أمير صلاح الدين: الإنتاج والاستغلال السياسي يهددان فرق الأغنية البديلة

الفنان المصري يؤكد أن أغنيات فريق "بلاك تيما" ذات لون عالمي يتجاوز المحلية المصرية، وأن مسرح "ساقية الصاوي" مثل طوق نجاة للكثير من الفرق.
الاثنين 2019/06/17
"بلاك تيما" فرقة خارج التصنيف

ظهرت العديد من الفرق الغنائية الشبابية بنزعة متمردة في بعض الدول العربية، وهو ما أثنى عليه النقاد واعتبروه لونا إبداعيا من فن غير معتاد، لكن الفرق الحديثة اصطدمت بمحاولات التضييق بسبب توجهها السياسي المعارض للحكومات وضعف فرص الإنتاج، ويقول أمير صلاح الدين عضو فرقة “بلاك تيما” المصرية لـ”العرب”، إن تمسك الفرق الشبابية بعدم السقوط في فخ الاستغلال السياسي يهدد استمرارها في المستقبل.

القاهرة - انتعشت فرق الموسيقى الجماعية في مصر، وشكلت تيارا يسمى بـ”الأغنية البديلة”، طرح أفكارا تعتمد على التجربة والاختلاف، عبّر عنها بلغة تميل إلى التحرر والتمرد، وخاطب الجمهور مباشرة معربا عن عواطفه وهمومه وتطلعاته.

وظهرت هذه الفرق لمواجهة سياسات الحكومات أحيانا، وبادرت بعض القوى السياسية إلى استغلال الجماهيرية الغنائية لأعضاء الفرق في الترويج لأفكار في الفترات الانتخابية، وهو ما أوقعهم في متاعب أمنية.

قال الفنان أمير صلاح الدين، عضو الفرقة الغنائية المصرية “بلاك تيما”، في حواره مع “العرب” إنه ورفاقه قدموا أغنيات تحرص على الفعل الثوري مثل “مجنون” و”ساعات” و”إنسان” وصفت حال الشعب المصري، وانتقدت السياسات الرسمية، قبل ظهور العديد من الفرق الغنائية التي غنت للثورة المصرية عام 2011، وحققت انتشارا كبيرا.

وأضاف صلاح الدين أن تيارات سياسية معينة حاولت توظيف الفرق الصاعدة في الدعاية لها، لما تتمتع به من تأثير على فئات الشباب، لكن بعض الفرق رفضته فتعرضت لأزمات تمويلية.

أمير صلاح الدين: المواقف المتمردة ضد الحكومات قلصت عدد فرق الشباب
أمير صلاح الدين: المواقف المتمردة ضد الحكومات قلصت عدد فرق الشباب

وأوضح لـ”العرب” إن السياسي حمدين صباحي، المرشح في انتخابات الرئاسة المصرية عام 2014، طلب التعاون مع “بلاك تيما” على طرح أغنية تدعمه في الانتخابات فرفضت، وحاول أيضا أنصار لجماعة الإخوان المسلمين إقناع الفرقة بطرح أغنية لتدعيم موقف الرئيس الأسبق محمد مرسي، وكان لها نفس الموقف الرافض.

وأشار صلاح الدين، “عندما شاركنا في المؤتمر الوطني للشباب عام 2018 الذي رعته جهات حكومية مصرية، رفضنا الغناء لشخص الرئيس عبدالفتاح السيسي، ورغم ذلك واجهنا انتقادات من الجمهور المعارض لسياساته، فقناعاتنا هي المكان الذي نغني فيه، فإذا طلب منا الغناء في السجن سنغني، وكان المؤتمر فرصة لكسب 7 آلاف شاب حضروا المؤتمر”.

وأكد أنه منذ تدشينه الفرقة الغنائية عام 2004، برفقة المطربين أحمد بحر، ومحمد عبده، وهي حريصة على أن يكون لها كيان خاص، دون الانتساب لأي تصنيفات، سواء ما يسمى بفرق “الأندرغراوند” أو الفرق النوبية الغنائية، وأصر أعضاء الفرقة، وهم ينحدرون من منطقة النوبة في جنوب مصر، على تقديم الأغنية البديلة بشكل وكلمات مميزة وعميقة تصف حال المواطنين في الشارع.

واعتمدت “بلاك تيما” على بساطتها، وكان شعارها “نحن لا نغني للناس، ولا عن الناس، نحن نغني مع الناس”، كما حقق البوستر الدعائي ذو التصميم البسيط، ويظهر فيه أعضاء الفرقة الثلاثة أمام قصر “شمبليون” بوسط البلد في القاهرة دون تكلف أو تجميل. وكشف صلاح الدين لـ”العرب” أنه يعرف جمهور المتابعين لفرقته جيدا، ويحفظ ملامح وجوههم، فهم يتنوعون في الشكل والسن والمظهر والمستوى الثقافي.

هروب فرق الغناء البديلة من فكرة الاستغلال السياسي، وضعها في مواجهة التعقيدات في مسألة الحصول على تمويلات مالية من بعض المؤسسات التابعة للحكومة، والتي ترى أن هذه “الفرق تشكل خطرا وتتجاوز الخطوط الحمراء وتحرّض الجمهور على الحكومة”.

