أميركا والتسويات الجزئية في المنطقة

السبت 2014/01/18

بعد عدة أعوام من خمول الدبلوماسية الأميركية، تعود تلك الأخيرة، وعبر ممثلها الأبرز جون كيري، إلى النشاط والعمل الدؤوب على عدة “جبهات”. إذ تحمل جميع الملفات التي يحاول كيري إيجاد تسوية بخصوصها عبء فترات طويلة من الصراع المباشر والعنيف في قسم منها، كالقضية الفلسطينية والسورية، والصراع العسكري البارد، كما هو الحال مع ملف إيران النووي. هي مسائل سياسية- أمنية، يسعى جون كيرى إلى حلها على طاولة المفاوضات.

جهود كيري تأتي في مرحلة تراجع فيها الدور الأميركي “الحاسم” في مناطق واسعة من العالم، وفي ملفات متعددة، خصوصاً في الشرق الأوسط الذي شهد على مدار ثلاث سنوات سلسلة متعاقبة من الانفجارات التي تكاد تغيّر وجهه. انفجارات عزّزت من دور بعض الدول الإقليمية، كإيران وتركيا اللتين استفادتا من تراجع الدور المصري بصورة كبيرة جداً، وبدرجة أقل الدور السعودي.

كما عزّز الانحسار الأميركي والانفجار الإقليمي من الدور الروسي الطموح أصلاً إلى استعادة ذلك الزمن الغابر للقوة السوفيتية. وهو طموح لا يخفيه “القيصر” الجديد فلاديمير بوتين. كما لا تخفيه شرائح واسعة من المجتمع الروسي، بحسب ما أثبت استطلاع حديث للرأي، الذي أظهر أن 57 في المئة من الروس يأسفون لتفكّك الاتحاد السوفيتي ويعتبرون أنه كان بالإمكان تفادي ذلك.

في ظل مروحة التوازنات الجديدة تلك، وحيث لم يعد بإمكان أميركا التفرد بقيادة العالم، وتطبيق سياسة “كل شيء أو لا شيء”، أخفت أميركا العصا جزئياً، وتراجعت تلك النبرة المتغطرسة التي هدّدت قبل نحو عقد من الزمن كل دول العالم في عقر دار الدبلوماسية العالمية “مجلس الأمن”، عندما صرخ جورج بوش إبان غزو أفغانستان والعراق : “من ليس معنا فهو ضدنا”. هكذا، انطلقت أميركا لإيجاد تسوية لملف إيران النووي تحت عنوان “إيقاف ما يمكن إيقافه”، بعد سنوات من التجاهل التام، ومن ثم البدء بسياسة العقوبات الاقتصادية التي أثبتت في غير مرة مع هذا النوع من النظم الدكتاتورية عدم فاعليتها. فالعقوبات تضرب في العمق الأغلبية الساحقة من المجتمعات، فيما لا تضير وعلى نحو مؤثر السلطات الحاكمة، بل تعزز من تماسكها وغطرستها، وتدفعها لمزيد من التأقلم والتقوقع على الذات، ولتوطيد تحالفاتها الإقليمية والدولية البديلة.

وهذا شكّل على الدوام مناخاً مثالياً للاندفاع قدماً في المشاريع الأمنية السلطوية التي تشكل غاية الغايات لمثل تلك النظم، وأرضية صمودها الصلبة. وبالتوازي مع ذلك، اندفعت الإدارة الأميركية للعب دور أكبر في الصراع السوري، ظهر ذلك حالما توصلت في منتصف العام 2012 إلى تسوية نظرية بعناوين عريضة مع الجانب الروسي في مؤتمر “جنيف1”.

ويمكن اختصار السياسة الأميركية بعد ذلك التاريخ بخصوص سوريا بمحاولة تهيئة الأجواء لعقد جنيف 2. وكان من متطلبات تلك التهيئة، إنشاء جسم أوسع للمعارضة السورية يكون قابلاً للدخول في مؤتمر تسوية مع نظام باتت أميركا تعتبر أنه باقٍ ولن يتغيّر إلا على نحو جزئي يقرره “جنيف 2” وربما “جنيف 3”.

على الصعيد الفلسطيني، قام جون كيري بجولات مكوكية شملت الأراضي الفلسطينية وإسرائيل، فضلا عن دول الجوار العربي المعنية بصورة مباشرة بإرساء أية تسوية. وقدّم مبادرة سعى من خلالها إلى تذليل العقبات التي تمنع إطلاق المفاوضات. أي أنه سعى إلى وضع “إطار اتفاق” بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

ويعرف كيري أن ذلك “الإطار” هو ما يمكن أن ينجح فحسب، وأن التوصل إلى حل شامل مستحيل تماماً بوجود إسرائيل كدولة صهيونية استيطانية تعمل يومياً على قضم المزيد من أراضي الضفة الغربية التي من المفترض أن تقام عليها الدولة الفلسطينية. الأمر الذي يغيّر كل بضع سنوات من طبيعة “الحل” ويدفع تلقائياً إلى حل جديد، إنه في الحقيقة يمنع الحل.

في ظل هذا الحراك الدبلوماسي الأميركي، تبدو الصورة مختلفة تماما عن تلك التي سادت في العقود الماضية. فالولايات المتحدة تحاول بعناد دبلوماسي تحصيل ما هو أقل من “حل”، تحاول التوصل إلى ضُرب من الأهداف قصيرة المدى، بعيداً عن التخطيط لحل شامل.

في المقابل يبدو أن التخطيط الشامل يحظى بالأولية بالنسبة إلى أطراف النزاع الأقوى، إيران والنظام السوري وإسرائيل. ولا يبدو أياً منها مستعداً لتقديم حلول جزئية حتى الآن. بل إن الاندفاع الأميركي حفّز تلك الأطراف على التمسك بسياسة “كل شيء أو لا شيء”. ويبدو ذلك واضحاً عندما تحاول إيران التهرب حتى من الاتفاق الجزئي الأخير بخصوص ملفها النووي، والالتفاف عليه من خلال البرلمان الإيراني الذي يعمل على استصدار “فيتو” يمنع التوصل إلى “حل”. كذلك الأمر، عندما تمتنع إيران عن المشاركة في مؤتمر “جنيف 2” بخصوص سوريا، إذ ما كان محتماً الإقرار ببنود “جنيف 1”.


كاتب فلسطيني- سوري

8