أميركا تصدر للشرق الأوسط شعارات ديمقراطية لا تطبقها

تصدرت نتائج الانتخابات التمهيدية الأميركية اهتمام الخبراء ومراكز الدراسات، التي تربط بين ما يجري في العالم الخارجي ونتائج الحملات واستطلاعات الرأي، حيث باتت السياسة الخارجية الأميركية تلقي بظلالها على هذه النتائج وتؤثّر في آراء الناخبين بشكل يتجاوز أحيانا الملفات الداخلية؛ ويطرح كمثال في هذا السياق المرشّح الجمهوري دونالد ترامب الذي استفاد من الهجمات الإرهابية التي شهدتها الولايات المتحدة ودول غربية.
السبت 2016/02/13
صوتك أشتريه بمالي

واشنطن - قدّم معهد أبحاث السياسة الخارجية الأميركي جملة من الإرشادات للرئيس الأميركي المقبل تخص ملامح السياسة الخارجية، مناشدا بإيجاد معادلة توازن بين طاقم مجلس الأمن القومي والدوائر الرسمية الأخرى مثل وزارتي الخارجية والدفاع، مشيرا إلى أنه ينبغي تقليص عدد أعضاء مجلس الأمن القومي من مستوياته الراهنة.

وأوضح المركز، وفي أحدث دراساته الصادرة بالتزامن مع الانتخابات التمهيدية، أن البيت الأبيض في عهد الرئيس أوباما قلّد نزعة فرط الإدارة المركزية التي اتبعها فريق الرئيس نيكسون وكيسنجر لشؤون السياسة الخارجية دون التحلي بالاستعدادات الجيوسياسية.

أما معهد كارنغي فانتقد نموذج الديمقراطية الأميركية، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة فشلت في إرساء نموذج الديمقراطية الأميركي داخل البلاد، بينما يمضي ساستها في نشد تطبيقه على منطقة الشرق الأوسط. وأوضح أن أوجه قصور الحكم الديمقراطي داخل الولايات المتحدة تضخمت عددا وكثافة، بدءا من عجز الحزبين الرئيسيين عن العمل معا بإيجابية وصولا إلى استيلاء مجموعات من نخب جماعات الضغط على المسار التشريعي، وامتدادا إلى العيوب الصارخة في النظام الجنائي.

ونقل مركز الدراسات الأميركية والعربية عن المعهد، قوله إن “الصورة النمطية للولايات المتحدة كمنارة عالمية للحكم الديمقراطي أضحت خارج التاريخ إلى حد كبير. ويتساءل مواطنو العالم لماذا يعتقد الأميركيون بامتلاكهم أجوبة لعيوب التجارب الديمقراطية للآخرين؟”.

وزاد في تساؤلاته أن العالم بمجمله ينظر إلى النموذج الأميركي بتجلياته الراهنة وأبرزها “تفكك السلطة التشريعية التي تحظى سوى بقليل احترام وهيبة، وتعصّب للنظام السياسي، واستقطاب حاد يشل الحركة، وتمويل مقلق للحملات الانتخابية، ومهاترات تسجيل الناخبين، وتدني مستوى إقبال الناخبين أو انتهاك الحريات من قبل القوى الأمنية”.

ويبدو أن هذه التساؤلات والملاحظات لا تقتصر على الخبراء والمراقبين بل تشمل أيضا الناخبين، حيث شهدت الانتخابات الأولية للحزبين الديمقراطي والجمهوري لاختيار مرشحيهما للانتخابات الرئاسية بعض المفاجآت، منها فوز أول مرشح غير مسيحي في انتخابات تمهيدية لأحد الحزبين بإحدى الولايات، وصعود بعض المرشحين الذين لم يكن من المتوقع تحقيقهم نجاحا.

وقد شهدت الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية نيوهامشير، التي أجريت الثلاثاء الماضي، فوز المرشح بيرني ساندرز، السيناتور عن ولاية فيرمونت، ذو الأصول اليهودية متغلبا على وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون.

وفيما يتعلق بالحزب الجمهوري، حل المرشح رجل الأعمال دونالد ترامب، التي تظهر استطلاعات الرأي أنه الأوفر حظا بالفوز بترشيح الحزب في المركز الثاني في الانتخابات التمهيدية في ولاية آيوا، التي أجريت في الأول من فبراير الجاري، في حين حصل على المركز الأول في ولاية نيوهامشير، حيث حصل على 35 بالمئة من أصوات الولاية.

حين تكون المنافسة شديدة ويكون لكل صوت وزنه، فإن لجان سوبرباك يمكن أن تحدث فرقا

ويعرف ترامب بخطاباته المثيرة للجدل وتصريحاته المعادية للمسلمين التي تجذب أصوات المحافظين، كما أن السياسات الصارمة التي يقول إنه سيتبعها مع المهاجرين والوعود التي يطلقها من قبيل بناء سور على الحدود الأميركية المكسيكية، تجعله يكسب أصوات المؤيدين للحزب الجمهوري المصابين بالإحباط من السياسات الحالية للحزب. لذلك يتساءل المراقبون عمّا إذا كان الدعم الذي يحظى به ترامب سيستمر، رغم عدم وجود مشروعات واضحة لديه في المجالات الاقتصادية والسياسية والتعليمية والسياسة الخارجية.

بين ساندرز وترامب

وتبدأ الانتخابات التمهيدية المقبلة في 20 فبراير الجاري، حيث سيجري الحزب الديمقراطي انتخابات تمهيدية في ولاية نيفادا، والحزب الجمهوري في ولاية كارولينا الجنوبية. ويعلن الحزب الجمهوري، مرشحه للانتخابات الرئاسية، التي ستجري في 8 نوفمبر المقبل، في مؤتمره الحزبي الذي سيعقد في 18 يوليو المقبل، في مدينة كليفلاند بولاية أوهايو، في حين يعلن الحزب الديمقراطي مرشحه، في مؤتمره الحزبي، الذي سينعقد في 25 يوليو المقبل، في مدينة فلاديلفيا بولاية بنسلفانيا.

