أميركا وإسرائيل والحرب غير المباشرة مع إيران

التصعيد الأميركي الإسرائيلي الحالي تجاه إيران لن ينتهي بطلب تعديل طفيف على الاتفاق النووي، بل بوضع قيود صارمة تجرد إيران من إمكانية امتلاك السلاح النووي.
السبت 2018/05/05
التهديدات الأميركية والإسرائيلية ساهمت في انهيار الاقتصاد الإيراني

جاء كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن وثائق تثبت أن إيران كانت تسعى سرا لإنتاج أسلحة نووية، كجزء من عملية التحشيد الإعلامي والضغط على الإدارة الأميركية لكي تتخذ قرارا بالانسحاب من الاتفاق النووي.

قبل خطاب نتنياهو بأيام، استهدفت ضربات صاروخية، من المرجح أنها إسرائيلية، مخازن أسلحة وقواعد عسكرية للنظام السوري وإيران في ريفي حماة وحلب. تميزت تلك الضربات الصاروخية بالقوة والدقة إذ دمرت نحو مئتي صاروخ إيراني الصنع.

تشير كل التوقعات إلى أن التصعيد العسكري والسياسي الحاصل تجاه إيران يسبق قرار الإدارة الأميركية بالانسحاب من الاتفاق النووي، والذي من المتوقع أن يجري إعلانه قبل 12 مايو الحالي. وتعتبر موجات التصعيد والتحشيد الإعلامي تلك من العوامل المساعدة للإدارة الأميركية لاتخاذ قرارها بسبب كونه مثار جدل في الداخل والخارج. ففي الداخل الأميركي هناك انقسام حاد حول الموقف من البرنامج النووي، حيث يدعم الديمقراطيون استمرار الاتفاق فيما يعارضه صقور الجمهوريين. وفي الخارج يقف كل من الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين مع استمرار الاتفاق النووي وتحذر من عواقب الانسحاب الأميركي.

في مناسبات عديدة، عبرت إدارة الرئيس دونالد ترامب عن رغبتها بتعديل الاتفاق بدلا من الانسحاب وهو ما يطرح السؤال حول طبيعة هذا التعديل. لا يبدو أن هنالك إستراتيجية محددة في هذا الوقت، إذ تتراوح الخيارات بين طلب المزيد من القيود على برنامج إيران النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية، وصولا إلى الاستسلام الشامل وإلغاء البرنامجين معا. أما أدوات تحقيق ذلك فتتراوح بين الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية، وصولا للحرب المباشرة.

الأكيد أن التصعيد الأميركي الإسرائيلي الحالي تجاه إيران لن ينتهي بطلب تعديل طفيف على الاتفاق النووي، بل بوضع قيود صارمة تجرّد إيران من إمكانية امتلاك السلاح النووي، وربما التقنية النووية السلمية، في المستقبل، وهو ما سترفضه طهران. المطلوب ثانيا هو توظيف معركة الملف النووي للضغط على إيران في ما يخص عددا من المسائل الإقليمية، وخصوصا مسألة توسع نفوذها العسكري والسياسي في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

مجرد تصاعد التهديدات الأميركية بالانسحاب من الاتفاق النووي وتزايد احتمالات مواجهة عسكرية إسرائيلية أدى خلال الأشهر الخمسة الماضية إلى تدهور كبير في سعر صرف العملية الإيرانية

كان أحد أهم الانتقادات الموجهة لإدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما مع بدء تنفيذ الاتفاق النووي الإيراني ورفع العقوبات الاقتصادية هو عدم وجود توافق شامل على قضايا المنطقة. شملت الصفقة تقويض قدرات إيران النووية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية، من دون إلزام إيران بانتهاج أي سلوك “بنّاء” تجاه الصراعات المستعرة في المنطقة. وقد بررت إدارة أوباما ذلك بتعويلها على أن إلغاء العقوبات الاقتصادية سوف يساهم في تليين سلوك إيران، حيث ستفضل قطف ثمار الاندماج الاقتصادي على المعارك السياسية والعسكرية. لم يحدث ذلك بالطبع بل صعدت طهران من نشاطها العسكري بعد انتعاش إيراداتها الاقتصادية. كما جعل تعقيد الوضع الإقليمي، وخصوصا مع اندلاع الربيع العربي ودخوله في مسارات صراعية شديدة التشابك، إدماج المسائل الإقليمية في المفاوضات عقبة كأداء تمنع التوصل لاتفاق نووي بدا أنه يمثل أولوية.

ولكن ما هو بديل إلغاء الاتفاق النووي؟ هنالك بديلان أمام الإدارة الأميركية وإسرائيل. الأول هو خيار الذهاب للحرب مع إيران. يبقى هذا الخيار مطروحا رغم قلة احتماليته بسبب التكاليف التي قد تترتب على استخدامه. وبسبب ذلك، يبدو خيار الحرب غير المباشرة أكثر احتمالا حيث يمكن تصعيد الضربات العسكرية ضد التواجد العسكري الإيراني في العراق وسوريا واليمن بما يهز صورة النظام الإيراني.

وبالتزامن مع ذلك، من الممكن أن تتصاعد محاولات تفجير الوضع الداخلي في إيران. فبمجرد اندلاع سلسلة تظاهرات متفرقة نهاية العام الماضي في عدد من المدن الإيرانية، سارع كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي والرئيس الأميركي لإبداء الدعم الكامل لتلك التظاهرات. ويظهر ذلك إحباط الأميركيين والإسرائيليين من انسداد خيارات التغيير السياسي في إيران، وتعويلهم اليائس على التظاهرات الداخلية.

ولكن ذلك التعويل في حال إلغاء الاتفاق النووي وعودة فرض العقوبات الاقتصادية قد لا يكون يائسا بل مدروسا ومدبرا. من ضمن السيناريوهات المطروحة أن يؤدي إلحاق هزيمة عسكرية بإيران في سوريا والعراق، بالتزامن مع عودة العقوبات الاقتصادية وانحدار أداء الاقتصاد الإيراني، إلى إطلاق اضطرابات داخلية. عبر التاريخ الحديث كانت الهزائم العسكرية التي لحقت بأنظمة تسلطية أحد عوامل إطلاق تحولات سياسية داخلية قادت بصورة دراماتيكية إلى تغيير النظام السياسي، كما حدث في هزيمة الأرجنتين المذلة في حرب الفوكلاند أمام بريطانيا في العام 1982.

الأهم ربما في السياق الإيراني هو دفع الاقتصاد الإيراني الذي يعاني بشدة اليوم، حتى من دون عقوبات اقتصادية، نحو الانهيار. فمجرد تصاعد التهديدات الأميركية بالانسحاب من الاتفاق النووي وتزايد احتمالات مواجهة عسكرية إسرائيلية أدى خلال الأشهر الخمسة الماضية إلى تدهور كبير في سعر صرف العملية الإيرانية حيث فقدت ثلث قيمتها. وعلى هذا فمن المؤكد أن يؤدي توقف عائدات النفط وتراجع الصادرات الإيرانية بفعل عقوبات جديدة إلى أزمة حقيقة وانفجارات اجتماعية. أما هل تطيح تلك الانفجارات بالنظام الثيوقراطي الإيراني، الذي يحتفل بإكماله أربعة عقود في السلطة العام القادم، فهي مسألة أخرى تخضع لتوازنات القوى داخل النظام الإيراني.

8