أميركا والشرق الأوسط: التوجه شرق آسيا لا يعني ترك المنطقة للمجهول

أضحت الشكوك التي تحوم، منذ مدة، حول نوايا واشنطن القاضية بانسحابها من منطقة الشرق الأوسط والتوجه نحو شرق آسيا تتأكّد يوما بعد يوم من خلال سياساتها الجديدة المتبعة في التعامل مع أزمات المنطقة والتي تتسم بالكثير من التلكؤ والتراخي إزاء مصالح الحلفاء العرب وأمنهم. ومع انطلاق أول مناظرة بين الساعين لنيل ترشيح الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة الأميركية، منذ أيام، تضاعفت تساؤلات المحللين حول ما إذا كان ساكن البيت الأبيض المقبل سيمضي على هذا الهدي الذي رسمه سلفه باراك أوباما أم أنه سيراجع تلك الاستراتيجية وربما سيقرر التراجع عنها، تجنبا لتداعياتها الوخيمة على أمن المنطقة وعلى مصالح واشنطن على حد سواء.
السبت 2015/10/17
كلما خلف الانسحاب الأميركي فراغا في الشرق الأوسط إلا وسعت إيران لملئه عبر ميليشياتها

يتضح تراجع تأثير دور الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط، أساسا، من خلال دخولها مرحلة حرجة في التعامل مع قضايا جوهرية تمس تطور الأزمة السورية والملف النووي الإيراني وانسحابها المعلن من العراق وتطورات الحرب في اليمن. وتضع جملة هذه القضايا الرئيس الأميركي باراك أوباما وهو يحضر نفسه لمغادرة البيت الأبيض في يناير 2017 أمام لوحة دراماتيكية رسمتها سياساته الخاطئة؛ فخطر داعش في ازدياد مطّرد، والتمدد الإيراني على أشده، والقضية الفلسطينية تراوح مكانها دون حل، والعراق مُشرف على التّفكك.

هذه التغيرات مجتمعة باتت تُثير بدورها جملة من الاستفهامات حول أسباب هذه الحصيلة الثقيلة، والتي تلخصها تناقضات السياسة الأميركية الجوهرية في المنطقة؛ حيث لم تنفع معها جهود الدول العربية لخلق تفاعلات إيجابية على مستوى التحديات، وخلق شراكة في كافة المجالات، ممّا ترك انطباعا بأنّ الاستراتيجية الأميركية تدور وفق مقتضيات متباينة، وهو الأمر الذي يطرح بدوره جملة من الأسئلة المحورية حول فهم طبيعتها وتحولاتها وتداعياتها في ظل فقدانها الرؤية الواقعية على ضوء التحديات المطروحة. وكيف يمكن تفسير انحسارها كذريعة للتوجه نحو الشرق الأقصى والتنصل من قضايا الشرق الأوسط؟

ويثير توجه واشنطن هذا إلى الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط أيضا لدى عدد آخر من المراقبين، مع انطلاق أول مناظرة بين الساعين لنيل ترشيح الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة الأميركية منذ يومين، استفهامات حول مدى التزام الرئيس الأميركي المقبل بهذا التوجه الذي يسعى باراك أوباما إلى ترسيخه قبل مغادرته للبيت الأبيض سنة 2017، والذي يتسم بالكثير من التنكر للحلفاء والأصدقاء، أم أنه سيتخلى عنه ويعمل على إعادة صياغة تلك العلاقات مع الحلفاء على أسس متينة جديدة قائمة على ما سبق من اتفاقات شراكة أمنية واقتصادية وغيرها.

بوادر الانسحاب

بدأ الحديث عن نقل مركز ثقل الاستراتيجية الأميركية إلى شرق آسيا يتكرس منذ تقرير لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس الأميركي الصادر في يونيو عام 2012، حيث دخلت حماية المصالح الأميركية مسارا ينذر بأن سلبياته في الشرق الأوسط باتت أكثر من مزاياه، خاصة عندما اعتبر صانع القرار الأميركي أن المخاطر التي بلغت أراضي بلاده بتصاعد الإرهاب، سببها حالة الجمود وعدم الإصلاح في العالم العربي، بينما تنصلت واشنطن من تداعيات سياساتها في المنطقة، ولم تقم بمراجعة أسباب فشل أغلب مبادراتها.