وإلى حين ذلك التاريخ تبقى المنافسة الأشد والأكثر تأثيرا هي التي بين ساندرز وترامب. وغم أن ثمة هوة تفصل بين الديمقراطي بيرني ساندرز، الاشتراكي المعلن، والجمهوري دونالد ترامب، قطب العقارات الليبرالي إلى أقصى الحدود، فإنه لا يمكن إنكار أن هناك قاسما مشتركا بينهما، وهو أن حملتيهما تزدهران دون مساعدة لجان العمل السياسي “سوبرباك” التي تدعم خصومهما بملايين الدولارات من الأموال الخاصة، ما يعزز صورتيهما كمرشحين راضخين لمموليهما الأثرياء.

ولم يغفل كل من ساندرز وترامب أن يجعلا من هذه النقطة حجة لا تقبل النقض في حملتيهما الانتخابية، فأعلن السناتور ساندرز “أنه نظام يقوض الديمقراطية الأميركية، حيث يتمكن أصحاب مليارات وول ستريت وأوساط الأعمال من صرف مبالغ مالية غير محدودة (..) من أجل مرشحين” في حين جمع ساندرز تمويله البالغ 75 مليون دولار من مساهمات ناخبين يقارب متوسطها 27 دولارا، على حد قوله. ومنافسته لنيل الترشيح الديمقراطي هيلاري كلينتون، جمعت بدورها أموالا طائلة من ممولين أفراد.

نظام فاسد

من الجانب الجمهوري، يعلن دونالد ترامب أيضا أنه يرفض أن “يسيطر” عليه مانحون يتهمهم بنشر “الفساد” في النظام السياسي. وهو يمكنه اتخاذ مثل هذا القرار في ظل ثروته الشخصية المقدرة بـ4.5 مليارات دولار. في المقابل يعوّل خصومه الجمهوريون على لجان سوبرباك التي ظهرت عام 2010 والتي لا تلتزم بأي سقف لتمويلها، وهم يستفيدون من الإلغاء التدريجي للقيود المفروضة على التمويل السياسي من الشركات.

من الجانب الجمهوري، يعلن دونالد ترامب أيضا أنه يرفض أن "يسيطر"عليه مانحون يتهمهم بنشر “الفساد” في النظام السياسي

وتمكنت لجنة “رايت تو رايز” (الحق في النهوض) الداعمة للجمهوري جيب بوش من جمع 118 مليون دولار لتمويل حملات إعلانية وبريدية، من دون أن تتمكن من تعزيز موقع بوش المتأخر في استطلاعات الرأي.

وقال المسؤول السابق في اللجنة الانتخابية الفدرالية لورنس نوبل إن “المال لا يمكن أن يعوض عن ثغرات مرشح سيء، لكنه يسمح بإبقائه في السباق في وقت كان يفترض أن يخرج منه”.

ونتيجة الانتخابات نفسها يمكن أن تكون على المحك. وقال المستشار السابق للرئيس باراك أوباما في المسائل الأخلاقية نورمان أيسن “حين تكون المنافسة شديدة ويكون لكل صوت وزنه، فإن لجان سوبرباك يمكن أن تحدث فرقا”. في ما عدا استثناءات نادرة، لا تساهم الشركات بصورة مباشرة في هذه اللجان. وأوضح بوب بيرساك من مركز “سنتر فور ريسبونسيف بوليتيكس” “أنها لا تريد أن تظهر على أنها مقربة جدا من حزب معين”. والواقع أن قادة الشركات أو المقربين منهم هم الذين يقدمون الأموال. وهكذا قدم رئيس مجموعة “أوراكل” للمعلوماتية لورانس إيليسون 3 ملايين دولار للجنة تدعم المرشح الجمهوري ماركو روبيو في حين قدم قطبا النفط في تكساس الشقيقان ويلكس 15 مليون دولار للمرشح الجمهوري تيد كروز.

وبعض الممولين تحركهم دوافع محض أيديولوجية، في حين يقدم البعض الآخر الأموال على أمل كسب مكانة خاصة لدى الرئيس المقبل للولايات المتحدة.

وقال بيرساك إن “المرشح على اطلاع كامل بهوية كبار مموليه، وغالبا ما يقضي وقتا معهم، وهذا يقود إلى قيام علاقة مميزة”. غير أن هذا التقارب له كلفة سياسية. وقال نوبل إن المرشح “يقوض مصداقيته حين يقبل هذه المبالغ المالية الطائلة من قادة (أعمال). فإن قراراته، وحتى التي تستند منها إلى الأسس الأكثر متانة، سينظر إليها على الدوام بتشكيك”.

غير أن الشبهات المعمّمة يصعب تبديدها وهي تتغذى من نقاط الغموض في آلية التمويل. ومن نقاط الغموض هذه الإمكانية المتاحة للشركات لتمويل منظمات غير ربحية مثل غرفة التجارة الأميركية وجمعية “أميريكانز فور بروسبيريتي” وسواهما، بصورة مباشرة وفي غياب أي شفافية، وبعدها تقوم هذه المنظمات بضخ الملايين من الدولارات في النظام السياسي.

وقال أيسن إن “لجان سوبرباك أمر سيء، لكن هذه المنظمات أسوأ”. ومن هذه المنظمات “كروسرودز جي بي إس” التي يقدر حجم المبالغ التي قدمتها في انتخابات 2012 بحوالي 72 مليون دولار من غير أن تكشف عن هوية مساهميها.

6