فرقة "بلاك تيما" اعتمدت على بساطتها، وكان شعارها "نحن لا نغني للناس، ولا عن الناس، نحن نغني مع الناس"

ودعمت بعض منظمات المجتمع المدني المعنية بالتنمية الثقافية الفن البديل، لكن شرطها أن تتوافق مع إعادة التراث الغنائي القديم، وقف عائقا أمام البعض، ما جعل الفرق نتاجا مكررا لذلك القديم.

ولفت الفنان أمير صلاح الدين لـ”العرب”، إلى أن فريق “بلاك تيما” حقق نجاحا كبيرا وجذب إليه شريحة من الشباب مبكرا، واعتزم تقديم حفل غنائي بدار الأوبرا المصرية على المسرح المكشوف، وطُلب منه سيرة ذاتية للفرقة والأغاني، ولم يكن ذلك متوفرا لديه، لأن العروض كانت تقدم مباشرة للجمهور دون تسجيلات، وبعد محاولات لإقناع المسؤولين قدم الحفل باعتبار الفرقة تغني تراثا نوبيا لمجرد الترويج لفكرة إحياء التراث.

واعترف أن المشروع الثقافي الخاص بـ”ساقية الصاوي”، ودشنه محمد الصاوي، نجل الأديب المصري عبدالمنعم الصاوي، عام 2005، مثل طوق نجاة للكثير من الفرق بعد أن ساعد على إتاحة الفرصة للمطربين الشباب بتقديم حفلات مباشرة على المسرح دون تعقيدات، وتوثّقت صلتهم بالجمهور وتحقّقت لهم مكاسب مادية.

وأوضح عضو فريق “بلاك تيما”، أن فكرة عزوف الجمهور عن المسرح غير صحيحة تماما، فمنذ العرض الأول لهم على مسرح “ساقية الصاوي” كان الحضور الجماهيري مفاجئا. وتابع “ساهمت الساقية في جذب عدد كبير من الجماهير، وطرحت تذاكر حضور الحفلات بأسعار معقولة، لا تتجاوز الـ5 جنيهات (أقل من نصف دولار)، بالإضافة إلى تدعيم الفرق بالمزيد من الدعاية والإعلانات مجانا إلى أن وصلت إلى صيغة استثمارية مع الفرق الغنائية تعتمد على نسبة من الأرباح بشكل منطقي يفيد الطرفين”. ورغم كل ما تتيحه المؤسسات الثقافية الخاصة من فرص جيدة للإبداع، تظل أزمة إيجاد منتج يبتعد عن التدخل في الأمور الفنية مسألة معقدة.

"بلاك تيما" لا تغني في الحفلات والمناسبات الخاصة
"بلاك تيما" لا تغني في الحفلات والمناسبات الخاصة

وأوضح صلاح الدين أن الفرق الغنائية في تزايد مستمر، ما يقوّض شروط المنتجين الفنية، والمشرفون على الفرق لا يقبلون التدخل من جهة الإنتاج، ولديهم أغنياتهم ورؤيتهم الخاصة، ويزعجهم التدخل في تلك الأمور الفنية، كما أن سوق الإنتاج يفتقد للمنتج الفنان، لذا تعتمد فرقة “بلاك تيما” في أغلب الأوقات على الإنتاج الذاتي، وهي عملية يصعب الاستمرار فيها طويلا، وباتت الكثير من الفرق تسارع في الاعتماد على التمويل الذاتي وتقديم أنشطتها، عكس ما قامت عليه الفرق الشبابية من الأساس مثل إحياء حفلات الزفاف.

ورفض صلاح الدين، مبدأ الغناء في الحفلات والمناسبات الخاصة، مثل أعياد الميلاد والزفاف، قائلا “هذا يخل بمبدأ الحفاظ على الهوية الفنية ويحوّل المطرب من صاحب رسالة إلى مطرب يبحث عن المادة فقط”.

وظهر بعض أعضاء الفرق الغنائية، كممثلين في بعض الأعمال الدرامية والسينمائية، وغنّت فرقة “بلاك تيما” مقدمات أو “تترات” بعض الأعمال الفنية السينمائية والتلفزيونية، ونجحت في تحقيق حضور قوي لها من خلال ذلك.

ورأى صلاح الدين أن ذلك لا يتشابه مع البحث عن المادة ويأتي في إطار البحث عن قنوات لعرض فن أعضاء الفرقة الخاص، وتم عقد جلسة مع المخرج الراحل أسامة فوزي أثناء تجهيزه لفيلم “بالألوان الطبيعية”، بعدما رشحهم أحد الممثلين بالفيلم، وتم الاتفاق على أغنية “خرسان”، وبعدها شاركوا بالغناء في فيلم “ألف مبروك”، ومؤخرا الغناء في مسلسل “أبوالعروسة”.

وشدّد أمير صلاح الدين في حواره مع “العرب”، أن الفرقة تقدم أغنيات ذات لون عالمي، وهي نتاج ما سمعه أعضاؤها منذ طفولتهم إلى حدّ هذه اللحظة، وهي كذلك خليط ممّا قدمه مطربون عظماء من جنوب مصر، مثل حمزة علاء الدين وكوبانا ومحمد منير وأحمد منيب.

"بلاك تيما"

 

17