أميركا والربيع العربي

الخميس 2013/08/22

أثارت الصحافة الأميركية منذ أيام قضية التأثير الأميركي في بعض مناطق العالم، وأشارت إلى ضعف هذا التأثير في العالم العربي، قائلة إن أحداث الربيع العربي هي التي أظهرت ضعفه.

ونعرف جميعا أن لأميركا مشاكل مع عدد من دول العالم، والذين يتابعون المشهد الثقافي والسياسي الأوروبي، يذكرون ما حصل من تذمر للرأي العالمي في البلدان الغربية، أو بلاد «العالم الحر» كما تسميها أميركا، إثر حربها سيئة السمعة في فيتنام، ويذكر الناس بالتأكيد المسرحية التي أعدها وأخرجها واحد من عباقرة العالم في المسرح بيتر بروك، وهي مسرحية قدمها عام 1966، وترجمت إلى اللغة العربية باسم «نحن والولايات المتحدة»، تطالب بإيقاف الحرب وتقدم إدانة للدور الأميركي في هذه الحرب. وخلاصة القول إن علاقات التأزم والانفراج هي التي سادت بين أميركا وبقية بلاد الله.

قد يبدو غريبا في ضوء التأزم بين هذه الدولة وأقطار الوطن العربي، أن نرى كيف تطلعت الدول العربية أثناء كفاحها ضد المستعمر، إلى أميركا باعتبارها جسر العبور إلى الحرية وأمل الخلاص من السيطرة الكولونيالية، وكان باعث هذا الأمل هو مبدأ تقرير المصير الذي نادى به الرئيس الأميركي ويلسون عام 1916، إلى حد صرنا نفوّض فيه حكومة الولايات المتحدة الأميركية بنقل وجهة نظرنا في المحافل الدولية، نتيجة لما كنا نضعه من ثقة في الإدارة الأميركية التي رأيناها آنذاك معادية للاستعمار.

وظهرت بعد ذلك دولة الاتحاد السوفيتي التي تبوأت مركز القيادة للمعسكر الشرقي، وتكرس الانقسام بين المعسكرين عشية الحرب العالمية الثانية، وصارت له تجلّيات على أرض الواقع، مثل تقسيم ألمانيا إلى شرقية وغربية، وظهور سور برلين كرمز يجسّد هذا الانقسام، الذي اتخذ شكل صراع شرس على مستويات اقتصادية وثقافية.

وتأججت الحرب الباردة بين الكتلتين، وظهر في السياسة الأميركية التعبير الأشهر الذي حكم علاقاتها بشعوب العالم لما يقرب من نصف قرن وهو «الاحتواء»، ومعناه فرض السيطرة الأميركية على بلدان العالم كأسلوب لحمايتها من الوقوع تحت تأثير الشيوعية. ووفقا لهذا المنهج نشأت الأحزاب والتحالفات واتفاقيات التعاون التي لم تكن إلا عقود إذعان وفرضا للهيمنة، التي طالت بلدانا في العالم العربي، وتمردت بلدان عربية أخرى على هذه السياسة، بل دخلت في تحالف عالمي يتصدى لنفوذ الكتلتين، وينشئ كتلة جديدة هي كتلة عدم الانحياز، التي دعا إليها عدد من زعماء العالم من بينهم، عبدالناصر وتيتو ونهرو.

وبين توتر واسترخاء عبرت سفينة العلاقات هذا الأقيانوس الذي يفصل بين أميركا العالم العربي. وإذا كانت فترة عبدالناصر في مصر قد شهدت فترات من التأزم، وصلت إلى اتهام القوى الوطنية العربية لأميركا، بأنها كانت وراء مؤامرة النكسة التي حصلت للجيوش العربية عام 1967، ثم حدث نوع من التحسن الطفيف للعلاقات بين مصر وأميركا مع وصول السادات إلى الحكم، وساد نوع من الاستقرار هذه العلاقات على المستوى الرسمي، وشابه التوتر والعداء على مستويات شعبية وتكوينات نضالية ووطنية مثل منظمة التحرير الفلسطينية. كان تحيّز أميركا ضد القضية المركزية للوطن العربي وهي قضية فلسطين، سببا لكثير مما تحمله شعوب العالم العربي من العداء والكراهية. وجاءت الضربات الإرهابية التي عانت منها أميركا على أيدي بعض المتطرفين الإسلاميين لتضيف مزيدا من التوتر لهذه العلاقات، رغم أن القائمين بهذا الإرهاب هم صنائع أميركية قامت بتعبئتهم وتسليحهم واستغلال عقيدتهم الدينية في محاربة الحكومات الشيوعية في أفغانستان، وتحولت تلك البلاد من أرض للاحتراب بين الإسلاميين والشيوعيين، إلى احتراب بين الإسلاميين وأميركا. جاء الربيع العربي وجاء معه أمل جديد في بناء علاقات سوية بين العالم العربي وأميركا، بدل العلاقة المشوّهة التي كانت تعتمد على مؤازرة الحكام العملاء على حساب الشعوب، حيث أظهرت الإدارة الأميركية برئاسة أوباما، رؤية جديدة واستعملت خطابا مبتكرا لقضية العلاقات الأميركية- العربية، وبدا أن هناك أفقا مفتوحا لهذه العلاقة الجديدة التي يتطلع إليها الطرفان، خاصة وأن القوى الجديدة في الحراك السياسي العربي الذي أنتجته ثورات الربيع العربي، تسعى بحماس إلى بناء مثل هذه العلاقة، وتقول إنه لا مصلحة لها في أن تخسر علاقاتها مع القوة العظمى الوحيدة المتبقية في عالم اليوم، إلا أن الطرف الأميركي يأبى إلا أن يسيء فهم هذا الأفق الجديد، وأن يظهر جهله المتأصل للمتغيرات الجديدة في العالم العربي.

وبدلا من أن تترك لشعوب الربيع العربي حق اختيارها لحكامها، بدأت تلعب دور الراعي الأمين والأخ الأكبر الذي يعرف مصلحة العرب أكثر من العرب أنفسهم، وتبدأ في تنفيذ أجندة لفرض خط سياسي بعينه هو اليمين الإسلامي، وتفتح خزائنها وتسخّر إعلامها وتستعين بحكام عملاء في المنطقة للقيام بالتنفيذ.

كما ساهمت في إضاعة نتائج الكفاح العنيد الذي أظهرته الشعوب ضد الطغاة والمستبدين، وارتكبت جريمة تبديد دماء شهداء الحرية الذين قدموا حياتهم فداء للأوطان على امتداد ثورات الربيع العربي.

ولا نقول في هذه اللحظات إلا شكرا لشباب تمرد في مصر ونجاحهم في إفساد المخطط الأميركي، وشكرا للجيش المصري الذي استجاب لإرادة الشعب، لنستطيع أن نرى فعلا مسيرة التصحيح والعودة بثورات الربيع العربي إلى أهلها بعد محاولة الاختطاف الفاشلة.

9