أميركيات يدافعن عن مسلمين يرفضون حرية المرأة

الأحد 2017/02/12

جرأة كبيرة أن يعيش الإنسان، وجرأة أكبر أن يقول رأيا. يقول المؤرخون الأنثروبولوجيون إن الإنسان يحتاج مجتمعا بسبب المشقة في تربية الأطفال. لا يعيش الأطفال دون جماعة ومساعدة وحماية. في عالم القردة مثلا إذا تم طرد قرد من مجموعته يكون حظه بالبقاء ضئيلا ناهيك عن تربية الأطفال. الشيء نفسه حدث للبشر وبسبب نشوء المجتمع احتاج إلى ثقافة لتنظيم الصحّ والخطأ والأخلاق والعلاقات الجنسية، وهكذا ظهرت الديانات.

الذي يحدث في المهجر هو طرد “القرد” من مجموعته كما في ظاهرة اللجوء بسبب انهيار مجتمعات ودول بالحروب والنزاعات الدينية. هذه المجتمعات اللاجئة تعجز أحيانا عن التكيف، فهي حاملة للغة وثقافة وذاكرة مختلفة، فماذا تفعل؟ تبني مسجدا وحسينية وتمارس الدين. إن اجتماعهم ينظم مشاكلهم النفسية، ويقدم لهم فرصة للتعارف والتزاوج والتناصح بالغرب. المشكلة الآن وبسبب انتشار التصادم الحضاري صاروا يخافون ارتياد دور العبادة. اليهودي مثلا يذهب إلى معبده بالغرب، والسيخي والبوذي وغيرهم. وحده المسلم عليه إظهار خصومة مع ثقافته، وهذه الخصومة تزيد من اغترابه.

العوائل المسلمة بأميركا صارت تسحب أموالها من البنك وتحتفظ بالمال نقدا بالبيت. يخافون من أن الرئيس ترامب يصادر أموالهم. ربما هذا غير ممكن، لكن المسلم صار يرى كل شيء ممكنا. المهاجر المسلم يحتاج المسجد بسبب الغربة، والمسجد ليس رسالة إيمانية ونشر عقيدة بل هو مكان اجتماع، وجمع تبرعات، وحل لمشاكل بعضهم البعض. صار المسلم المهاجر لا يعرف ما يفعل، في بلاده حروب ومشاكل وفقر فيهاجر إلى الغرب، ولكن هو إنسان وحامل لثقافة بالنهاية. يحتاج مسجدا وحسينية وهوية حتى لو يذهب مرة بالسنة لا مشكلة.

الديانات ساعدت البشرية في فترات الطاعون والجفاف، وساعدت في تربية الأطفال واستمرار العائلة، فلماذا تبقى العائلة متماسكة؟ في معظم الأحيان يلعب الدين دورا قويا في موضوع الأسرة. لا نعرف كيف ستنتهي مشكلة العالم. التصادم الحضاري يتصاعد، والمسلمون المهاجرون انسحبوا من مساجدهم. صاروا يخافون وصمة الإرهاب. عدد قليل منهم بدأ يتحول إلى نصراني ويجد الخدمات النفسية بالكنيسة، صحيح أن الكنيسة في الغرب كريمة، وليس عليها شبهة الإرهاب، غير أن هذا صعب على كثير من المسلمين، مهما كان عندهم من هوية عزيزة.

عدد كبير من الغربيين ملحد، ولكنهم في وطنهم وأهلهم ولغتهم. الغريب يحتاج وطنا وذاكرة ولطالما كان الله ملجأ للغرباء والشتات. إن الأحداث متسارعة جدا، ولا نعرف حقا كيف سيكون مصير الشعوب، خصوصا الضعيفة. لنأخذ مثالا امرأة ولدت في ألمانيا عام 1900 وعاشت مئة عام لتموت سنة 2000. هذه المرأة عاشت طفولتها في ظلال الرايخ الثاني والحكم الملكي حتى صار عمرها 18 عاما، عندها انبثقت الثورة الألمانية بسبب هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وهذه المرأة وجدت نفسها تعيش في ظلال جمهورية فايمار. وهكذا تغير العالم من حولها وأصبحت الحكاية المنتشرة للبلاد مختلفة عن سابقتها، والناس تصرفوا وفقا للعهد الألماني الجديد.