من المستبعد أن تتخلى واشنطن عن دول الخليج قريبا لكن الثابت أنها ستسعى إلى تغيير لعبة التوازنات الإقليمية

ولعل تصاعد حدة التنافس والصراع الدولي والإقليمي في المنطقة، يفرض فهم طبيعة التحول في العلاقات الأميركية الخليجية بشكل خاص، وتحليل استراتيجية السياسة الأميركية المتقلبة في الخليج، حيث انقلبت هذه السياسة على وعود أوباما بـ“بداية جديدة” مع العالم العربي، ثم تناقضت تدريجيا مع مرتكزات التعاون الأمني مع دول مجلس التعاون التي اطلقت بين الجانبين سنة 2006، وعُرفت بمبادرة “حوار أمن الخليج”، واستهدفت وضع إطار تعاوني لتطوير قدرات الدفاع الخليجي، والتشاور في قضايا الأمن الإقليمي، والنزاع العربي الإسرائيلي، وبرنامج إيران النووي، وتعززت آلياتها بتأسيس منتدى التعاون الاستراتيجي في 31 مارس 2012 على خلفية تشكيل لجان مشتركة للتعاون الاقتصادي والسياسي والعسكري، مما جعل التعاون الاقتصادي وإجمالي التبادل التجاري يصل إلى 118 مليار دولار.

لكن مسار هذا التعاون التقليدي الذي كان يأمل في تحقيق مرتبة متقدمة في التنمية العالمية، ويقلل من المخاطر في إطار سلمي قائم على حوار وتفاهم وتوافق يعمل على تجفيف منابع الصراع وخلق حلول للمشكلات المزمنة، يتعرض اليوم بسبب الشك والحذر من تناقض أهدافه المعلنة وغير المعلنة وفي أولوياته وبدائله.

ومن ثم، يجب أن لا ننسى بأنّ أول زيارة قام بها أوباما مع انطلاق ولايته الثانية كانت لجنوب شرق آسيا، كما سبق لوزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون أن أعلنت سنة 2010 عن الاستدارة نحو الشرق الأقصى في الإستراتيجية الأميركية واعتبرت العقد القادم “عقدا آسيويا”، ثم سارع وزير الدفاع ليون بانيتا في المنتدى الأمني الأسيوي في يونيو عام 2012 إلى جعله “بوصلة محورية”، واكتملت خطواته بالانسحاب من أفغانستان، علاوة على الانسحاب من العراق، وترك آثار التداعيات الطائفية الناجمة عن غزوه تنهش جسده الجريح، ثم تم فتح حوار مع إيران لم تتم خلاله مراعاة مصالح دول الخليج، حيث أنه جعل مرتكزات الأمن القومي الأميركي تدير ظهرها لالتزاماتها التاريخية والأخلاقية في الشرق الأوسط، وخاصة بعد عدم إشراك دول المنطقة في سير المفاوضات الأميركية الإيرانية.

وفي الوقت ذاته، عملت الإدارة الأميركية بكل ما أوتيت من قوة على تثبيت رؤية مفادها أن الشرق الأوسط منطقة استنزفت موارد مالية هائلة من الخزينة الأميركية، وأن اكتشاف وإنتاج الغاز الصخري يقلل من أهميتها في المستقبل، تبريرا لاتجاهها نحو المحيط الهادي، فيما تؤكد بؤر الأزمات المشتعلة هنا وهناك، أنّ حصيلة هذه السياسة أبعد من أن تترك إنجازا يذكر بسبب ما تعانيه من غياب تام لرؤية واقعية لتسوية الأزمات المندلعة أو القديمة، حيث انسحبت واشنطن بالتدريج من عدة ملفات، وبما يخفف من التزاماتها وأعبائها، إذ تغاضت على سياسات رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي المدمرة، وتنصّلت من تداعيات غزو العراق تاركة إياه وحيدا في مواجهة التغلغل الإيراني، وتم التخلي هناك عن الورقة الديمقراطية لصالح الورقة الشيعية، فضلا عن تطور الوضع في سوريا نحو حرب أهلية مدمرة، وتراجع أوباما عن خطوطه الحمراء.

