أميركا والشرق الأوسط: البحث عن الطريق في بحر الظلمات

الأحد 2014/05/04

مرّ حين من الدهر ظنت فيه الولايات المتحدة، وخاصة بعد سقوط اتحاد السوفييت الاشتراكي و” نهاية التاريخ”، أنها قد أصبحت سيدة العالم بلا منازع، وكان لها كل المبرر في اعتقاد ذلك، وبدأت من ثمة تسعى لإعادة تشكيل هذا العالم وفقا لمصالحها والخطوط الاستراتيجية المستقبلية للسياسة الأميركية مع الأمم، مع ثقة مفرطة في النفس بالقدرة على إعادة تشكيل هذا العالم، وشعورا “بواجب” إعادة التشكيل بما يتلاءم وكون الولايات المتحدة قد أصبحت محور النظام الدولي الجديد، ورُحى العولمة بكل تجلياتها الاقتصادية والثقافية.

وقد تعزز هذا الإحساس في أعقاب أحداث سبتمبر (11/9 /2001)، التي تشكل مفترق طرق هام في التاريخ الأميركي والسياسة الخارجية الأميركية، مثلها مثل يوم الاستقلال (4/7 /1776)، الذي أخرج للعالم الدولة الأميركية، ويوم بداية الحرب الأهلية (12/4 /1861)، التي انتهت بالوحدة الأميركية، ويوم الهجوم على ” بيرل هاربر” (7/12 /1941)، الذي كان بداية صعود أميركا كقوة عالمية عظمى. ففي أعقاب سبتمبر، كان من الواضح أن الولايات المتحدة قد قررت أن تبني ”الباكس أميركانا”، أو السلم العالمي وفق النظرة الأميركية، منفردة بشكل شبه مطلق، واعتمادا على جهودها الذاتية الخاصة، خاصة بعد أن بينت معارك أفغانستان والعراق أن دور حلفاء أميركا المفترضين، وخاصة من الأوروبيين، دور محدود، وأنهم من المتخلفين في تقنية السلاح وغيرها من تقنيات العصر، مقارنة بالقدرات الأميركية في هذا المجال، بالإضافة إلى التمرد الأوروبي المتزايد لمخططات السياسة الخارجية الأميركية، وهو ما شجع الولايات المتحدة على غزو العراق منفردة مثلا دون الحاجة إلى مثل هؤلاء الحلفاء، وحتى دون الحاجة إلى غطاء من الشرعية الدولية، فهي اليوم تبني شرعيتها الخاصة التي قدرت أنها ستكون ذات يوم هي حجر الزاوية في السلم العالمي، طالما أنه ليس هناك من منافس لها في مجال القوة بعناصرها المتعددة، والقوة في خاتمة الأمر وأوّله هي لب السياسة.


السيطرة على الشرق الأوسط


منذ أحداث سبتمبر، كان واضحا أن هنالك تركيزا أميركيا واضحا على منطقة الشرق لأوسط (معظم دول العرب+ إيران وباكستان وأفغانستان)، وخاصة مع تحكم اليمين ”التوراتي” الأميركي بمفاتيح القرار في واشنطن آنذاك، فقد بدا أن الاستراتيجية الأميركية تقوم على أساس إحداث تغيير شامل وجذري في هذه المنطقة، سواء من ناحية تغيير سياسي لأنظمة الحكم، وهو ما رأينا نتائجه واقعا في انتفاضات الربيع العربي الشعبية، أو في الخريطة الجيوسياسية، وهو ما قد نراه يتجسد واقعا لاحقا في العراق وسوريا وحتى اليمن رغم الإجراءات التصحيحية الأخيرة في شكل الدولة اليمنية، حيث شبح التقسيم يلوح في الأفق.

