أميركا وإيران.. الود المطلوب

الاثنين 2013/10/07

لم تمض سوى أيام على المكالمة التاريخية التي أجراها الرئيس الأميركي بارك أوباما مع الرئيس الإيراني حسن روحاني، حتى عادت لهجة التشدد تظهر من جديد في الخطاب الرسمي لإيران متمثلاً بالمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي الذي أعلن وهو يناقض نفسه: دعمه جهود إيران الدبلوماسية في الجمعية العامة للأمم المتحدة،إلا أنه أضاف أن بعض ما حدث هناك «لم يكن ملائما».

خامنئي قال: «ندعم تحركات الحكومة الدبلوماسية ونعطي أهمية للجهود الدبلوماسية ونساند ما تم في هذه الرحلة». لكنه نسي أو تناسى أن بعض ما حدث في رحلة نيويورك الذي قال عنه خامنئي أنه «لم يكن ملائما»، هو في متن التحركات الديبلوماسية وهي بالطبع كثيرة منها الابتسامة والمصافحة وتجاذب أطراف الحديث على طاولة واحدة.

خامنئي كان قد منح الرئيس روحاني الضوء الأخضر قبل ذهابه الى نيويورك، ليفعل ما يشاء، من أجل إنقاذ إيران من ورطة «العقوبات» الأميركية والأوروبية، وأربعة قرارات صدرت عن مجلس الأمن الدولي بسبب سياسات محمود أحمدي نجاد، هو نفسه الذي تحدث عن «ديبلوماسية المرونة البطولية» وهي ترجمة حرفية لمقولته المعروفة «نرمش قهرمانانه» وهي ليست الا «ديبلوماسية القوة المرنة» كما يحلو لأتباعه في الحرس الثوري وصفها، وهم يعلنون، كما فعل خامنئي نفسه، دعهم لروحاني الغارق في وحل العقوبات التي أغرق نجاد، الإيرانيين بها.

هل يمكن اعتبار تصريح خامنئي إغلاق للأبواب بوجه روحاني في شأن محاولاته الجدية نحو إزالة التوتر في علاقات بلاده المقطوعة منذ نيسان 1980 مع أميركا؟

قبل الانتخابات الرئاسية الأخيرة في يونيو حزيران المنصرم، كان خامنئي المسكون برعب «فتنة انتخابات 2008»، حريصا على أن لا تتكرر تلك «الفتنة» التي تقض مضجعه وتؤرقه دائما ومزقت نسيج الجمهورية الاسلامية، وشككت في مشروعية نظامها القائم أساسا على الاستفتاء على شكل النظام بنعم أولا عام 1980، وانتخابات تحولت تدريجيا بوجود سلطة مجلس صيانة الدستور القهرية المطلقة، إلى «اختيارات»، ولهذا فإن خامنئي أظهر في تلك الأيام قبل 12 حزيران المزيد من المرونة إلى حد «استجداء» الإيرانيين الذين لا يؤمنون بشكل النظام، لكي يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع والتصويت حتى لو ببطاقة اقتراع فارغة، لأنه يعتقد أن نتيجة الانتخابات مهما كانت، فهي تصب لصالحه ولصالح شكل النظام الذي لم يتبق منه إلا اسمه ورسمه على حد تعبير معظم قادة الإصلاح.

خامنئي كان السبب في كل ذلك وفي مغادرة مئات الصحفيين والطلاب لبلادهم وامتلاء السجون بالمحتجين، بتأييده اللامحدود لنتائج انتخابات 2009 المزورة (حتى قبل البت فيها من قبل مجلس صيانة الدستور) والتي أشرف عليها رئيس لجنة الانتخابات آنذاك كامران دانشجو، «الذي زور شهادته الأكاديمية وغيّر دينه وتعمد في كنيسة بمدينة يونانية بسبب فتاة، وقد أثبتت ذلك بفيلم وثائقي»، ولم يعد جديرا بالثقة ليشرف على تلك الانتخابات التي أعدم بعض الذين شاركوا في الاحتجاج على نتائجها، بتهمة «الردة ومحاربة الله والرسول»

