أميركا في أفغانستان.. كسبت كل المعارك وخسرت الحرب

الاستراتيجية العسكرية الأميركية لم تعتمد على رؤية سياسية واقعية.
الاثنين 2021/07/19
حرب طويلة مكلفة

دفع الفشل في القضاء على حركة طالبان منذ العام 2001 إلى عودتها بشكل أقوى في العام 2021، فهل تملأ الحركة المتشددة الفراغ الأميركي في أفغانستان، خاصة أن تلك الحرب الطويلة كشفت أن التفوق التكنولوجي يمكن أن يقتل بشكل أكثر كفاءة لكنه يفشل في تحقيق انتصار نهائي.

واشنطن - أغلق الأميركيون الباب وراءهم في أفغانستان بعد حرب طويلة استمرت 20 عاما في بلد يواجه تحديات أمنية وسياسية، وليس أمامهم إلا سيناريوهان لا ثالث لهما: إما الركون إلى الفوضى، وإما خوض غمار المفاوضات للوصول إلى اتفاق سلام. لكن ما يجري على الأرض أكبر وأعقد من أن يؤدي إلى الهدوء في ظل السيطرة الكبيرة لطالبان على مناطق واسعة في البلاد. وفي ظل هذا الوضع الأفغاني المعقد تركت الولايات المتحدة البلاد للفوضى.

وفتح انسحاب الولايات المتحدة الباب أمام قراءات متعددة في تداعيات الإخفاق العسكري الأميركي في حرب قاسية ومدمرة استمرت طويلا في البلاد من دون تحقيق انتصار نهائي على حركة طالبان، التي احتضنت زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن قبل قتله.

ففي السابع من أكتوبر 2001، وهو اليوم الذي بدأت فيه القوات الأميركية الحرب على أفغانستان، اقترح وزير الدفاع آنذاك الراحل دونالد رامسفيلد أنها ستكون مفتوحة، لكن لم يتوقع أحد أن تتحول إلى أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة.

وقال رامسفيلد للصحافيين في ذاك الوقت “بينما تركز غاراتنا اليوم على طالبان والإرهابيين الأجانب في أفغانستان، يظل هدفنا أوسع بكثير… وهو هزيمة أولئك الذين يستخدمون الإرهاب ومن يؤويهم أو يدعمهم”. وأوضح أن هذه حرب عالمية على الإرهاب، وليست مجرد قتال في أفغانستان.

واستمرت الحرب في أفغانستان بعد تصريحات أهم وزير في الإدارة الأميركية، لكن تلاشى الحديث عن الحرب على الإرهاب، وبعد فترة طويلة تحوّل النصر إلى هدف بعيد المنال.

ولم تحتاج الولايات المتحدة سوى شهرين للإطاحة بحركة طالبان في العام 2001، وهو ما بدا نجاحا ضد الحكومة التي منحت الملاذ الآمن لمدبر هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وبعد عشرين عاما انسحبت الولايات المتحدة مع اختفاء رؤى النصر لفترة طويلة، خاصة أن صعود عناصر طالبان لاستعادة حكمهم أصبح واردا جدا.

درس عسكري

روبرت برنز: أفغانستان أصبحت درسا في حدود القوة العسكرية الأميركية
روبرت برنز: أفغانستان أصبحت درسا في حدود القوة العسكرية الأميركية

يقول الصحافي الأميركي روبرت برنز في تحليل نشرته وكالة “أسوشيتد برس” إن أفغانستان أصبحت درسا في حدود القوة العسكرية الأميركية، حيث أظهر التناقض الظاهري أنه من الممكن كسب المعارك وخسارة الحرب، وأن القوة المتفوقة من الناحية التكنولوجية يمكن أن تقتل بشكل أكثر كفاءة من عدوها ولكنها تفشل في تحقيق نتيجة نهائية تشبه الانتصار.