فالإدارة الأميركية، وخاصة في مرحلة ما بعد سبتمبر، ووفق هذا المنظور الشامل، تتعامل مع منطقة الشرق الأوسط على أنها المنطقة الأكثر اضطرابا في العالم، سواء من الناحية السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية، وهو أمر لا مشاحة فيه حقيقة، فهي، وكما وصفها هنري كيسنجر وغيره، منطقة تنتمي إلى أوروبا ما قبل وستفاليا (معاهدة وستفاليا عام 1648)، في علاقاتها وأهدافها ومحركات سلوكها، سواء في الداخل أو الخارج على السواء. فهذه المنطقة هي الأكثر تهديدا لاستقرار النظام الدولي الجديد، من حيث توطُّن ثقافات معادية للمعاصرة والعولمة والحداثة الثقافية، ومن ثمة الغرب وأميركا، في مجتمعاتها ودولها، بالإضافة إلى ثروات طبيعية تمكّنت خلالها هذه الثقافات من الرسوخ والانتشار، بدل الذبول والاضمحلال، كما حدث في مناطق أخرى من العالم. تلك الثقافات هي التي أفرزت أحداث سبتمبر في النهاية، وتلك الثروات هي التي موّلت ذات الأحداث في الخاتمة، في تحالف غير مقدس بين المال والهلال، وفق الرؤية الأميركية.

وفي هذه المنطقة المضطربة من كل النواحي تقبع إسرائيل، والتي هي ليست مجرد حليف استراتيجي للولايات المتحدة، بقدر ما أنها امتداد وتجسد ثقافي وسياسي للولايات المتحدة والعقل الغربي بشكل عام، في مشرق معاد لهذه الثقافة وذاك العقل. وفي هذه المنطقة يقبع ما يقارب السبعين في المئة من احتياطيات نفط العالم، عصب الحركة في عالم اليوم حتى يتم اكتشاف بديل أكثر عملية.

ولذلك فإن السيطرة على هذه المنطقة هو من أولويات تكوين الإمبراطورية الأميركية الجديدة، ليس بالضرورة سيطرة عسكرية، فهذه المسألة قد تكون الأقل أهمية والأبعد احتمالا، في ضبابية الوضع الأميركي مع بداية العقد الثاني من القرن الجديد، ولكن بربط هذه المنطقة بالعالم المحيط ثقافيا في المقام الأول، أو حتى إجبارها على المعاصرة والدخول في ثقافة العولمة وآلياتها، ومن هنا ندرك مغزى وأهمية المشروع الأميركي في “دمقرطة” هذه المنطقة من العالم، من خلال خلق حالة من ”الفوضى الخلاقة“، التي قد تنتج عنها تلك المعادلة الصعبة: نخب سياسية حاكمة أقرب إلى التعاون مع الولايات المتحدة من ناحية، وأقرب إلى الثقافة السياسية السائدة في المنطقة، أو حتى جزء من نسيجها، من ناحية أخرى، وهو ما رأينا الكثير منه يتحقق في بدايات انتفاضات ”الربيع العربي“، وما أفرزته من نخب سياسية ”إسلامية الراية“، “براغماتية ” السلوك، أميركية الدعم. لذلك، فإن التغيير المنشود، وفق المخطط الأوّلي، هو إعادة تشكيل الأنظمة السياسية والثقافية في المنطقة، أو ربما حتى إعادة رسم الخريطة السياسية بما يكفل زرع أنظمة سياسية متحالفة مع الراعي الأميركي، ومحاولة زرع ثقافة سياسية جديدة مهادنة لا تفرز إرهابا ولا تهديدا للنظام الدولي الجديد الذي تحاول أميركا أن تبنيه، وغير متصادمة مع الثقافة السائدة. إيران وسوريا ومصر والسعودية واليمن، كانت كلها مرشحة لأن تكون محل فعل أميركي معين بعد الانتهاء من غزو العراق، وتحويله إلى قاعدة تنطلق منها عمليات التغيير، إذ وكما يلخص محلل سياسي المسألة (لورينت مورويك)، فإن: ” العراق هدف تكتيكي، والسعودية هدف استراتيجي، ومصر هي الجائزة”.