وعلى مستوى المنطقة والموقف من إيران، عمد باراك أوباما إلى تطبيق التقرير الذي أعدته مجموعة “دراسة العراق” برئاسة كلّ من وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر وعضو الكونغرس لي هاملتون، حيث تقرر في نقاطه الأبرز؛ الانسحاب من العراق، وإطلاق حوار دبلوماسي مع إيران يفضي إلى التفاهم معها والتقارب ولم لا التحالف لاحقا، فضلا عن عدم إسقاط نظام الأسد في سوريا وتبرير ذلك، حيث يكشف التقرير بأن النظام الإيراني والسوري يشتركان مع مصالح أميركا في إلحاق الهزيمة بالتيارات الجهادية السنية، ويريدان الحفاظ على استقرار العراق على نحو يمنح لواشنطن سلطة الفصل بين إيران ودول الخليج دون الحاجة إلى تواجد كثيف وبأقل تكلفة.

وهو ما نشهده مليا من خلال إشارة أوباما إلى أن التحديات الحقيقية التي تواجهها المنطقة، هي تحديات داخلية، وليست متعلقة بإيران، على الرغم من محاولاته التي قام بها لطمأنة دول الخليج عبر إعلانه في كامب ديفيد في 14 مايو 2015 عن صفقات أسلحة ضخمة، واستئناف المساعدات العسكرية لمصر كرسالة تطمين ليس إلاّ.
واشنطن تنصلت من تداعيات سياساتها في المنطقة ولم تقم بمراجعة أسباب فشل أغلب مبادراتها

من جهة أخرى يبدو أنّ الأخطاء السياسية الأميركية قد اتّسعت في سوريا لتصل في إلى درجة السماح لروسيا بدعم نظام الأسد عسكريا، وعودتها بقوة إلى مسرح العلاقات الدولية من بوابة الشرق الأوسط، فيما تأكد فشل دبلوماسية واشنطن بما آل إليه الوضع من تدخل إيراني فاضح، قبل أن تتدخل روسيا على الخط بشكل مباشر لكي تجعل تفاعلات الحرب الأهلية تقترب من المعادلة الصفرية في صراع التوازنات الإقليمية، حيث تدرك واشنطن أن أولويات موسكو غير أولويات طهران، وأن توتر الدب الروسي مع النسر الأميركي مؤقت، فهو يدفع إلى تثبيت حق موسكو في عدة أوراق إقليمية ودولية فحسب.

توقعات مستقبلية

سعيا للمعالجة المركبة لهذه المعطيات، بات الملاحظ اليوم يجد نفسه أمام علامات تغيير في العلاقات الأميركية العربية قوامها الشك والحذر، وهذا التغيير سيكون بطيئا، ونتوقع أنه لن يتم بطريقة تراجيدية لأن الولايات المتحدة مازالت تدرك أنها بحاجة ماسة إلى دول مجلس التعاون والنظام العربي ككل. لكن ذلك لا ينفي أنّ دخولها في نهج متردّد تترتب عنه أعباء كبيرة على الدول العربية والثابت أنّ تكلفته ستكون باهظة، حيث أن واشنطن مازالت لم تدرك أنّ المشاكل إن تركت لحالها وفي مكانها ستنتقل لاحقا إلى عقر دارها؛ إذ يعتقد أوباما خطأ بأن البوابة الآسيوية تبدأ من إيران، في حين أنّها تبدأ في الحقيقة من بحر العرب الذي هو جزء من المحيط الهندي.