خامنئي هذا هو نفسه أيضاً الذي كان وراء منع رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني بعد تقليم أظافره بعزله عن رئاسة مجلس الخبراء والتخلص من «شبح» تنصيبه مرشدا وليا فقيها من قبل رفسنجاني نفسه، وبعد محاولات اغتياله السياسية الكثيرة التي قادها أحمدي نجاد وبطانة « الحجتية « المنتشرين في القضاء والإعلام وفي البرلمان وباقي مراكز السلطة والنفوذ وكان منها اعتقال نجله مهدي وابنته فائزة. لكن خامنئي الذي لم يكن يحسن فن الصراع كما يحسنه رفسنجاني، سمح لروحاني بالترشيح للانتخابات في سيناريو كان رسمه رفسنجاني الذي خطط للأمر بدهاء، عندما دفع بروحاني للترشيح ك» كومبارس» يمكن أن ينسحب في أي لحظة لصالحه لو سمح له بخوض تلك الانتخابات.

ولكن وبعد منع رفسنجاني من خوض سباق «الاختيارات» وهي انتخابات محددة بشروط نظام ولاية الفقيه وبهيمنة مجلس صيانة الدستور، لم يعد بالإمكان منع روحاني الذي حصد نتائج الجولة الأولى لصالحه بموافقة خامنئي الذي لديه ما يكفيه من أزمات داخلية ;خارجية لا يخرجه منها إلا إظهار «المرونة البطولية» أي الانسحاب وتقديم تنازلات، فيما هو يحافظ على ماء وجهه مظهراً «ديبلوماسية القوة المرنة» وهو ما دأب عليه بعد كل محاولة لإيجاد اختراق في العلاقات الإيرانية الأميركية.

خامنئي يدرك أن ديبلوماسية روحاني الناعمة هي الكفيلة بحل أزمة الملف النووي والعقوبات التي ترتبت عليها، وإخراج إيران باحترام من الورطة الكبيرة في سوريا التي تكلف النظام ثمناً باهظا وتكاليف أخرى ليست في الحسبان سواء في العراق أو في لبنان وحتى في آفغانستان وداخل إيران نفسها، وهو إذن يتفهم جيدا أن ذلك لن يتحقق الا بالمفاوضات، وأن المكالمة الهاتفية ليست إلا واحدة من أساليب التفاوض التي لا تختلف كثيرا إلا في مستوى التبادل الديبلوماسي، عن تبادل رسائل نقلها وسطاء منهم سلطان عُمان ومبعوثون من اليابان وسويسرا، والأميركي «جيفري فيلتمان».

كما يتذكر خامنئي أنه تبادل مع أوباما رسائل في وقت ربما «لم يكن ملائماً» بما يؤكد أن مرشد الجمهورية الإسلامية ينطبق عليه المثل المعروف «مشتهية ومستحية«، فهو مع جهود الرئيس الديبلوماسية ويتحفظ على «المصافحة» فقط لأنها لم تؤد حتى الآن، إلى زواج متعة بين طهران وواشنطن، بسبب المتطرفين في إسرائيل والكونغرس، وهذا طبعاً ما أشار له خامنئي عندما ربط بين التصعيد في لهجته بأنه لا يثق بأميركا، بالتهديدات الإسرائيلية بعد لقاء أوباما- نتانياهو، عندما توعد خامنئي برد «قاس» من جانب إيران بعد التهديدات التي وجهتها اسرائيل بالتحرك منفردة ضدها لمنعها من التزود بسلاح نووي، ونفى وجود الجانب العسكري في برنامج بلاده النووي وأكد قبل توجه روحاني إلى نيويورك استعداده للتوصل إلى اتفاق مع الغرب بشأنه. إنه تصعيد مقابل تصعيد، خصوصا مع تصريحات أوباما بعد لقائه نتانياهو التي اعتبرها الإيرانيون إهانة لهم. فالود بين طهران وواشنطن مطلوب.. حتى من خامنئي.

______


* كاتب عراقي

9