أميركا تعتبر من الدرس المصري بإفراجها عن المساعدات الأمنية للبحرين

يندرج القرار الأميركي القاضي بالإفراج عن المساعدات العسكرية الموجهة إلى مملكة البحرين في سياق مراجعة واشنطن لسياساتها تجاه حلفائها في منطقة الشرق الأوسط، وفق ورقة بحثية صادرة عن مركز ستراتفور، تطرقت إلى مدى وجاهة هذه الخطوة التي من شأنها أن تطمئن الحلفاء العرب وتصلح ما يمكن إصلاحه، إذا اتسمت بالجدية اللازمة، من سياسات أوباما الخارجية التي ركزت على مجد شخصي منوط بإمضاء اتفاق نووي مع إيران في ختام فترة رئاسته، على حساب أمن أصدقاء واشنطن والمنطقة عموما.
السبت 2015/07/11
البحرين حريصة على جاهزيتها لصد أي فتن طائفية تؤججها أذرع إيران

واشنطن - في التاسع والعشرين من يونيو الماضي، أعلن المتحدث باسم وزير الخارجية الأميركية جون كيري رفع الولايات المتحدة القيود على المساعدات الأمنية والعسكرية لصالح قوات الدفاع والحرس الوطني في البحرين، مشيرا إلى التحسن على مستوى الإصلاح في مجال حقوق الإنسان.

وصرح جون كيربي، الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية أنّ “حكومة البحرين حققت تقدما ملموسا في ما يتعلق بالإصلاحات بشأن حقوق الإنسان والمصالحة خلال السنوات الأربع الماضية، وهذا يشمل تنفيذ الكثير من التوصيات الرئيسية من اللجنة البحرينية المستقلّة لتقصي الحقائق”. وأضاف أنّ “هذه الخطوات تساهم في خلق بيئة أكثر ملاءمة لتحقيق المصالحة والتقدم”.

ورحّبت وزارة خارجية مملكة البحرين، من جهتها، بإعلان وزارة خارجية الولايات المتحدة الأميركية رفع تعليق المساعدة الأمنية عن المملكة، مؤكدة أن هذا القرار الصائب يعكس الوعي بحجم وقيمة المصالح المشتركة بين البلدين الصديقين، مشددة على أنّ المملكة ستواصل خطواتها الإصلاحية المتقدمة والتي كانت موضع إشادة من قبل وزارة الخارجية الأميركية، وذلك من خلال نهجها الراسخ الذي يقوم على تعزيز حقوق الأفراد وتوفير كافة الضمانات اللازمة لصونها وحمايتها، والالتزام التام بمبادئ الشفافية والمساءلة والعدالة.

ويأتي هذا القرار الأميركي في الوقت الذي يشدد فيه الرئيس باراك أوباما على التزام واشنطن بأمن حلفائها في دول الخليج. وكانت إستراتيجية إدارة أوباما في الشرق الأوسط تنص على تجنب التدخل المباشر، وفضلت بدلا من ذلك أن تعتمد على الشركاء الإقليميين لتحقيق أهدافها.

ومع التصاعد المستمر لتنظيم “الدولة الإسلامية”، والصراع الدامي في سوريا وتواصل الضغط الإيراني من أجل التأثير على المفاوضات مع الولايات المتحدة، مثّل رفع القيود الشكلية على البحرين لفتة رمزية تهدف إلى تعزيز الثقة لدى المملكة العربية السعودية وشركاء آخرين للولايات المتحدة في المنطقة. بل هو أيضا مؤشر على تطور السياسة الخارجية لإدارة أوباما في أعقاب الانتفاضات الأخيرة في العالم العربي. وهذه السياسة الخارجية تتجاهل بشكل متزايد فكرة أن القيم الأميركية والمصالح السياسية يمكن أن تتضافر وتفضّل بدلا من ذلك انتهاج الواقعية السياسية البسيطة.

وتكمن أهمية البحرين لدى الولايات المتحدة كحليف إقليمي في الشرق الأوسط، في موقعها الاستراتيجي في الخليج العربي. وقد حافظت أميركا على قاعدتها البحرية في البحرين والتي تمّ إنشاؤها منذ عام 1947، وكان الأسطول الخامس الأميركي يتمركز هناك منذ عام 1995، إلى جانب العديد من القوات البحرية الأميركية الأخرى.

وقد استخدمت الولايات المتحدة مرافق البحرين من أجل إجراء العديد من العمليات، بما في ذلك تلك الموجودة في العراق وأفغانستان. والواقع أن علاقة الولايات المتحدة مع البحرين هي أقرب في بعض الجوانب من علاقة واشنطن مع حلفائها في حلف شمال الأطلسي؛ ففي أكتوبر عام 2001، قرر الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش أنّه يحق للبحرين شراء نفس المعدات العسكرية المتاحة لأعضاء حلف شمال الأطلسي.

