أميركا بين هوية المواطنة وهوية الزبون

الأربعاء 2015/05/27

يعتمد النموذج الأميركي على مفهوم الزبون الذي لديه القدرة على الشراء ودفع الضرائب أكثر من مفهوم المواطنة. حيث لا تجد فرقا كبيرا بين أميركي يحمل جواز سفر أميركي، وبين مقيم أجنبي يعمل ولديه دخل بل في بعض الحالات يكون وضع المقيم أفضل من الأميركي إذا توفر له المال الذي يمكنه من دفع تكاليف الدراسة أو العلاج له ولأسرته. فالتعليم والصحة بمقابل في أميركا لكل مواطن. فالمثل يقول لا يوجد شيء مجاني في أميركا.

وأميركا تختلف في هذا حتى مع شقيقتها الكبرى بريطانيا التي توفر العلاج المجاني والتعليم لمواطنيها. لذلك فلا معنى للمواطنة في أميركا دون مال ودون عمل.

وحالة المواطن الأميركي جيدة مادام يعمل ويدفع الضرائب، فالدولة تشاركه أرباحه بنسبة تصل ثلاثين بالمئة أو أكثر، كما تساعده الحكومة على اكتساب المال لجني أرباح الضرائب، وتفتح باب الهجرة للعقول لتغذي مصانعها، وتشعل الحروب، وتتدخل في العالم بما يسمح لها بإمدادات النفط وبيع السلاح والتقنية، مستفيدة من ماكينة إعلامية ضخمة تسوق مشاريعها، وتستفيد من مجموعة من المتحمسين للمشروع الأميركي من دول العالم الثالث متوقعين لعب دور “كارازاي” في دولهم مجبرين تحت وطأة حالة الغربة التي تقود إلى اغتراب بين منبطح للتغريب ومعاد له.

أميركا اليوم تلعب الدور الإمبراطوري الذي لعبته بريطانيا عندما كانت لا تغرب عنها الشمس، لتتحول إلى جزيرة لا تشرق فيها الشمس. إنها حالة مراحل الدول التي يشبهها ابن خلدون بمراحل الإنسان من طفولة وشباب وشيخوخة.

أميركا تعتمد الدخل والمال باعتبارهما محددين مهمين للهوية، لأن الأميركي الأحمر صاحب الأرض لم يعد له حضور فهو يعيش في مجمعات مغلقة أشبه بالسجون داخل أميركا الديمقراطية. أميركا التي تؤمن باقتصاد السوق وتمنع، بيع الحديد الصيني بحجة سياسة عدم الإغراق، هي التي منعت شركة موانئ دبي من إدارة الموانئ الأميركية بحجة الأمن القومي. أميركا تفعل ما تريد ولن تعدم الوسيلة في إيجاد مبرر، ولن تتعب في إيجاد مطبل و“كارازاي” جديد لأي شعب من شعوب الأرض يقيم على أرضها ما دام الدولار هو العملة الأقوى في العالم، وهو من يحدد الهوية الأميركية.

كاتب ليبي

9