أمير شعراء الأهواز ترجل وترك لمحبيه كوفيته الزرقاء

الجمعة 2014/01/24
ملا فاضل السكراني أخرج الأبوذية من صيغتها الحزينة وكتب في إطارها كثيرا من الغزل

طهران - فقد محبو الشعر العامي في الأهواز مؤخرا شاعرا كبيرا لقّب بأمير شعراء الأهواز، الشاعر “مُلّا فاضل السكراني الطائي” الذي طبع في ذاكرة أبناء المنطقة العرب أبياتا خالدة من شعره، ظل يردّدها كثير منهم. المدينة التي ولد فيها الشاعر ملا فاضل عام 1923، هي “الفلاحية” وكما جاء اسمها في كثير من الكتب التاريخية “الدورق”، وقد عرفت طوال العصور شعراء وأدباء ومؤرخين كبارا مثل “ابن السكيت الأهوازي”.

شهرة الشاعر الكبرى تنبع من إجادته لشعر “الأبوذية”، فقد عرف قالب أو نمط “الأبوذية” الشعري تطورا وتقدما ملحوظا على يديه، واستطاع أن يتجاوز المنطقة ليصل إلى البلدان المجاورة كالعراق والكويت، واستحق ملا فاضل بجدارة لقب “عميد الأبوذية” و”أمير الأبوذية” في الأهواز، حيث يتميز شعره بالصور الشعرية الرائعة والبديعة والنظم الشيق، ليبلغ مستوى عاليا في الشعر العامي “الشعبي” ينافس كبار الشعراء العرب في المنطقة وخارج البلاد؛ وها هو يرحل ليترك خلفه أكثر من 2500 بيت شعر في الوجدانيات والحكمة والاجتماعيات والرثاء. أما “الأبوذية” فهو أحد أنواع الشعر الشعبي المعروف خصوصا في منطقة الأهواز والعراق ويتكوّن من أربعة أشطر یسمّى کل واحد منها “البيت”. وتنتهي الأبيات الثلاثة الأولى بلفظ واحد أو متقارب جدا ولكن بمعنى مختلف، أم الشطر الرابع فلا بدّ أن ينتهي بكلمة تکون نهايتها بالیاء والهاء (ية)، ويسمّى “الرباط”، ولا بدّ للفظ المشترك في الأشطر الثلاثة أن يكون ذا معنى غير الذي يكون في الشطرين الآخرين وبذلك يكون لفظا واحدا بثلاثة معان، ما يشبه الجناس في الصناعات الأدبية. والأبوذية من البحر الوافر (مفاعلتن مفاعلتن فعولُ).

وفي ما يلي أبوذية للشاعر العراقي “عريان السيد خلف”: "تبنا من العشـــــــق واردود عدنه (عُدنا) (اردود: من جديد)/وحسبنا اسنين مره وتــــــاه عدنه (عدُّنا)/أهوايه بالسَلَف حُلـــــــوات عِدنه (عندنا) (اهوایه: كثیر)/لَوَنْ روحك صِدِقْ خَضره وطريّة".

ویقال إن أول من نظم شعر “الأبوذية”، هم أهالي مدينة “سوق الشيوخ” الواقعة جنوب العراق، الذين لديهم باع طويل في نظمها، بالإضافة إلى أنواع الشعر الشعبي الأخرى.

وتتميز “الأبوذية” بنبرتها الحزينة فغالبا ما تنظّم حول الأحزان والفراق، كما ينشد فيها الشوق والحنين، والغزل والوصف على أن يكون أداؤه ذا مسحة حزينة، ولذلك أخذت اسمها من ذلك (أبو الأذية) وشاعت “الأبوذية” بهذه الصيغة نتيجة اللهجة العامية للمنطقة.