العدالة عمياء

فجأة انفجرت الثورة النازية عام 1933، حكاية مختلفة تماما والناس تبدلوا من جديد وفقا لتبدل الحكاية الرسمية التي يسردها الحكم الجديد عن البلاد والعالم. حكاية القيم والتربية والسلوك كلها تغيرت بشكل جوهري في الـ12 عاما التي تلت. عاش الناس مؤمنين بالحكاية النازية وفجأة جاء عام 1945 مع هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية. اجتاح الروس البلاد لتأسيس نظام جديد في مدينة هذه السيدة الألمانية التي صار عمرها 45 عاما. عالم شيوعي جديد ينهض أمام عينيها، وللمرة الرابعة تجد نفسها في عالم وحكم جديدين بقيم وأسلوب وثقافة مختلفة.

الاقتصاد والمجتمع والسياسة تنقلب انقلابا كاملا في كل مرة. واستمر الحكم الشيوعي 40 سنة حتى صار عمر السيدة 89 عاما وسقط جدار برلين، وتم الإعلان عن العولمة، وصعود العالم الليبرالي الديمقراطي، وتوحدت ألمانيا، وللمرة الخامسة وجدت هذه السيدة نفسها في مجتمع جديد ومختلف عن كل ما عهدته سابقا، لتعيش أواخر حياتها كمواطنة في ألمانيا ليبرالية موحدة.

يتخذ علماء الأنثروبولوجيا هذه السيدة مثالا لكي نفهم قدرة الإنسان على التكيف والتبدل حسب الظروف، فلا توجد أيّ طفرات في الجينات الألمانية خلال مائة عام، ولكنها مجرد تبدّلات ثقافية، وهنا خطورة الثقافة. لأنها تغير الإنسان فهو يتأثر بالأساطير.

هناك نوعان من الأساطير؛ الأساطير الحديثة والأساطير الدينية وبينهما يعيش المجتمع في حالة من الخيال الواقعي. في الغرب مثلا يقولون لك إنه عالم المؤسسات فماذا يقصدون؟ الشركات متعددة الجنسيات، وهذه مجرد حكاية أسطورية في النهاية لا وجود حقيقي لها. العالم تغير منذ نشوء التعاونيات الحديثة. شركة بيجو مثلا الفرنسية للسيارات علامتها إنسان برأس أسد، وهي تشبه علامة التمثال الذي عثر عليه علماء الآثار وعمره 30 ألف سنة كدلالة على انبثاق الخيال الإنساني وظهور الأديان.

كانت الملكية مطلقة قبل ظهور الشركات الحديثة فأنت تملك تجارتك ملكية مطلقة، وإذا خسرت وصرت مدينا بالمال تتم مصادرة أملاكك وأرضك ومالك. وفي بعض الأحيان تتم مصادرة أطفالك وزوجتك لبيعهم كعبيد. فكما تملك شركتك ملكية مطلقة، فأنت تعتبر المالك لزوجتك وأطفالك وهذا ما لم نفهمه في الغرب. فالرجل الغربي اليوم لا يملك زوجته ولا أطفاله، يمكنهم طرده من البيت والدولة تساعدهم لأن قانون الملكية قد تغير وتبعه مباشرة قانون العائلة.

لم تعد هناك ملكية مطلقة، وهذا بدأ منذ الثورة الفرنسية نهاية القرن الثامن عشر حين تغير الحق من الملكية المدعومة بالكنيسة والحق الإلهي إلى سيادة الشعب والديمقراطية. وهذا طبعا يفرض الحرية الجنسية وحرية المرأة، بل يفرض ميلاد إنسان جديد هو الإنسان الغربي الحديث الذي أعلن نهاية الدين وموت الإيمان القديم. المسيحية الحديثة في الغرب لا علاقة لها بالمسيحية القديمة. دين جديد مناسب للعالم المتبدل المعاصر.

