبيعة وصخب الألوان والموسيقى في مملكة الجنون والكائنات الغرائبية.

“أليس في بلاد العجائب”، هي مسرحية رسم الأحاسيس وتلوينها، وهي مسرحية “الصحصحة” واليقظة و”الصهللة”، وفق اللهجة العامية المصرية، التي انتهجها العرض على مدار ساعتين كاملتين من الدعوة إلى اقتناص الأحلام بتحقيقها، ليكون الغد أفضل.

14