ويضيف برنز أن هذه النتيجة النهائية للحرب “تبرز أنه في القرن الحادي والعشرين، يتطلب الأمر أكثر من جيش مسلح مثل الجيش الأميركي، لتحويل الإطاحة بحكومة، حتى ولو كانت ضعيفة مثل حكومة طالبان، إلى نجاح دائم. حيث يتطلب على الأقل فهم السياسة المحلية والتاريخ والثقافة الذي كان الأميركيون بطيئين في اكتسابه”.

واستهانت الولايات المتحدة بمدى تأثير وجودها كمحتل على دافع طالبان للقتال، وحد من قدرة حكومة كابول على التوحد. وعلى الرغم من مقتل بن لادن في نهاية المطاف وتراجع شبكة القاعدة باعتبارها تهديدا دوليا، إلا أن الأفغان مازالوا عالقين في دوامة من العنف وسوء الحكم.

ويقول كارتر مالكاسيان في كتابه “الحرب الأميركية في أفغانستان، تاريخ”، وهو المستشار السابق لكبار القادة العسكريين الأميركيين في أفغانستان وواشنطن، إن أحد أسباب عدم جدوى الجهود الأميركية يكمن في تأثير الإسلام ومقاومة الاحتلال الأجنبي. ويقول إن تلك كانت عوامل لم يفهمها الأميركيون جيدا.

وكتب “إن مجرد وجود الأميركيين في أفغانستان ركز على ما يعنيه أن تكون أفغانيا… حث الرجال والنساء على الدفاع عن شرفهم ودينهم ومنزلهم. وتجرأ الشباب على القتال. لقد حرك حركة طالبان.. واستنزف إرادة الجنود والشرطة الأفغان”.

ويرى برنز أن الجيش الأميركي “ربما أضاع فرصا لتحقيق الاستقرار في أفغانستان في السنوات الأولى بعد الإطاحة بطالبان”، التي أدارت البلاد باعتبارها دولة منبوذة دوليا من العام 1996، لكن السؤال الأكبر يكمن في ما إذا كان الجيش قد أخطأ في دور قيادة نقل أفغانستان من الفوضى إلى الاستقرار بعد نجاحه الأولي.

ولا يخوض الجيش الأميركي حروبا وفقا لشروطه الخاصة بالكامل بل يتحرّك من خلال التوجيه المدني. وعلى الرغم من احتمال اتهام القادة المدنيين بالمبالغة في رؤى بناء أفغانستان ديمقراطية قادرة على الدفاع عن نفسها، فقد تبنى الجيش هذا الهدف في النهاية. وتكررت مزاعم كبار الضباط العسكريين حول تجاوز أصعب مرحلة نحو النجاح في أفغانستان لدرجة أن النقاد تساءلوا عما إذا كان الجيش يسير في حلقة مفرغة.

ويقول كارل إيكنبيري، وهو ملازم أول متقاعد في الجيش يتمتع بمزيج نادر من الخبرة العسكرية والدبلوماسية رفيعة المستوى في أفغانستان، إن الجيش الأميركي رفض في البداية مهمة مفتوحة لبناء دولة في بلد فقير يعاني من صدمة عقود من الحرب الأهلية.

ثم مال للمهمة، وأصبحت الولايات المتحدة أكثر وجودا لأنها تنتهج استراتيجية عسكرية لا تسترشد بمناقشات سياسية واقعية في واشنطن حول النتيجة التي يمكن تحقيقها وبأي تكلفة.

وكانت التكاليف هائلة. حيث قتل عشرات الآلاف من القوات الحكومية الأفغانية والمدنيين. وفقدت الولايات المتحدة أكثر من 2440 جنديا، وفقد الحلفاء أكثر من 1100 جندي. وأنفقت الولايات المتحدة المئات من المليارات، وتخطط إدارة بايدن لمطالبة الكونغرس بإنفاق المزيد من المليارات لدعم الجنود الأفغان حتى بعد الانسحاب لمواصلة دفع رواتبهم.

