أميركا إلى أين بعد الانسحاب من اتفاق باريس للمناخ

الاثنين 2017/06/05

الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما اغتنم فرصة توقيع الرئيس دونالد ترامب قرار الانسحاب من اتفاق باريس للمناخ ليعيد ترميم خيبة الأمل في إدارته لملف السياسة الخارجية وتخلي أميركا عن أداء دورها كقوة عظمى، ممّا فسح المجال لتنامي العنف وتفاقم الفقر والنزوح واللجوء والتشرد في الشرق الأوسط وتمدد الإرهاب إلى العالم. فاتورة كبيرة من الدم والأموال بذمته ومشاكل مستعصية في المنطقة وفي مقدمتها الاتفاق النووي مع إيران ببنوده السرية التي يلوّح الرئيس ترامب بمراجعة الاتفاقية أو إلغائها.

اتفاقية باريس للمناخ وقعت عليها معظم دول العالم في ديسمبر 2015. الرئيس أوباما أكد أنها رأت النور لأن أميركا تقود السياسة الدولية. وهو بهذا يريد استخدام مفردة “كانت” ليوصل إلينا أن أميركا في عهده حققت الهيمنة على القرار الدولي وأن الرئيس ترامب بسياساته وقراراته أخفق في الإمساك بها. اتفاقية باريس ربما تنفع في تقييم رؤية الرئيس أوباما وأيضا رؤية الرئيس ترامب للسياسة الأميركية وانعكاسها على الأمن والسلم وحركة الاقتصاد والبيئة في العالم وآثارها على الداخل الأميركي. الانسحاب من اتفاقية باريس تهيأ لنا رصدا لتخندقات المحاور الدولية أيضا.

في أغسطس 2016 وبحضور 207 دولة في أولمبياد ريو دي جانيرو البرازيلي تم تتويج اتفاق باريس في حفل افتتاح الدورة باستعراض فني أخاذ لمتغيرات الأرض. كان نداء استغاثة لإعادة غابات الأمازون “رئة الأرض” إلى طبيعتها التي فقدت مساحتها الخضراء بحجم يتجاوز مساحة سوريا والعراق. مأساة بيئية تتعدى حجم ناتج غاز ثاني أوكسيد الكربون، الذي نطلق عليه بالتعميم مصطلح التلوث، إلى قلة إنتاج المضادات الطبيعية الراعية للتوازن وهي مهمّة الغابات الكثيفة وبما تنتجه من كميات الأوكسجين المطلوبة.

في حفل ريو ساهمت إدارة الطيران والفضاء الأميركية “ناسا” في عرض صور تستند إلى حقائق علمية صادمة بزوال مدن ساحلية في القارات المختلفة بسبب ارتفاع درجة حرارة الأرض وذوبان الكتل الجليدية؛ تلك المخاطر بعضها لا يندرج ضمن التحذيرات المستقبلية كما في جمهورية المالديف التي فقدت فعلا عددا من جزرها بسبب ارتفاع مناسيب المياه.

الرياضيون حينها وضعوا البذور لزراعة الحديقة الأولمبية وهي جزء من حملة أممية تهيّأت لافتتاحها عام 2018، العام المقرر لمراجعة مساهمات الدول المشاركة في التوقيع على اتفاق باريس للمناخ، وصولا إلى عام 2020 حيث يدخل الاتفاق حيز التنفيذ؛ بما يعني أننا في مرحلة اختبار وتمهيد لإنجاز تعهدات والتزامات مختلفة.

مشهد الإعلان عن الاتفاق في باريس ثم التوقيع عليه في أبريل في الجمعية العامة للأمم المتحدة والجو الاحتفالي والفرح الطاغي بمستقبل الإنسانية ودلالاته لوزير الخارجية الأميركي جون كيري الذي وقع الاتفاق وهو يحمل إحدى حفيداته متمنّيا لها وللأجيال القادمة أن تنعم بحياة في بيئة نظيفة ونقية وصالحة للعيش. في مكان آخر من الأرض كان الموت والإرهاب يحصدان الآلاف في العراق وسوريا لتكتمل المأساة بالاتفاق النووي مع النظام الإيراني وإطلاق سراح الميليشيات ويد النظام الحاكم في سوريا ليرتكبا الانتهاكات والخروقات من بينها استخدام السلاح الكيميائي وتداعياته المهينة على دبلوماسية الرحلات بين وزيري خارجية كل من أميركا وروسيا التي أصبحت مثارا للسخرية لتكرارها وتهاونها في إيجاد حل متوازن للحروب التي أصابت الثقة في مستقبل الجنس البشري، بجروح خطيرة.

أوباما أدار ظهره لمنطقة مشتعلة في العالم، وأراد أن يملأ الكرسي الشاغر للسياسة الأميركية المفترضة كدولة كبرى بالاحتفاء باتفاق باريس للمناخ وباستعراض ثنائي مع الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ولاعتبارات الإخفاق والترهل والكسل للإدارتين الأميركية والفرنسية.