لذلك كان التدخل العربي في اليمن بقيادة سعودية، ينمّ عن وعي حكيم بورقة مصيرية للعرب في الممرات البحرية الاستراتيجية في القرن الواحد والعشرين، حيث بات العرب واعين بأهمية هذه المسألة بما يضمن لهم وجودا مستقبليا في رهانات القوة المقبلة عبر اليمن. ولذلك يعدّ إفشال المخطط الإيراني في اليمن تكريسا للأمن العربي الاستراتيجي وورقة ضغط كبرى في وجه القوى العالمية.

وإن كانت خطوات أميركا القاضية بنشر قوات تابعة لها في المحيط الهادي قد بدأت منذ سنة 2010 بدعوى مواجهة القوة الصينية المتعاظمة، فإن أبرز عنوان لذاك الانتشار في الحقيقة كان قول أوباما “إنّ الولايات المتحدة قوة باسيفيكية”، وما أعلنت عنه هيلاري كلينتون من خلال تأكيدها إنّ واشنطن تسعى لإنشاء “قرن أميركا الباسيفيكي”، مما يفهم منه أن الإدارة الأميركية ستكتفي بالتواجد في المناطق التي تراها حيوية لرهان القوة المستقبلي في العالم، فضلا عن أن تحقيقها اكتفاء ذاتيا وفائضا في الإنتاج النفطي، يملي آجلا أو عاجلا على السياسة الدفاعية الأميركية تغييرات جوهرية في انتشار قواتها من عدمه، حيث يشير تقرير وكالة الطاقة الدولية “آفاق الطاقة في العالم” إلى أنه ومع حلول العام 2020 ستحقق الولايات المتحدة قفزة إنتاجية كبرى، فقد استطاعت في عام 2012 تلبية أكثر من 80 بالمئة من استهلاكها من الطاقة، وأضحت النسبة التي تستوردها من منطقة الخليج لا تتعدّى الـ20 بالمئة.

الاتفاق النووي مع إيران من بين أبرز الخطوات الأميركية في التعامل مع القوى الصاعدة عوض مصارعتها

وعلى الرغم من ذلك يظلّ من المستبعد أن تتخلى الولايات المتحدة على دول الخليج العربي في الأمد المنظور، لكن الثابت أنّها ستسعى حتما إلى تغيير لعبة التوازنات الإقليمية وإدخال قوى جديدة على الخط. كما أنها ستعمل على الدفع بإطار أمني متعدد الأطراف يتضمن إيران وإسرائيل وتركيا، وستستمر في سياسة الكيل بمكيالين في قضايا الشرق الأوسط، وسياسة “أنصاف الحلول” في فلسطين، والالتفاف على أبرز مشاكل المنطقة، حيث التلكؤ في معالجة الأزمة السورية، والحرص على استمرارها دون حل، بما يعنيه ذلك من فتح المجال أمام تدخل مستمر للأطراف الإقليمية والدولية في الأزمة واتساع حالة الحرب الأهلية وتفاقم خطر داعش وتمدد الهلال الشيعي، مما يضفي تعقيدا بالغا على مسار استقرار الدول العربية في المنطقة في ظل تشابك مصالح القوى الإقليمية والدولية، خاصة أن الدور الإيراني لا يحترم قواعد حسن الجوار ومبدأ عدم التدخل في سيادة الدول.

وبناء على ما سبق، يبدو أنّ السياسة الأميركية أضحت تتجه إلى عدم الانخراط في النزاعات الإقليمية التي يشهدها الشرق الأوسط قدر المستطاع، مفضلة الاكتفاء باللعب على التوازنات الإقليمية، حيث يعد الاتفاق النووي الإيراني الأميركي أبرز خطواتها في التعامل مع القوى الصاعدة عوض مصارعتها، وهي تأخذ في الحسبان عدم إضعاف إسرائيل والسعي لإدماجها واحتواء إيران في نطاق أمن الخليج العربي، لكنها لا تعلم أنها بخطتها هذه إنما تصب الزيت على النار وتضاعف من التهديدات المحيطة بالأمن القومي العربي.

باحث جامعي، مركز أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون

6