أميركا بين طاغوتين، واحد حرام وواحد حلال

السبت 2014/02/22

14 سيارة مفخخة تحصد في العراق في يوم واحد أرواح العشرات من المدنيين. وفي عشرين يوما فقط من فبراير الحالي قتل أكثر من 480 مواطنا حسب حصيلة أعدتها وكالة فرانس برس استنادا إلى مصادر أمنية وطبية، فيما قتل أكثر من 1460 مواطنا منذ بداية العام الحالي. أليست دولة العراق إذن سوريا أخرى تقتل أبناءها كل يوم؟

كل هذا والشارع العراقي ساكت، ورئيس الحكومة ساكت، وكأنه شيء طبيعي لا يثير ولا يخيف. إلى هنا والأمر باق شأنا عراقيا لا يؤذي سوى العراقيين المدنيين الذين لا ناقة لهم مع المالكي، ولا جمل مع القاعدة أو داعش أو مجاهدين مجندين تحت راية الإمام.

هذا كله يحدث وإدارة أوباما ما زالت تتغنى بـ”ديمقراطية” العراق، وترسل إلى حكومته الأسلحة والخبراء لدعم “جهادها” ضد الإرهاب والإرهابيين، وتعلن دعمها للعملية السياسية، وهي تعلم أنها فاشلة وميتة ولا تستحي. وهذا في حد ذاته لغز محير. فكيف تحتضن ديكتاتورا في العراق، وتطالب ديكتاتورا آخر في سوريا بالرحيل؟

وهنا دعونا ننتقل إلى سوريا. فقد زعمت صحيفتا وول ستريت جورنال ونيويورك تايمز أن إدارة باراك أوباما، “تسعى إلى الضغط على النظام السوري وحليفه الروسي، وأنها تعيد النظر في خيارات (عسكرية) تتراوح بين تدريب المعارضة وتسليح الثوار المعتدلين وإنشاء مناطق حظر جوي”، وذلك بسبب فشل محادثات جنيف 2، وخيبة أمل واشنطن في الدور الروسي، بعد أن أخلّ الكرملين باتفاقه معها ولم يضغط على بشار الأسد لإخراجه من الحكم بهيئة المرحلة الانتقالية. ولكي نتأكد من جدية هذه الأنباء التي من المؤكد أن مخابرات أميركا ووكالاتها المتخصصة في الأمن القومي هي التي قامت بتسريبها، علينا أن نختبر إدارة أوباما بما ستفعله في أعقاب اعتزال السيد مقتدى، بموضوع الدورة الثالثة التي أحرق المالكي، حليفُها وصديقهُا، من أجل الفوز بها ثلاثة أرباع العراق، وأغرقها بالدم والدموع.

خيارات أميركا المفترضة، للخروج من المأزق السوري، لابد أن تكون عسكرية سياسية. وحلولٌ عسكرية سياسية من الوزن الذي تحدثت عنه الصحيفتان الأميركيتان لابد لها من استعدادات دولية وعربية وإقليمية، يحتاج القيام بها إلى شهور عديدة، لتهيئة الساحة وتنقيتها من المفخخات والألغام، وضمان كسب معركة إسقاط الأسد بالحد الأدنى من الخسائر. سيكون الولي الفقيه أكبرَ المتضررين من جهدٍ عسكري أو سياسي أميركي إقليمي أوروبي يُراد له أن ينتهي بإسقاط الأسد، وطرد حرسه الثوري وحزب الله ومليشيات المالكي من سوريا.

ولأن مشروعه القومي الكبير الذي كلف شعبه أموالا طائلة ودماءً غزيرة سوف يتبخر برمشة عين إذا كُسر ظهرُه السوري، فإن العقل يقول إن لطهران وعملائها أكثرَ من وسيلة مخابراتية وعملياتية لكي تتأكد من جدية مثل هذه التسريبات. وإذا ما تأكد لها أنها حقيقية وفي طريقها إلى التنفيذ فلابد أن تفاجئ خصومها المتآمرين على مصالحها القومية العليا بخطواتٍ استباقية لعرقلة هذه الجهود، حتى قبل أن تبدأ. ويقول العقل والمنطق أيضا إن العراق هو الساحة الأولى المرشحة لكي تجري عليها المناطحة الإيرانية المرتقبة مع أميركا وحلفائها.ويقول العقل إن إيران لن تجد أكثر إخلاصا لها من المالكي، ولا أشد حاجةً لجهدٍ إيراني عسكري سياسي يمنع الأميركان والسعوديين والأتراك من الإطاحة بحليفه بشار، وإسقاطه هو شخصيا بعد ذلك، أو إضعافه، على أقل تقدير.

وبعد اعتزال مقتدى الصدر، وهو الضلعُ الثالث الأساسي في الائتلاف الشيعي، وإعلانه أن العملية السياسية “بابٌ للظلم والاستهتار والامتهان ليتربع ديكتاتور وطاغوت، فيتسلط على الأموال فينهبها، وعلى الرقاب فيقصفها، وعلى المدن فيحاربها، وعلى الطوائف فيفرقها، وعلى الضمائر فيشتريها” صار لزاما على أميركا أن تعلن موقفها الواضح في هذا المفصل الحساس من تاريخ العراق والمنطقة. طبعا لا يستطيع المالكي أن يقنع الأميركان أن السيد مقتدى بعثي صدّامي أو قاعدي أو داعشي، أو سنّي تكفيري عميل للسعودية وتركيا، كما فعل مع خصومه الآخرين. من هنا يصبح من واجب السوريين أن يترقبوا ما سوف تفعله إدارة أوباما بحليفها المالكي، بعد أن تحول إلى طاغوت وبيدق إيراني مكشوف. فمن الذي يستطيع أن يصدق جديتها في إسقاط الطاغوت السوري، في الوقت الذي ترعى فيه الطاغوت العراقي، وهما أخوان وحليفان ولا يفترقان؟

أمامنا أسابيع لكي يتبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود. فإن آمنت أميركا بشهادة مقتدى أن العراق أصبح بؤرة تآمر وإرهاب وفساد، وإذا اعترفت أنها أخطأت في حق العراقيين حين ابتلتهم بالمالكي، وصار عليها تصحيح الخطأ، ثم انحازت بعد ذلك، علنا وبصدق وحماس، إلى ملايين العراقيين المتطلعين إلى الانعتاق، مثلهم مثلُ أشقائهم السوريين، فصدقوها. ودون ذلك يكون ما زعمته صحيفتا وول ستريت جورنال ونيويورك تايمز هواءً في شبك، ربما لإلهاء الناس، وتشغيل الإذاعات والفضائيات، وتهدئة الخواطر ولو إلى حين.


كاتب عراقي

9