في الماضي قد تذهب إلى السجن حتى تسديد ديونك. ومع تطور الاقتصاد الحديث تغير القانون، صارت الشركة لها ذات مالية مستقلة، فإذا خسرت وأصبحت الشركة مدينة لا يؤثّر ذلك على حياة مالكها ومديرها. يمكن لشركتك أن تغلق بالشمع الأحمر وأنت المالك تعيش حياة الأثرياء، لأن الشركة هي المدينة وليس المالك. هنا صار الاقتصاد الغربي يتحرك بسرعة ويغامر لانعدام المسؤولية الذاتية، بينما الشرق بقي نائما في فقه المعاملات الإسلامي والمحاكم الشرعية والحلال والحرام ورفض الربا.

إن الإنسان قابل للتبدّل كما حدث للسيدة الألمانية، ويعرف بأن الشرق بلا مؤسسات، يعني أنه يحتاج ثقافة اقتصادية وقوانين جديدة وليس إلى أموال بيد مجتمعات راكدة. الإسلام كحكاية يمكن تعديلها حسب حاجة السوق، فليس المطلوب ثقافة علمانية فقط لأن الشيوعية والفاشية والنازية كانت علمانية. المطلوب ثقافة اقتصاد حديث واستثمارات حديثة بقيم ليبرالية، وهذا سر تقارب الإنسان السعودي مع الأميركي مثلا رغم أن السعودي يعتبر في عيون الجهلة “وهابيا”. الحقيقة هي كما قال الأمير محمد بن سلمان أن المواطن السعودي قد تعلم الاستثمار والبورصة والاقتصاد الحديث، بينما العراقي مثلا لا يفهم شيئا عن هذا العالم الخطير. ما زال يعيش فلسفة قديمة.

من العار أن يقف المسلمون ضد تحرير المرأة بينما السيدات الأميركيات أقوى المدافعين عنهم في العالم. نانسي بلوسي ممثلة الديمقراطيين في الكونغرس تقول إن البابا يقول من العار طرد اللاجئين، ومطارنة الولايات المتحدة قالوا ليس من المسيحية طرد اللاجئين. إن الإنجيل يقول لا يجب طرد الغرباء، وإن تمثال الحرية دموعه تنهمر بسبب قرارات الرئيس ترامب بشأن اللاجئين وشعلته تنطفئ، وحتى تمثال الرئيس لنكولن عيناه غارقتان بالدموع لأجل الضعفاء وتقول نانسي إن لنكولن قال “الناس هم مصدر الحقيقة“.

وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت تقول “نحن فخورون بتقاليدنا الأميركية التي تأوي الذين يهربون من العنف والظلم، وكنا دائما قادة العالم في إعادة توطين اللاجئين. كلاجئة هربت من تشيكوسلوفاكيا بعد استيلاء الشيوعيين عليها، انتفعت من كرم هذا البلد وتقاليد الانفتاح فيها.

قرارات ترامب قد تنهي هذه التقاليد، وتمارس العنصرية على هؤلاء الذين يهربون من الحرب الأهلية الدموية في سوريا. اللاجئون السوريون يتعلمون الإنكليزية، ويجدون أعمالا جيدة، يشترون البيوت، ويفتحون محلات جديدة. ويقومون بكل ما قامت به أجيال اللاجئين الأخرى بمن فيهم أنا شخصيا“.

وزيرة العدل المؤقتة في البيت الأبيض سالي ييتس فقدت عملها لرفضها الدفاع عن قرار الرئيس ترامب بشأن اللاجئين وقالت في جلسة استجواب إنها لا تعتقد أن الدفاع عن الأمر سيكون “منسجما مع التزام هذه المؤسسة الراسخ بالسعي دوما من أجل العدالة والدفاع عن الصواب” وأن من مسؤوليتها التأكد على أن القانون ينسجم مع الدستور، ومن واجبها تقديم النصح للرئيس الأميركي بالتراجع.