العلاقة مع السعودية

بالنسبة إلى السعودية مثلا، فرغم أنها حليف تاريخي للولايات المتحدة، إلا أن أحداث سبتمبر جعلت الأميركيين ينظرون بقلق إلى الثقافة السعودية السائدة، أو لنقل الإيديولوجيا الوهابية تحديدا، وخاصة بعد أن طُعّمت بأفكار سياسية جديدة، في أغلبها إخوانية المحتوى والمنشأ، فتحولت من السلفية التقليدية إلى سلفية جهادية مقاتلة، والتي يعتقد الأميركيون وغيرهم أنها هي الحاضن الفكري لتيارات العنف الإسلاموي في عالم اليوم، والأم التي رضع هؤلاء لبن الإرهاب الفكري من ثديها، بالإضافة إلى الدور التمويلي السعودي (الرسمي بشكل غير مباشر أو مقصود، وغير الرسمي بشكل مباشر)، وفق التصور الأميركي. وعلى ذلك، فإن السعودية، ووفقا لسيناريوهات متعددة طُرحت، أو لنقل سُرّبت من خلال وسائل الإعلام الأميركية والعالمية، كانت تُشكل هدفا محتملا من الأهداف الاستراتيجية لليمين الأميركي، من حيث إعادة صياغتها حتى جغرافيا إن لزم الأمر، وهو سيناريو بعيد الاحتمال حاليا ولكنه ليس مستحيلا، والحصيف هو من يأخذ كافة الاحتمالات في الحسبان في أية حال، أو إعادة صياغتها ثقافيا وسياسيا، أو في تحجيم دورها الإقليمي والتقليل من أهميتها الاستراتيجية لأميركا في أحسن الأحوال، وهو ما رأينا بوادره في التقارب الأميركي مع إيران، والدور الإقليمي الجديد المسنود إلى دولة قطر، والتخلي عن العراق لصالح إيران، ورفع اليد عن سوريا، بحيث تنشغل السعودية بنفسها من خلال هذه التطورات الإقليمية وانعكاساتها على الداخل السعودي، مما قد يدفع السعودية إلى تغييرات داخلية جذرية أو تفقد مكانتها الإقليمية بشكل كامل، بغض النظر عن تلك العلاقة التاريخية التي تربط السعودية بالولايات المتحدة. فمهما قيل عن تلك العلاقة التاريخية بين السعودية والولايات المتحدة الأميركية، فإن ذلك لن يمنع الولايات المتحدة من السير في تحقيق استراتيجيتها الجديدة احتراما لعلاقة تاريخية ”كانت” مفيدة في ظروف مختلفة، فالسياسة في النهاية لا تعرف صديقا دائما ولا عدوا دائما، وأميركا لا يهمّها في النهاية من هو القابض على زمام الأمور، الشاه أو الخميني مثلا، بقدر ما يهمّها في أي اتجاه يمد يده.


العالم الأميركي


لم تكن الولايات المتحدة حقيقة تهتم كثيرا بالأوضاع الداخلية لأية دولة قبل سبتمبر، ولم تكن تهتم إطلاقا بمثل هذا الأمر قبل انهيار الكتلة الشرقية، إلا في حالات نادرة يكون التدخل فيها ملحا، كجزء من الحرب الباردة، بدعم لهذا النظام كي لا يسقط في أحضان الشيوعية، أو إسقاط لذاك النظام بعد أن تحالف مع الشيوعية، أو بدا أنه كذلك (مثلا: إيران 1953، غواتيمالا 1954، 1963، الدومنيكان 1963، 1965، البرازيل 1965، شيلي 1973، وبنما 1989). ولكن بعد سبتمبر، لم يعد الفصل بين الأوضاع الداخلية لأية دولة وسياستها الخارجية أمرا واردا في المنظور الأميركي.