وعلى غرار جارتها المملكة العربية السعودية، تعتمد البحرين على العلاقة الوثيقة التي تجمعها بالولايات المتحدة منذ عدّة عقود، وتخشى من شرق أوسط تكون فيه إيران قادرة على إبراز المزيد من سلطتها، خاصّة في ظلّ ارتفاع نسق المخاوف من المعارك الطائفية المندلعة الآن في الشرق الأوسط والتي تؤججها أذرع إيران، بالإضافة إلى الدور الذي تلعبه طهران في تأجيج الأوضاع الداخلية في البحرين منذ العام 2011.

القرار الأميركي يأتي في الوقت الذي يشدد فيه الرئيس باراك أوباما على التزام واشنطن بأمن حلفائها في دول الخليج

أصول القيود الأميركية

تشير الروايات المتداولة في وسائل الإعلام إلى أن القيود الأمنية الأميركية على البحرين تم فرضها في البداية، في أعقاب أحداث العنف التي اندلعت في 2011. لكن التمويل العسكري الأجنبي لم ينخفض بشكل كبير، وفي 14 سبتمبر عام 2011، أعلنت الولايات المتحدة بيع ما قيمته 53 مليون دولار من العربات المدرعة والصواريخ المضادة للدبابات إلى البحرين.

وحاول الكونغرس منع عملية البيع، ونجح في تسليط ضغط إضافي على وزارة الخارجية لإقناع الإدارة بتأجيل البيع حتى إجراء مزيد من التحقيقات.

وفي يناير عام 2012، قامت وزارة الخارجية أخيرا بتجميد الاتفاق، وفي مايو من نفس العام أعلنت إدارة أوباما أن أي معدات يمكن استخدامها ضد المتظاهرين لن يتم تقديمها إلى البحرين حتى تنفذ إصلاحات سياسية كافية. وعلى الرغم من تلك القيود، إلاّ أنها لم تكن مرهقة بشكل كبير، حيث مازالت الولايات المتحدة تدعم البحرين بملايين الدولارات في المعدات العسكرية، بدءا من الصواريخ إلى الأسلحة الصغيرة، منذ عام 2012 وحتى الوقت الحاضر.

وفي الواقع، كانت الولايات المتحدة قد رفعت من التمويل العسكري الأجنبي إلى البحرين بمقدار يفوق 2.5 مليون دولار في عام 2012 إلى عام 2013. مؤكدة أن علاقتها بالبحرين مهمة جدا بالنسبة لواشنطن.

وتوترت العلاقات بين الطرفين مرّة أخرى في يوليو 2014، بعد أن زار توم مالينوفسكي، مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل، البلاد وتم الإعلان بأنه شخص غير مرغوب فيه وطرد من البحرين عقب لقائه مع رئيس جماعة الوفاق، أكبر جماعة شيعية في البلاد.

جون كيربي: البحرين حققت تقدما ملموسا بشأن حقوق الإنسان والمصالحة

وفي ذلك الوقت، تمّت ملاحظة السبب الذي دفع بالقيادة البحرينية إلى اتخاذ مثل تلك الخطوة، والذي كان السبّب نفسه في تدهور العلاقات الأميركية السعودية بشكل حاد في العام الماضي، والمتعلق أولا برفض واشنطن إسقاط حكومة بشار الأسد في سوريا، حتى بعد انتهاك الأسد للخطوط الحمراء باستخدام الأسلحة الكيمياوية، وثانيا بسعي أوباما بشدة إلى إيجاد تسوية مع إيران، تزامنا مع ارتفاع حدة الاحتجاجات في البحرين.

وقد ردّت واشنطن بتعليق بيع الأسلحة لقوات الدفاع البحرينية، حتى يتم السماح لمالينوفسكي بالعودة إلى البحرين و”إحراز مزيد من التقدم في مجال حقوق الإنسان”. وبالإضافة إلى ذلك، تمّ تعليق أي معدات أو مساعدة مخصّصة لوزارة الداخلية البحرينية، إلى أجل غير مسمّى. غير أنّ ذلك لم يحل دون تلقى البحرين قدر من التمويل العسكري الأجنبي من الولايات المتحدة في السنة المالية 2015، تصل قيمته إلى 7.5 مليون دولار تقريبا.

الحفاظ على الدعم

لم يدم الخلاف طويلا بين المنامة وواشنطن، حيث عاد مالينوفسكي إلى البحرين في الثالث من ديسمبر عام 2014، في زيارة أخرى ولم يطلب منه هذه المرة مغادرة البلاد.

