أميركا: سلطة القانون وسلطة الطغيان

السبت 2017/02/04

تصر الإدارة الأميركية الجديدة على الدوافع الأمنية لقرارها حظر دخول اللاجئين السوريين إلى الأراضي الأميركية، ومنع إصدار تأشيرات دخول لمواطني ست دول إسلامية أخرى. غير أن الحقيقة التي انتشرت على نطاق واسع، تقول بأنه لم يسجل أي عمل إرهابي على مدى العقود الأربعة الماضية، قام به أي من مواطني الدول المحظورة. بمعنى آخر، لو كان قرار الحظر نافذا منذ تأسيس الولايات المتحدة الأميركية في القرن السادس عشر، لم يكن ذلك ليمنع وقوع أي عملية إرهابية على الإطلاق.

ليس ذلك انتقادا للقرار بدعوى أنه لا يشمل دولا أخرى كما يروج مهووسون بإشاعة المزيد من الكراهية والعنصرية.وإنما للقول بأن الدوافع الأمنية للقرار لا تبدو متماسكة أو مقنعة. في الحقيقة لن يكون مستبعدا أن يأتي القرار بنتيجة عكسية تماما، فيرفع من حدة الصراع مع طيف إسلاموي واسع، أفرادا وجماعات، إلى مستوى غير مسبوق ليساعد في تجنيد المزيد من الشبان للقيام بعمليات إرهابية.

التفسير الآخر للقرار التنفيذي المثير للجدل ينطلق من عدم خبرة الإدارة الأميركية الجديدة التي تتكون من رجال أعمال لم يسبق لهم أن اختبروا العمل الإداري بتفاصيله التنفيذية المتشابكة. يضاف إلى ذلك إغواء السرعة في إحداث تغييرات ملموسة تؤكد أن الرئيس الجديد لم يأت إلى الرئاسة لكي يجعل من أميركا “بلدا عظيما من جديد” كما يردد دوما. ضمن هذا المنظور، يعتبر القرار وما تبعه من لغط وسوء تطبيق إداري مجرد خطأ بشري.

قبل المفاجأة المدوية التي تمثلت بنجاحه في الانتخابات الرئاسية، كان مبررا ومفهوما أن يعتقد المحللون أن رجل الأعمال الأميركي وفريقه يخوضون مغامرة شعبوية يعوزها التفكير والتخطيط، وهو ما جعل توقع فوزهم بالانتخابات في عداد المستحيل. أما بعد أن تحقق المستحيل، فسيكون من الخطأ مواصلة التقليل من مخططات الإدارة الجديدة ووعيها التام بما قامت وستقوم به.

لقد تعمدت إدارة ترامب تصعيد الخطاب الصدامي مع ما تقول إنه “الإرهاب الإسلامي المتطرف”. لا يريد ترامب حلا أمنيا، ولا تنتظر الدولة الأميركية، أكبر دولة عسكرية وأمنية في العالم، حلولا عبقرية من رجل أعمال في هذا الصدد. يظهر ذلك بوضوح من خلال النسخة الأولى التي ظهر فيها القرار في الحملة الانتخابية، إذ دعا إلى حظر تام على دخول المسلمين، كل المسلمين. كما أراد ترامب، وبتعمّد شديد، التسرع مع كل ما يحمله ذلك من عواقب تبدأ بالأخطاء الصغيرة، وصولا إلى الفوضى العارمة.

الخطاب الصدامي والسرعة والفوضى هي الأعمدة الثلاثة التي ترتكز عليها استراتيجية دونالد ترامب وفريقه الرئاسي لتعزيز سلطتهم. كان يجب أن يكون سريعا في إظهار ما يروق للفئات التي صوتت له، والتي تتمتع بجرعة قوية من العنصرية كانت قادرة على ترسيخ شعبيته ومنع تبددها حتى تحت تأثير أقوى التسريبات والفضائح الأخلاقية. يعتبر الخطاب الحماسي العدائي والسرعة عاملين رئيسيين في تعزيز تلك الشعبية العنصرية التي يأمل بأن تحوله إلى قائد سياسي فوق الديمقراطية، بل وفوق القانون.

لا يعتبر خلق القائد الشعبي هاجسا في الديمقراطيات الراسخة. ولكن ترامب، رجل الأعمال الذي اعتاد قيادة أعماله دون مساءلة، لا يبدو معنيا بالديمقراطية. الأكيد أيضا أن مستشاره السياسي ستيف بانون، وهو يميني متطرف، غير معني بالديمقراطية أيضا، بل يعتبرها خللا في النظام السياسي يسمح بتمرير قضايا تتعارض مع تفوق العرق الأبيض ومع إرادة الله.

هكذا، يبدو أن أحد أهداف الإدارة الأميركية الجديدة هو تقويض الديمقراطية أو تحجيم نطاق عملها. وعليها من أجل تحقيق ذلك أن تخلق قائدا يملك شخصية فريدة. لا يهم إن ظهر مضحكا أو مبتدئا أو جاهلا بالنسبة إلى البعض. المهم أن يكون ناجحا في خلق وتكريس حالة من الاستقطاب في المجتمع والسياسة. حالة الاستقطاب ووجود القائد يؤديان في بعض الحالات إلى تكوين كتلة شعبية متحمسة ومستعدة للتضحية، ليس بحياتها أو بحياة بعض أفرادها فقط، وإنما بالنظام السياسي ككل. ستكون تلك الكتلة مستعدة لانتخاب القائد في كل مرة، وللدفاع عن أخطائه وتأييده في خرق الدستور وتغييره ليناسب استمراره في السلطة. كل من أراد تقويض الديمقراطية كان عليه أن يفعل ذلك. يمينا لدينا رجب طيب أردوغان، ويسارا لدينا هوغو تشافيز.

الهجوم على وسائل الإعلام ومطالبتها بالصمت، قطع التمويل عن الجامعات ذات التوجه الليبرالي، طرد موظفين في سلك الخدمة المدنية لأسباب سياسية، التهديد بتغيير دستوري لكي يصبح إقرار ما هو مطروح في مجلس الشيوخ بغالبية ضئيلة، وأمور أخرى عديدة تعتبر غير مسبوقة بالتاريخ الأميركي باتت على أجندة دونالد ترامب. الأخطر على الإطلاق هو هيمنة السلطة التنفيذية على حساب السلطتين التشريعية والقضائية. وطالما أن الحزب الجمهوري يتمتع بأغلبية كبيرة في السلطة التشريعية، فإن معركة ترامب مع السلطة القضائية هي التي ستحدد تحولات النظام السياسي في قادم الأيام. قد تكون تحولات مخيفة، إذ لم يأت قول رائد الديمقراطية الليبرالية جون لوك عبثا حين قال “حيث تنتهي سلطة القانون، تبدأ سلطة الطغيان”.

كاتب فلسطيني سوري

8