كان واضحا منذ سقوط الكتلة الشرقية أن أميركا سوف تسعى لجعل العالم “عالما جديدا“، أي عالما أميركيا، وتسارع ذلك المنحى بعد سبتمبر. ولكن المشكلة أن الكثير من دول منطقة الشرق الأوسط، والعربية منها على وجه التحديد، لم تدرك هذا المنحنى الجديد في السياسة الخارجية الأميركية، أو أنها تجاهلته، واستمرت في التعامل مع الولايات المتحدة وفق المنطق القديم، أي منطق الحرب الباردة المنهار وتحالفاته مع انهيار الاتحاد السوفيتي وبرجي التجارة في نيويورك لاحقا، فكان أن فوجئت أنظمة مصر مبارك، وتونس بن علي، وليبيا القذافي، ويمن صالح، بالموقف الأميركي من الانتفاضات الشعبية مع دخول العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بل وتبنّي الولايات المتحدة لنخب وتنظيمات سياسية كان يبدو ظاهرا أنها أبعد ما تكون عن التحالف مع أميركا، ”عدوة الإسلام“، و”الشيطان الأكبر”، وفق تصنيفات متعددة للعم سام.

فالسياسة لا تعرف الثبات، وهذا ما أغفله أو تجاهله كثير من الساسة في المنطقة، والبعض لا زال يتجاهل ذلك رغم كل ما مر بالمنطقة من حوادث، وكان عليهم أن يعيدوا حساباتهم في مثل هذه المسألة. فإذا كانت مسؤولية الولايات المتحدة، بصفتها القوة الوحيدة في عالم اليوم، أن لا تفرض سياساتها ورؤاها بقوة البندقية، فقد كان، وما زال، على بقية دول العالم، ودول منطقة الشرق الأوسط تحديدا، مسؤولية أن تعيد حساباتها من جديد بما يخدم شعوبها ومجتمعاتها وإنسانها واستقرار أنظمتها السياسية، وأن لا تصبح نشازا في عالم يكاد يكون واحدا، إن لم يكن قد أصبح بعد. بذلك فقط يمكن تجنب النتائج الكارثية لسياسات المتوترين على اختلاف أنواعهم واختلاف أصقاعهم. وبذلك فقط يمكن أن نسهم في بناء عالم تسوده كل القيم التي لا يكون الإنسان إنسانا بدونها.

كان ذلك التحول في السياسة الأميركية، أي في محاولة بناء إمبراطورية أميركية عالمية ولو بالقوة، يثير تساؤلات حول المستقبل، سواء بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط، أو بالنسبة إلى مستقبل أميركا نفسها. فمن ناحية الشرق الأوسط، يمكن القول إن هذه المنطقة بالفعل تحتاج إلى تغيرات جذرية من أجل أن تتواءم مع عالم اليوم، ولكن كل ذلك مهدد بأن يتحول إلى نقيضه فيما لو بقيت سياسة العصا الغليظة دائما هي الخيار، كما كان الأمر أيام إدارة جورج بوش الابن.

فخيار سياسة العصا الغليظة فقط، سيؤدي في النهاية إلى سيطرة القوى المتطرفة على مقاليد الأمور في المنطقة، سواء بالحكم المباشر أو عن طريق زعزعة الاستقرار، مع ما في ذلك من تهديد لأمن واستقرار العالم كله. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة نفسها، فإن تبني الخيار العسكري على امتداد العالم، يعني بداية النهاية للقوة الأميركية، أو لنقل انهيار الإمبراطورية الأميركية.

فقد يكون الخيار العسكري محدودا أول الأمر، ولكنه يستشري بعد ذلك بوتيرة متصاعدة، وذلك كما السرطان تماما. فللحفاظ على المكتسبات التي حُقّقت بواسطة العسكر، يجب بقاء العسكر، وهذا العامل هو من أهم العوامل التي أدت إلى انهيار الإمبراطوريات العالمية عبر التاريخ، مثل الرومان والعثمانيين وبريطانيا وبقية دول الاستعمار القديم. التحول إلى إمبراطورية عالمية هو قمّة القوة بالنسبة إلى دولة ما، ولكنه بداية السقوط من ناحية أخرى، إذ لا شيء بعد القمة إلا الانحدار. وقد كان الرئيس بوش وإدارته من ” التوراتيين” يغامرون بأمن العالم وازدهار المجتمع الأميركي والقوة الأميركية، حين يكون خيار القوة هو الخيار الأوحد.