وفي وقت لاحق حصلت عملية رفع القيود على تصدير الأسلحة إلى البحرين، التي تعيد إلى الأذهان الكيفية التي اختارت الولايات المتحدة التعامل بها مع إسقاط الرئيس المصري السابق محمد مرسي عقب ثورة شعبية في عام 2013. ومعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في عام 1979 بوساطة واشنطن، والتي تخلّت مصر بموجبها عن دورها كراع سابق لمصالح الاتحاد السوفييتي، وأصبحت شريكا استراتيجيا رئيسيا للولايات المتحدة لأكثر من 30 عاما. وينص أحد بنود تلك المعاهدة على أن الولايات المتحدة تزود مصر بـ 1.3 مليار دولار من المساعدات العسكرية سنويا، وهو ما يمثل حوالي 20 في المئة من الميزانية العسكرية لمصر.

ووفقا للقانون السنوي لمجلس النواب الأميركي، من الواضح جدا أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تقدم مساعدات عسكرية إلى إحدى الدول “حيث أطاح انقلاب عسكري برئيس منتخب”، وهو ما أراد الإخوان ترويجه عقب الإطاحة الشعبية بمرسي. ولعدة أشهر، قامت الولايات المتحدة بحظر المساعدات على النظام المصري الجديد وذلك منذ أكتوبر عام 2013، قائلة إنه لن يتم رفع القيود عليها حتى يقوم النظام المصري بالإصلاحات الديمقراطية.

يبدو أنّ التوصّل إلى توقيع اتّفاق نووي مع إيران قد هيمن على أهداف سياسة أوباما الخارجية، ونتيجة لذلك فقد فقدت واشنطن ثقة العديد من حلفائها

لكنّ تجميد المساعدات لم يدم طويلا؛ حيث أعلنت واشنطن في 31 مارس الماضي عن إعادة توزيع مساعداتها العسكرية لمصر إلى مستوياتها السابقة، والبت في تنفيذ بعض الشروط الأساسية على آليات توزيع المساعدات بدلا من الانتظار حتى تجري مصر الانتخابات البرلمانية. وكان توقيت ذلك التخفيف أمرا ملحوظا، حيث تم بعد إعلان مصر عن مشاركتها في الحملة التي تقودها السعودية ضد الحوثيين في اليمن. وقال مسؤولون أميركيون لصحيفة الـ”غارديان” البريطانية إن علاقة واشنطن مع مصر ما زالت قوية وخضعت لمجرد “إعادة تقويم”.

وفي سياق متصل، أعرب حلفاء واشنطن التقليديين في المنطقة -مصر والسعودية والبحرين- عن استيائهم من مغازلة الولايات المتحدة لإيران. وردا على ذلك، سعى هؤلاء الحلفاء إلى إيجاد شركاء جدد؛ حيث أحيت مصر من جانبها علاقاتها مع الصديق القديم: روسيا، حيث زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مصر في فبراير الماضي، ووافقت موسكو على تزويد مصر بما قيمته 2 مليار دولار من الأسلحة، وعقدت الدولتان أوّل تدريبات بحرية مشتركة في يونيو الماضي. وتتجه مصر نحو تنويع مزوديها العسكريين، عبر سعيها العام الماضي إلى إبرام صفقات مع فرنسا وألمانيا والصين. كما قامت المملكة العربية السعودية بتعزيز علاقاتها مع روسيا كذلك. وكان نائب ولي العهد الأمير سلمان، قد أدى زيارة رسمية إلى روسيا لمقابلة بوتين في 17 يونيو الماضي. كما أبرمت البحرين مؤخرا اتفاقات مع روسيا، حيث زار الملك البحريني موسكو في أكتوبر الماضي، وقال السفير الروسي في 19 يونيو الماضي إن روسيا مستعدة لتقديم المساعدات العسكرية الفنية للبحرين.

خلاصة القول، يبدو أنّ التوصّل إلى توقيع اتّفاق نووي مع إيران قد هيمن على أهداف سياسة أوباما الخارجية، ونتيجة لذلك فقد فقدت واشنطن ثقة العديد من حلفائها، ممّا جعلها تسعى بشتى السبل إلى إعادة الطمأنينة إليهم. وهو ما يجسّده قرار رفع للقيود المفروضة على المساعدات الأمنية للبحرين حفاظا على تلك العلاقات المتميزة. لكنها بالمقابل تعدّ في نظر عدد من المحلّلين خطوة سطحية توضّح مدى هشاشة وتعقيد اللعبة الّتي تُحاول الولايات المتحدة خوضها.

6