أميركا: تعاون مع روسيا وصراع مع الصين

السبت 2014/04/19

تصاعد التوتر السياسي بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا. وفيما تبدو الأخيرة أكثر ثقة بخيار المواجهة حيث تتقدم بخطوات حثيثة في هذا الخيار، تبدو أميركا في موقع المدافع الحذر، في محاولة لتجنب تصعيد المواجهة مع روسيا.

سياسة الحذر الأميركية برزت في أوكرانيا بصورة واضحة، حيث بادرت روسيا بخطوة الاستيلاء على شبه جزيرة القرم، وواصلت تعزيز الاضطرابات في كل أنحاء أوكرانيا، فيما اعتمدت أميركا على التحركات الدبلوماسية الناعمة. كما برز التراجع الأميركي بصورة أوضح في سوريا، حيث التعامل بلامبالاة مع المعارضة، والتساهل دوما إزاء الدعم الروسي غير المحدود للنظام السوري، ومع الجرائم المختلفة والمتزايدة والتي تحظى بتغطية كاملة من قبل روسيا.

تبدو أميركا، وبما يخص روسيا، كمن اختار تجنب الصراع معها والاتجاه نحو تقاسم النفوذ، بعد عقدين من الاحتكار والتربع على عرش العالم. ويعزز من الرغبة الأميركية في الوصول إلى ما يشبه الشراكة مع روسيا، الخطر الذي تشكله الصين على الأمن الاقتصادي والعسكري والسياسي لأميركا. ففي الوقت الذي تنسحب فيه أميركا من العراق وأفغانستان وحتى من سوريا التي قبلت بمنح حصة مهيمنة فيها لروسيا، تتجه نحو آسيا في صراع مع الصين ينتظر أن يكون محتدما في السنوات القادمة. وقد ركزت الإدارة الأميركية على هذا التوجه الجديد، وحاولت تعزيز العلاقات مع روسيا والهند.

نهضت الصين بسرعة، واجتازت المرحلة التي كانت تقر فيها بالهيمنة الأميركية. ففي عام 1975 كان الاقتصاد الصيني يقدر بنحو 5 في المئة من حجم الاقتصاد الأميركي. غير أن الصين تحتل اليوم المرتبة الثانية على مستوى العالم بعد أن أصبحت أكبر مصدر للسلع في العالم عام 2009.

الأهم أن قيمة السلع الصينية المصدرة كانت ترتفع باستمرار، ففي حين اعتمدت الصادرات الصينية في التسعينات على المنتجات متواضعة ومنخفضة الاتقان، باتت تصدر منتجات عالية الجودة ما رفع من القيمة الإجمالية لصادراتها.

وتشكو الولايات المتحدة من أن الصين تحافظ على عملتها (اليوان) بأقل من قيمتها على نحو متعمد، الأمر الذي يساعد المصدرين الصينيين على تحقيق مزايا تصديرية كبيرة. العملة الصينية هبطت مجددا قبل أيام، ما دفع بالإدارة الأميركية للتعبير عن قلقها مؤكدة أنها تراقب عن كثب سعر صرف اليوان. وما يزيد من الضغوط على الطرف الأميركي، هو اعتبار الصين أكبر حائز في العالم لسندات الخزانة الأميركية بقيمة تصل إلى 896 مليار دولار. وهو ما يمنع واشنطن من اتخاذ خطوات تصعيدية تهدد السندات الأميركية بحوزة الصين، وهي سندات تموّل عجز الموازنة الأميركية.

على الصعيد العسكري، قامت الصين بتطوير الجيش خلال العقدين الماضيين، وهي تعتمد السرية في هذا الصدد، ما يثير حفيظة أميركا التي تطالب الصين بشفافية أكبر في إنفاقها العسكري. الأخطر هو ما أشار إليه تقرير أميركي عن أن الصين تهيمن على إنتاج نحو 97 بالمئة من عناصر الأرض النادرة، كالمواد الخام والمعادن الطبيعية التي لا يمكن إنتاجها صناعيا. وتدخل تلك العناصر في الصناعات التكنولوجية وكافة الأجهزة الإلكترونية. ويثير ذلك قلق أميركا من احتمالات خفض الصين لإمدادات تلك المعادن التي تشتد الحاجة والطلب عليها، وتأثير ذلك على الاستخدامات العسكرية الضرورية.

لا يبدو خيار الشراكة الاقتصادية مطروحا بين أميركا والصين. ففي ظل تصاعد القوة الصينية وتهديدها للنفوذ الأميركي، يبدو خيار الصراع والمنافسة هو القائم. مقابل نوع من التعاون ربما يسود العلاقات الأميركية الروسية، خصوصا بعد التوصل إلى حلول لأزمتي أوكرانيا وسوريا في الفترة القادمة.


كاتب فلسطيني- سوري

9