الفوضى الخلاقة

باستطاعة أميركا أن تحقق ما تريد من خلال جاذبية نموذج ”الحلم الأميركي“، ومن خلال ترك آليات العولمة تقوم بدورها. عالم اليوم المتداخل والمتشابك لا يحتاج إلى رجال مثل تشرشل وبقية دهاة الاستعمار القديم والحرب الباردة، بقدر ما يحتاج إلى عمل جماعي يساعد الشعوب على مساعدة نفسها لا تأديبها أو فرض ما يراد منها بالقوة.

مع مجيء باراك أوباما و”جلوسه” على ”عرش” البيت الأبيض، كان واضحا أن سياسة القوة المفرطة والمتعسفة، وتكاليفها الباهظة، قد بدأت تُنهك أميركا، وخاصة مع بداية المحاولات الروسية لاستعادة المجد القيصري والسوفييتي السابق، فقام الرئيس الجديد بحركة التفاف معاكسة U-TURN إن صح التعبير، على سياسة المحافظين الجدد، فتخلى عن سياسة القوة والعصا الغليظة بشكل شبه كامل، وبدأت الانسحابات العسكرية الأميركية من كل مكان دخلته القوات الأميركية خلال أيام تلك الإدارة، وتركت تلك البلاد لمصيرها الغامض، بعد ترك ”الفوضى الخلاقة” دون تنظيم، بل إنه كان واضحا أن الإدارة الجديدة تميل إلى عدم التدخل في الشؤون العالمية وتركها لتطورات الأيام الغامضة كي تحلها، فالاقتصاد الأميركي لم يعد يتحمل تكاليف “الإمبراطورية الرومانية الجديدة“، وخاصة مع بداية العودة ”للإمبراطورية الفارسية الجديدة“، والشعب الأميركي قد سئم من التدخل الأميركي العسكري في شؤون العالم، وبالتالي فقد توافقت حسابات الحقل مع حسابات البيدر هنا: المتطلبات الأميركية الداخلية وسياسة أوباما المنكمشة، أو حتى الانعزالية، مما يُعيد إلى الأذهان مبدأ العزلة الذي تبناه الرئيس الخامس للولايات المتحدة ”جيمس مونرو” (1758-1831)، ولكن الظرف غير الظرف. صحيح أن مبدأ ”القوة الغاشمة“، وسياسة العصا الغليظة قد كبدت أميركا الكثير، اقتصاديا ومعنويا، ولكن سياسة العزلة والتردد والنأي شبه الكامل بالنفس عن صراعات العالم، كما هو الموقف الأميركي من أحداث سوريا وأوكرانيا مثلا، سوف يكون له أثر سلبي كبير على موقع أميركا في سلّم القوى العالمي، وخاصة وأن هنالك كثيرا من المنافسين الذين يتحينون الفرصة لتحسين مواقعهم على هذا السلّم، وليست روسيا أو الصين إلا دولتان ضمن آخرين متحفزين.

ربما كان لسان حال الرئيس أوباما يقول: “مجبر أخاك لا بطل“، ولكن العبرة بالنتائج في النهاية، وأميركا اليوم، في رأيي غير المتواضع، تعيش بدايات انحدارها كقوة عالمية مهيمنة: فسياسة الغطرسة والقوة المفرطة لدى بوش دقت إسفين هذا الانحدار، وسياسة التردد والعزلة سوف تعمق جراح هذا الإسفين.

خلاصة القول لحديث أرى أنه قد طال، هي إن “الفوضى الخلاقة” التي زرعها بوش في الشرق الأوسط خاصة، أملا في تغيير أميركي مخطط له، قد تحولت إلى مجرد “فوضى”، وعواصف من غبار دقيق، لا أحد يمكن له أن يتكهن بخاتمته أو خاتمة مخاضه، عندما يهدأ هذا الغبار. هل إن التاريخ تسيّره حتمية معينة، وليست قرارات شخصية، وأن قانون ”لكل شيء إذا ما تم نقصان” هو السيد في كل حال، وبالتالي فإنه لا بوش ولا أوباما قادران على إحداث فرق، أم أن الأمر مزيج من هذا وذاك؟.. من يدري.. من يدري..

6