أميركا التي يحتاجها الأعداء والأصدقاء

الاثنين 2013/11/25

يشعل الحديث عن انسحاب أميركا من المنطقة سجالاً حاداً بين مستبشر وشامت، وبين متهم للأميركيين بالخديعة وعدم الوفاء للحلفاء وبيعهم في لحظة انتهازية. والواقع، ينطلق أصحاب هذين الموقفين من نزعات عاطفية متأثرة، ولا أساس منطقي وواقعي للأمور، ذلك أن أميركا لم تقرر الانسحاب من المنطقة، وأن ما تقوم به لا يعدو كونه إعادة هيكلة لإستراتيجيتها، التي تهدف من ورائها إلى تغيير قواعد اشتباكها وتواصلها مع المنطقة ولكن بآليات جديدة أكثر ترشيداً. كما لم يحصل أن بنت واشنطن استراتيجياتها حسب هوى أصدقائها ورغباتهم، وإن تقاطعت مصالحها مع مصالحهم في أحايين ومواضيع معينة، لذا فلا يمكن اتهامها بالبيع والشراء.

وبعيداً عن شماتة الشامتين واتهام المتهمين، يحمل التعاطي مع الوجود الأميركي في العالم وفق تلك الرؤى نوعاً من التسطيح لأسباب عدة، أهمها أن العالم الذي نعيش فيه هو عالم أميركا، صنعته وصممته، وهندست عمرانه، من مشروع مارشال إلى إعادة توجيه اليابان وشرق آسيا بنمط جديد، وإخراج قوى الاستعمار القديم من أفريقيا وأسيا والشرق الأوسط، وصولاً إلى إنماء دول مجموعة البريكس وتظهيرها كقوة اقتصادية، والسماح للصين بالتحول إلى مصنع العالم الرخيص، ولا يخرج عن هذا السياق، إشراك إيران في بعض العمليات السياسية في أفغانستان والعراق، وحتى إعادة إدخال الروس في ثنايا القضايا الشرق أوسطية.

لا يستطيع أحد إنكار هذه الوقائع، صحيح أن هناك انفصالا زمنيا وسياسيا بين كل هذه الوقائع، غير أن ذلك لا يقلل من حقيقة وجود سياق واحد لها وهو سياق ترتيب المصالح الأميركية ذي الطبيعة المركبة بسبب شموليته واتساع نشاطاته، وهو ما يفسر حالة التناقض التي انطوى عليها هذا السياق في بعض مفاصله، كأن يتم التعاون مع إيران في مكان وتطبيق الحصار عليها في مكان آخر، لا بل إن الأمر لم يستثن حتى الحلفاء من هذا التناقض، ولعّل قضية التجسس على الحلفاء والشركاء توضح جزءاً من هذه الصورة.

هذه اللوحة أفرزت واقعا معقدا حقيقته إدمان العالم على التدخل الأميركي، ذلك أن أميركا هي القوة الوحيدة القادرة على حل المشاكل وإدارة الصراعات وضبطها، وإعادة صياغتها وتوجيهها وتكييفها، وهي القوة التي تستطيع ضمان تحقيق الاستقرار للنظام العالمي. حروب كثيرة في آسيا وأفريقيا كان من الممكن أن تتحول إلى نمط من العبث بين القبائل والطوائف، وحتى بين الدول لو لم تضع لها أميركا أهدافاً سياسية، الحرب بين إيران والعراق واحدة من هذه الحروب التي تداخلت في محركاتها النزعات القومية والطائفية والدينية.

كيف يمكن تصور العالم بدون إدارة أميركية وبدون انخراط مباشر في قضاياه؟ من كان سيتكفل بضبط وتأمين طرق التجارة وضمان عمليات النمو والتطور؟ أية قوة في العالم تملك القدرة على هذا الانتشار في أركان الأرض الأربعة؟ ألم يتطور العالم في ظل المساعي الأميركية لزيادة فرص الاستثمار والعمل وتوسيع مفردات الرفاهية لشعبها؟ كم فتحت من أبواب جديدة من المعرفة والكشوفات العلمية في أكثر من مجال؟ ألم يمارس العالم منذ الخمسينات سياسة الانكفاء وعدم التدخل الإيجابي، إلا بحدود معينة؟ كيف سيكون شكل التنظيم العالمي لو لم توجد إدارة أميركية لهذا الأمر؟لعل فحص التشكيلات «الدولتية» عشية الحرب العالمية الثانية يوضح حقيقة تلك التشكيلات ذات الطابع الصراعي سواء بتحالفاتها أو توجهاتها.

الشرق الأوسط كان أكبر المستفيدين من الانخراط الأميركي، ذلك أنها استطاعت إدارة اللوحة المعقدة التي ورثتها الدولة التركية والاستعماران الفرنسي والبريطاني، فقد استطاعت ضبط التوازنات وعقلنة الصراعات بين الأطراف المختلفة، وتثبيت آليات لإدارة تلك الصراعات، سواء بين العرب والإسرائيليين، أو بين الأتراك والإيرانيين، وبين هؤلاء والجوار العربي، وفي هذه اللحظات التي يشهد فيها الشرق الأوسط تحولاً تاريخياً متجلياً بصعود للإسلام السياسي وانفجار للطائفية، وانهيار لتوازنات القوى الإقليمية.

وفي النقاط المشتعلة في لبنان، والعراق، وسوريا، والبحرين التي تهدد بحريق على مستوى إقليمي، لا يوجد غير واشنطن لديها القدرة على صياغة تسوية تاريخية معينة، فهي الوحيدة التي ترتبط بعلاقات مع أغلب الأطراف، بما فيها إيران.

لا يعني ذلك أن العالم بدون أميركا لن يكتب له البقاء والاستمرار، لكنه سيكون في وضعية أكثر صعوبة، وبالطبع هذا لا يعني أيضاً انبهاراً بالنموذج الأميركي بقدر ما هو تسليم بالأمر الواقع. العالم في هذه اللحظة ليس مؤهلاً للاستغناء عن الدور الأميركي لافتقاده لقوى عالمية ذات مواصفات شاملة، فكل القوى الموجودة بالمقارنة مع أميركا هي قوى إقليمية وذات قدرات سياسية وعسكرية محدودة، لا تؤهلها لإدارة شاملة وواسعة خارج أقاليمها، أيضاً أميركا ليست في وارد تدمير شبكة ارتباطها بالعالم، وإن كانت تبحث عن صياغة جديدة لهذه العلاقات حتى لو تطلب الأمر إظهار قوى معينة بما يعنيه ذلك من إمكانية بروز كيانات جديدة. تلك القضية التي يتوجب الانشغال بها في هذه اللحظة الدولية، أكثر من غيرها.


كاتب سوري

9