وهناك من يعتقد أن الأبوذية من معطيات الأدب الفارسي، وذلك لأنها تتكون من بيتين، إذ تتعلق هذه التركيبة “الدو بيت” (البيتان) بالشعر الفارسي. كما أن هناك آراء أخرى حول نشأة الأبوذية تتفق كلها على أن مولدها هو الريف العراقي. أما شاعرنا ملاّ فاضل السكراني، فقد قدّم للشعر الشعبيّ الأهوازي نماذجَ مميزة من نمط الأبوذية، مما جعل الكثير من الشعراء في الأهواز ينتهجون نهجه، ويتطوّر هذا النمط الأصيل بشكل ملفت، ومن أهمّ الخدمات التي قدّمها هذا الشاعر للأبوذية هو أنه أخرجها من صيغتها الحزينة وكتب كثيرا من الغزل في إطارها. وهو الذي يصنّف ضمن الجيل الثاني من الشعراء الأهوازيين الذين كتبوا الأبوذية، أمثال ملاّ محمود الماجود، وعبود السلطان، بإنشاده الشيق في هذا النمط، استطاع أن يخلّص الأبوذية من الضعف والشوائب الأولية، ويبسّط لغتها ويلبسها ثوب الحبّ والغزل بمفردات وتعابير جديدة وأليفة، وكلّ هذا خلق من أبوذياته نمطا خاصا به اشتهر بـ”الأبوذية الفاضلية”، وقد لقي ترحيبا واسعا وشعبية كبيرة من قبل محبّي ومتتبعي الشعر في الأهواز، وقد تكون هذه اللغة البسيطة والغزل العذب هما سرّ إقبال كثير من الشباب على شعر السكراني، مما جعلهم يعبّرون عن حبهم له ويرتدون في جنازته كوفيات زرقاء بلون كوفيته التي طالما ارتداها وعرف بها.

ولم تنحصر شهرة ملاّ فاضل في الأهواز على الأبوذية فحسب، بل هناك قصائد نظمها بالعامية بقيت في ذاكرة قرائه، ومن أشهرها قصيدة “الحمامة”، نقتطف منها:"یا حمامه الما بکل النوح فوق الدوح نحتي/ یا حمامه الما بصوت الودّع الخلّان صحتي/ یا حمامه الونتج سویعه تونّیها وسکتتي/ یا حمامه الما بعین السهرت من الهم سهرتي/ یا حمامه الما بشفرة سیف الفراق انجرحتي/ یا حمامه الما بسكینة حكي الواشي انذبحني/ یا حمامه الما تصوّبتي بسهم عیله ووقعتي/ یا حمامه الما عثرتي بلكمة المحنه وسقطتي/ یا حمامه الما ركستي بموجة الحیره وطفحتي/ یا حمامه النمتي فوق الغصن مرتاحه وهجعتي/ یا حمامه العلی فراش الروض شرقدتي ورقدتي/ یا حمامه الما بجنح الشوك للمعشوق طرتي/ یا حمامه الما بنار الواجها البین احترقتي/ یا حمامه بعطبة الشوغات ما یوم انلکعتي/ یا حمامه الما دركتي الشوق شنهو ولَفتهمتي/ یا حمامه الما دقیقه بناب صِل لوعه انلسعتي/ یا حمامه المانصبتي جواین الحرقه ولطمتي/ یا حمامه البس بصابع کذب لِدمُوع مسحتي/ یا حمامه بنوح الكذّاب حصّلتي اللیامه/ والینوح بحرقه ذاك الهام بالبر وستمر نوحه وهیامه/ یا حمامه، یا حمامه".

ومن أبوذياته كذلك: "اشم طیب الحبيب السكن بشّام (في الشام)/ ابذكر شوقه اسْهَرِتْ وِسْكَرِتْ بشّام (بالشمّ)/ روحي من الصّبا اتعلّقت بشّام (بالخال)/ الحلتلي ابوجنته السّمحه الزهيّه./بسّك بس يا هالنمّام، بس روح/ إتركني اوْيَا الْهَلِه ظُلْموه بِسروح/ بقى بس روح وانا بْقيتْ بس روح / وقريب الشوق يقتلنا سويّه".


اقرأ أيضا في العرب:


الملا فاضل السكراني: تستفزني أشعار المتنبي

15