بعد التوقيع على قرار الانسحاب برزت إلى السطح الاتهامات الموجهة إلى الرئيس ترامب لأنه أدار ظهره إلى العالم وأن أميركا طوقتها سياسة الرئيس الشعبوي بالعزلة. هذا ما يتردد في لغة المحاور الدولية وبالذات محور ولاية الفقيه بميليشياتها وبما يطرح من بضاعة إعلامية تشي بانهيار متسارع بتصريحات نفي لتحركاتهم المشبوهة مع ارتفاع في نبرة التحدي الذي سيوقعهم في مطبات حتمية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استثمر قرار الرئيس ترامب بالانسحاب من اتفاق باريس ليقدم للفرنسيين برنامجه السياسي وتعهداته الانتخابية من أجل فرنسا أكثر طموحا وإلى الأمام في المشهد الأوروبي والدولي، وهو على دراية بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يفعل ذلك أيضا من وجهة نظره إيفاء لتعهداته الانتخابية. لذلك استمعنا إلى ماكرون يتحدث بثقة عن نضال فرنسا من أجل مستقبل كوكب الأرض، وهي إشارات لأدوار أكبر وأوسع تتعدى مجال البيئة إلى تعهدات أوروبية تتعلق بالأمن والحرب على الإرهاب وتحجيم الانهيار في منظومة القيم الإنسانية التي سمحت بخلط الأوراق واستمرار الملايين من الأبرياء كدروع بشرية تحت الطلب لحماية حاكم أو نظام فاشي أو مشروع ظلامي، أو لتمرير صفقات مريضة وحشية وباستثمار دولي كالذي يحصل في العراق وسوريا.

إيمانويل ماكرون يبقي الباب مفتوحا للرئيس ترامب وللشعب الأميركي ويصفهم بالأمة العظيمة. طروحات عقلانية ورائدة في العلاقات الدولية يرافقها تحرك على الساحة الدولية لجميع سفراء فرنسا وألمانيا للتخفيف من صدمة الخروج الأميركي.

الرئيس ترامب كان قلقا بشأن الاتفاقية أثناء حملته الانتخابية لأنها تقف حجر عثرة في مسار تحقيق وعوده بإصلاح الاقتصاد ودعم الإنتاج الصناعي لذلك أراد التفاوض، لكن ماكرون وقادة الاتحاد الأوروبي كانت إجابتهم بالرفض القاطع. ترامب في توقيعه على الانسحاب من اتفاق باريس للمناخ أعطى تفويضا لفرنسا أولا ولأوروبا ثانيا، لتحتل مكانتها في إدارة الأزمات الدولية بفاعلية لا تتقاطع مع الدور الأميركي المتصاعد وضمن حسابات جزئية ومبتكرة تنزع عن الخزانة الأميركية أعباء الأولوية في تسلسل قائمة المساهمين أو المانحين في الأحلاف أو الالتزامات التقليدية.

كما في حلف الناتو وما جرى من حوار في بروكسل لتقاسم الأعباء وتسديد الديون، هذا ينطبق على اتفاق باريس ومحاولات واشنطن تقليل حصتها المقررة من المساعدات للدول الفاشلة في تنميتها الصناعية والعلمية والزراعية والمنكفئة على صراعاتها الداخلية. بالتعميم وليس الحصر، دول الجنوب دول متطلبة ماديا للنهوض بواقعها حماية للبيئة ولتقليل انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون، وهي دول تتهم دول الشمال لأنها المنتج الأكبر للتلوث بحكم تقدمها الصناعي.

الصين أولا وأميركا ثانيا في أعلى نسب مصادر التلوث في الكوكب. انسحاب أميركا يترك الصين تحت المجهر والمتابعة، الصين دولة بإمكانيات اقتصادية كبيرة لكنها تعاني من أزمات إنسانية ومن التلوث الذي يضرب مدنها بقوة، والكمامات الواقية صورة طبيعية على وجوه مواطنيها. الصين بقليل من الدعم الأوروبي ستتقدم إلى واجهة المدافعين عن اتفاق باريس لأنها تتحسّس التلوث يوميا وتريد مواكبة البحوث في الطاقات المتجددة النظيفة. أميركا لا تبتعد كثيرا عن الاتفاق، فالشركات والصناعيين وعدد من الولايات والبلديات الأميركية تختلف جزئيا أو كليا عن رؤية ترامب في تقليل الإنفاق وتقليص حجم المديونية، وهؤلاء شركاء تقليديون مع فرنسا والعالم وناشطون في مجال حماية البيئة.

الانسحاب الأميركي من اتفاق باريس دعوة لتحمل أوزار حل الأزمات بمساعدة كل الأطراف. “أميركا أولا” برنامج انتخابي تقتفي أثره دول عديدة تحاول أن تتقدم من أجل مواطنيها ومستقبلها، ثم يأتي دورها الخارجي ضمن حجمها وإمكانياتها. والدرس الأهم يأتي من أولوية الاقتصاد والتنمية لأنها مصدر من مصادر الإرهاب في الفكر والتطبيق والممارسة ومنطقتنا تعتبر نموذجا بما آلت إليه من حروب وانتكاسات مرجعيتها تكتل الثروات بيد سلطات غاشمة فرضت أيديولوجياتها على مصائر الجياع وبمساعدة ظروف بيئية في أحيان كثيرة.

اتفاق باريس للمناخ رغم أنه ملزم قانونا فإنه يعتمد على مبدأ أخلاقي في التطبيق، وهذا لا يتوفر دائما لأن الاقتصاد وعلاقته بفكرة التلوث يقترب من القوانين الملزمة لمنع التدخين في الأماكن العامة وإجبار الشركات على وضع تحذير من مخاطر التدخين على منتجاتها، لكننا لم نسمع يوما عن قرار بغلق أبواب الشركات المنتجة. التناقضات تستبيح عالمنا والتلوث كارثة متشعبة بين أقدامنا، والغريب أن العالم في نقطة معالجة الاحتباس الحراري يسعى على أمل العودة إلى ما قبل العصر الصناعي.

كاتب عراقي

10