أميركا وروسيا وتحولات النفوذ في المنطقة

السبت 2015/10/03

بعد أحداث 11 سبتمبر من العام 2001، قررت الولايات المتحدة الأميركية، بشكل منفرد، القيام بأكبر غزو عسكري منذ تدخلها في حرب فيتنام العام 1965، إذ غزت كلا من أفغانستان والعراق في غضون عامين.

في العراق على نحو خاص، زجّت أميركا بأكثر من ثلاثمئة ألف جندي، رغم اعتراض معظم دول العالم، لتؤكد حقيقة كونها القوة العظمى التي لا تقبل المساءلة من أحد.

أما اليوم، وبعد نحو 15 عاما، تقف القوى العظمى مترددة وحائرة في خضم المعارك المفتوحة في سوريا والعراق، وفي ظل تزايد نفوذ دول أخرى وتحديدا إيران وروسيا.

يؤكد تصعيد التواجد العسكري الروسي في سوريا وبدء شن عمليات حربية هناك، حيث تقود الولايات المتحدة تحالفا دوليا لمحاربة تنظيم داعش، على حقيقة التراجع النسبي لقوة أميركا ولنفوذها السياسي في الشرق الأوسط. كما يؤكد ذلك زيادة نفوذ إيران وروسيا في العراق، على عكس الصورة التي كانت سائدة خلال العقدين الماضيين حين كان النفوذ الأميركي مطلقا، وقادرا على تحريك حكومة بغداد كما يشاء.

مع ذلك، هنالك من يعتقد بأن تلك المؤشرات لا تعني تراجعا للقوة الأميركية في مقابل تصاعد قوة روسيا. تعتقد بذلك إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما التي قادت تراجع النفوذ الأميركي في المنطقة، إذ أنها لا تزال تمتلك الثقة الكافية للقول بأن موسكو هي من يقبع في وضعية ضعيفة وليس واشنطن.

لطالما حظي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بنظام حليف له في دمشق، وقد كان يسيطر على كل الأراضي السورية من دون مواجهة صعوبات تذكر، حيث لا معارضة تهدد حكمه في ذلك الوقت، لكن حليف موسكو تراجع في السنوات الماضية ليسيطر على أقل من ربع مساحة سوريا، وهو يوشك اليوم على الانهيار وعلى فقدان ذلك الجزء المتبقي من “سوريا الأسد”. من أجل ذلك دفع فلاديمير بوتين بقواته العسكرية إلى ساحة المعركة، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وهذا يجعله أبعد ما يكون عن الموقع القوي، إنه في موقع دفاعي ضعيف كما تردد إدارة باراك أوباما على لسان أكثر من مسؤول.

ليس من المرجح أن يؤدي التدخل الروسي لدعم الأسد في مواقعه الهشة إلى تغيرات كبيرة على ساحة المعركة

في هذا القول حقيقة ما يجب الوقوف عندها. إذ ليس من المرجح أن يؤدي التدخل الروسي المتقدم لدعم الأسد في مواقعه الهشة إلى تغيرات كبيرة على ساحة المعركة لناحية هزيمة المعارضة السورية أو حتى تنظيم داعش، لكن حماية الأسد وإدامة سيطرته وفرضه شريكا على العالم في محاربة الإرهاب وفي أي مرحلة انتقالية كما بات يقر الجميع تقريبا هي تغير كبير يستحق الاهتمام والاحتفاء من جانب روسيا وحلفائها. صحيح أن روسيا تبقى أضعف من الولايات المتحدة على الصعيدين الاقتصادي والعسكري، ولكن هذا الضعف هو أحد أسباب اندفاعها إلى مواقع هجومية بصورة متزايدة، وذلك من أجل اكتساب المزيد من القوة في الأعوام القادمة.

في الحرب العالمية الثانية، لم تكن اليابان أقوى على الصعيد العسكري من الولايات المتحدة عندما بادرت بالهجوم على قاعدة بيرل هاربور عام 1941 وحطمت جزءا من الأسطول الأميركي وذلك على خلفية فرض واشنطن حظرا تجاريا على بضائع اليابان وتجميد ودائعها، وهو ما هدد الاقتصاد الياباني في ذلك الوقت. وكذلك كان الأمر مع الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر الذي لم يكن يمتلك أسطولا حربيا متفوقا على بريطانيا، ولا حتى على الاتحاد السوفييتي، عندما قرر شن الحرب العالمية الثانية لتحرير ألمانيا من عبء المعاهدات الدولية المجحفة التي فرضت عليها، ولتجاوز آثار الكساد الاقتصادي الذي خيم على أوروبا، وعلى ألمانيا، قبل الحرب.

يمكن للدول الكبيرة التي تمتلك موارد بشرية وطبيعية هائلة تحفز شهيتها الاستعمارية أن تندفع إلى شن مغامرات عسكرية مفاجئة. وهذا الحال هو حال روسيا اليوم التي تعتقد بأنها قد استعادت عافيتها المتوعكة بشدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. لم تصبح روسيا قوة موازية للولايات المتحدة، وهي بعيدة عن ذلك على المستويين الاقتصادي والعسكري، ولكنها تمتلك الكثير من الإمكانيات لخوض الحروب وتوسيع النفوذ.

تمتلك روسيا قيادة مركزية فعالة تحكم قبضتها على السياسات الداخلية، ومصممة على استخدام أدوات الهجوم العسكري في كل مكان يتطلب الدفاع عن مصالحها الخارجية. وهي ذات العقيدة التي طبعت سلوك أميركا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. لم تحقق روسيا في السنوات الماضية أي قفزات على المستوى العسكري أو الاقتصادي، بل إن اقتصادها يختنق اليوم تحت ضغط العقوبات الغربية، لكن نفوذها، سواء في محيطها أو في الشرق الأوسط، يتوسع بوضوح بدفع من قيادة شغوفة باستخدام القوة العسكرية للعودة إلى المسرح العالمي. مقابل ذلك، ولئن لم تتراجع قوة الولايات المتحدة العسكرية والاقتصادية إلا أن نفوذها يذوي ببطء.

وقد بدأت تلك المفارقة تؤدي إلى تغيرات في المشهد السياسي في منطقة الشرق الأوسط، وربما تعيد رسم النفوذ في هذه المنطقة ما لم يحدث تغيير ما على أحد الجانبين: جانب إدارة باراك أوباما المفضلة للانسحاب، وجانب إدارة فلاديمير بوتين المتحفزة للانخراط.

كاتب فلسطيني سوري

8