حرب بلا فائدة

Thumbnail

انتقلت الحرب في أفغانستان، التي نشأت في أعقاب الصدمة التي أعقبت هجمات الطائرات المخطوفة التي أودت بحياة ما يقرب من 3000 شخص في 11 سبتمبر، من لحظة الانتصار للإطاحة بطالبان في كابول إلى ما يقرب من عقد من التمرد المتجدد، بدءا من 2005. وبدا موت بن لادن في 2011 وكأنه فرصة لإنهاء الحرب، لكن أمدها طال.

ويختلف الخبراء حول سبب فشل الولايات المتحدة الرئيسي في وقف عودة طالبان بعد خسارتها الأولية، ولكن أحد العوامل المساهمة كان قرار الرئيس جورج دبليو بوش بغزو العراق في 2003. وفي غضون بضع سنوات، أصبحت الحرب مستهلِكة لدرجة إحالة أفغانستان إلى منزلة ثانوية. ودافع بوش مؤخرا عن قراره خوض الحرب، وانتقد بشدة قرار الانسحاب الأميركي في إطار تخفيف حدة الورطة التي أثرت بشكل كبير على الولايات المتحدة.

وجاء الانسحاب الأميركي من أفغانستان بعد أن رأى الرئيس جو بايدن أن استمرار الحرب لا معنى له. وأعلن في أبريل أنه سينهيها، مجادلا بأن انتظار لحظة مثالية للمغادرة كان صيغة لعدم المغادرة أبدا، مشيرا إلى التزام الانسحاب الذي قطعته إدارة ترامب على طالبان في 2020. وستغادر آخر القوات بحلول أواخر أغسطس المقبل.

الخطر المتبقي يكمن في انهيار الحكومة وعودة التهديدات الإرهابية على الرغم من وعود أميركية بالضغط من أجل تسوية سلمية

وجادل بايدن بأن الهدف المركزي لبدء الحرب هو سحق القاعدة ومنع أفغانستان من أن تصبح أرضا خصبة لهجوم آخر على الولايات المتحدة مرة أخرى قد تحقق، ولم يبق أي سبب للمزيد من المخاطرة بالقوات الأميركية. لكن الخطر المتبقي يكمن في انهيار الحكومة الأفغانية وعودة التهديدات المتطرفة، على الرغم من أن بايدن وعد بالحفاظ على وجود دبلوماسي أميركي في كابول والضغط من أجل تسوية سلمية.

وشنت طالبان هجوما شاملا في أوائل مايو الماضي مستغلة الانسحاب الأميركي الذي سيستكمل في أواخر أغسطس، وحققت الحركة سيطرتها على مناطق ريفية شاسعة ومعابر حدودية مهمة مع إيران وتركمانستان وطاجيكستان وباكستان. ولم تعد القوات الأفغانية التي باتت محرومة من الدعم الجوي الأميركي الحيوي، تسيطر سوى على المحاور الكبرى وعواصم الولايات. كما يطوّق المتمردون عواصم بعض الولايات، لكنهم لم يشنّوا مؤخرا أي هجوم كبير ضد هذه المدن، باستثناء عملية قصيرة في يوليو في قلعة نو عاصمة ولاية بدغيس، التي كانوا قد طردوا منها بعد معارك دامت أياما.

ويبدو أن طالبان تعمل منذ فترة طويلة تحت قيادة واحدة وفعالة وتشنّ حملات عسكرية واسعة على الرغم من انتشار شائعات تتحدث عن خلافات بين قادتها، لكن السؤال الذي لا يزال مطروحا هو مدى التأثير الذي ستتمتع به قيادة الحركة على القادة الميدانيين وما إذا ستكون قادرة على جعلهم يحترمون اتفاق سلام محتمل.

ويقول إيكنبيري إنه “مع عدم وجود منافس نظير، وقوة متطوعة، وعجز في الإنفاق، تمتعنا بترف استراتيجي وسياسي لخوض حرب إلى الأبد”.

7