علينا كمسلمين أن نتعلم من دونالد ترامب أيضا. فهو يرغمك على محبته واحترامه حين يقول إنه سيصادر أموال المسؤولين العراقيين في أميركا، فليس من العدل أن يموت الجندي الأميركي ليأتي لصوص عراقيون يسرقون شعبهم بهذا الشكل

وكذلك لا ننسى كبيرة المتحدثين باسم رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو التي طالبت قناة فوكس نيوز في الولايات المتحدة بسحب أو تحديث تغريدة على تويتر ذكرت أن المسلح الذي قتل ستة أشخاص في مسجد في كيبيك من أصل مغربي، لأن المشتبه به في الواقع فرنسي كندي أبيض.

ومَنْ من المهاجرين لم تدمع عيناه حين سمع خطاب الناشطة النسوية والفنانة المبدعة آشلي جيد وهي تدافع عن المرأة والفقراء والمهاجرين ضد رئيس بلادها فتقول إنها امرأة “وقحة” ومتمردة وترى أن الجنوب لم يسقط ومازالت قيم العبودية تطاردنا، بل تقول إنها ترى عودة للنازية وهتلر. طبعا هذه مبالغة، ولكنها نتيجة حرية المرأة، سيدات أميركيات جميلات يدافعن عن مسلمين يرفضون حرية المرأة.

يقول فيلسوف إسرائيلي إن أعظم اكتشاف حدث في بداية التنوير الأوروبي قبل خمسة قرون هو “اكتشاف الجهل” حين اكتشف الإنسان أنه “جاهل” بحقيقته وحقيقة العالم وأن الدين لا يمثل إجابة نهائية للفكر الإنساني. عند هذا الاكتشاف العظيم تحقق حلم الإنسان بامتلاك حريته وبناء حضارته المعاصرة، هي نفسها هذه الحضارة التي يهددها الجهل والتطرف الديني الإسلامي.

علينا كمسلمين أن نجلس كتلاميذ متواضعين في حضرة سيدة مثل نانسي بلوسي زعيمة الحزب الديمقراطي في الكونغرس وهي تجيب شابا أميركيا يسألها عن اليسار. تقول إن أميركا رأسمالية في النهاية وأن الخير يتحرك ليس بإرادة الدولة ولكنه بـ”اليد الخفية” للنظام الرأسمالي. وقد استعارت المصطلح من آدم سميث في كتابه “ثروة الأمم” حيث يقول “كل فرد يعمل بالضرورة ليساهم في إنتاج الريع السنوي للمجتمع بأقصى ما يستطيع من طاقة. هو لم يقصد أن يكون عمله منتجا لأهداف الشعب، وكذلك لا يعلم إلى أيّ مدى هو ينتج ذلك الهدف. هو مهتم فقط بمصلحته الخاصة، وفي هذا العمل الأناني كما في معظم الحالات يكون منقادا بـ’يد خفية’ تحفّزه”.

ومع كل ما تقدم، علينا كمسلمين أن نتعلم من دونالد ترامب أيضا. فهو يرغمك على محبته واحترامه حين يقول إنه سيصادر أموال المسؤولين العراقيين في أميركا، فليس من العدل أن يموت الجندي الأميركي ليأتي لصوص عراقيون يسرقون شعبهم بهذا الشكل. وحين يسأله بل أو رايلي عن سبب التعاون مع فلاديمير بوتين وهو قاتل؟ يقول له هناك الكثير من القتلة، هل تظن بأن أميركا بريئة؟ ترامب يهاجم بعنف حتى سياسة بلاده الخارجية. إيران الفاشية بحاجة إلى شدة دونالد ترامب لتتأدب، وكذلك جميع الإسلاميين المتشددين بحاجة إلى صعقة ترامب لإعادة النظر في قيمهم وأوهامهم.

كاتب عراقي

6