أمير قطر في واشنطن: زيارة من أجل الزيارة فقط

فك العزلة الإقليمية عن الدوحة خارج حسابات واشنطن خلال استقبالها الشيخ تميم.
الثلاثاء 2019/07/09
زيارات تتوالى ولا شيء يتغير

أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إذ يزور الولايات المتحدة ويلتقي قيادتها وكبار مسؤوليها، يعلم جيدا أن واشنطن لا تستطيع إحداث أي خرق في ملف مقاطعة الدول الأربع لبلاده، وهو ملف محسوم من قبل تلك الدول ولا سبيل لإحداث أي تقدّم فيه دون تلبية الدوحة لجملة من الشروط المحددة والواضحة.

واشنطن - لم تنفصل زيارة أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الحالية إلى الولايات المتحدة الأميركية، عن الجهود المتواصلة التي تبذلها الدوحة لفكّ عزلتها، وهو الأمر التي أصبح خلال السنتين الأخيرتين المشغل الأوّل للقيادة القطرية بعد مقاطعة كلّ من السعودية والإمارات ومصر والبحرين لقطر، بسبب دعمها للإرهاب وانتهاجها سياسات مهدّدة لأمن المنطقة واستقرارها.

وقلّلت مصادر خليجية من إمكانية أن تحمل الزيارة أي تطوّر في ملفّ المقاطعة، متوقّعة أن يكتفي الأمير تميم من خلال لقاءاته في واشنطن مع الرئيس دونالد ترامب وكبار المسؤولين الأميركيين بتحقيق مكاسب معنوية، لعلمه المسبق بعدم استعداد الولايات المتحدة للقيام بدور عملي في إنهاء مقاطعة الدول الأربع لبلاده، وذلك بعد أن تأكّدت واشنطن في أكثر من مناسبة أنّ الملف مغلق من قبل تلك الدول، وأنّه لا إمكانية لإحداث أي تغيير فيه دون تلبية شروط واضحة ومعلنة من قبل الرياض وأبوظبي والقاهرة والمنامة تتلخّص إجمالا في تغيير قطر لسياساتها المهدّدة للاستقرار، وفك ارتباطها بالجماعات المتشدّدة والتنظيمات الإرهابية.

وتفضّل إدارة الرئيس ترامب الحفاظ على المصالح المادية المباشرة مع قطر ومواصلة جني مكاسب مالية من ورائها، فضلا عن الحفاظ على المكسب الأمني والعسكري الكبير المتمثّل في الاحتفاظ بقاعدة العديد الضخمة على الأراضي القطرية، حيث مقرّ القيادة المركزية الأميركية المشرفة على الأعمال العسكرية للولايات المتحدة في سوريا واليمن والعراق وأفغانستان، لكنّ الإدارة ذاتها تتجنّب في المقابل الانغماس في معالجة ملف علاقات قطر بدول محيطها الإقليمي لمعرفتها الجيّدة بوجود اختلالات عميقة في تلك العلاقات سببها سياسات قطر نفسها.

ومن أوضح تلك الاختلالات العلاقة المتينة التي أقامتها قطر مع إيران وعدد من الميليشيات والتنظيمات الإرهابية التي تصنّفها واشنطن ضمن خانة أعدائها مثل حزب الله اللبناني.

وقد يتوّجب على أمير قطر خلال زيارته الحالية للولايات المتحدة تقديم تفسيره لتلك العلاقة، والاستماع من القيادة الأميركية للمحاذير والخطوط الحمراء التي يتعيّن على الدوحة عدم تخطيها في علاقتها مع طهران.

وجاءت زيارة الشيخ تميم لواشنطن في وقت تشهد فيه المنطقة توترات على خلفية التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، وبعد هجمات تعرضت لها ست سفن، أربع منها قرب المياه الإقليمية لدولة الإمارات، واثنتان في خليج عمان.

وقالت وكالة الأنباء القطرية إنّ الجانبين القطري والأميركي يبحثان خلال لقاء الشيخ تميم بترامب “أوجه تطوير التعاون الاستراتيجي القائم بين قطر والولايات المتحدة في مختلف المجالات، وتبادل الآراء حول أبرز المستجدات والقضايا الإقليمية والدولية”.

فك العزلة تحول إلى هوس لدى القيادة القطرية يستأثر بأغلب تحركاتها الخارجية ويرتب على البلد أثمانا مالية وسياسية

وكان البيت الأبيض قد أعلن في وقت سابق أن ترامب سيعقد لقاء مع أمير قطر، في التاسع من يوليو يتناول خلاله “التطورات الإقليمية والتعاون الأمني الثنائي وقضايا مكافحة الإرهاب”.

ولا تخلو الساحة الأميركية من سياسيين وقادة رأي يطالبون بأن يكون فتح ملف الإرهاب مع أمير قطر على أساس المحاسبة الصريحة على دعم الدوحة للمتشدّدين والإرهابيين وهو ما طالب به الكاتب الأميركي المتخصص في الشؤون الخارجية جوردن شاشتيل الذي كتب في موقع ذا دايلي واير قائلا “إن أراد ترامب فهم قطر وسياستها الخارجية، وأميرها، بأوضح طريقة ممكنة، ربما عليه معرفة أقرب مستشار لتميم”، مشيرا بذلك إلى رجل الدين المصري المتطرّف المقيم في قطر والحامل لجنسيتها يوسف القرضاوي الذي وصفه شاشتيل بـ“مفتي الكراهية” مذكّرا بأنه “دعا المتطرفين لتنفيذ عمليات انتحارية ضد الغرب” وأنّه ضالع “في الترويج والتحريض على التعصب الأعمى عبر قناة الجزيرة المملوكة بشكل كامل للعائلة المالكة في قطر”.

وخلال السنتين الماضيتين كانت الرسالة الواضحة لقطر من خلال تكثيف اتصالاتها بالدول الكبرى، هي أنّ الدوحة استطاعت التعويض عن عزلتها في محيطها المباشر بشبكة علاقات دولية متينة، غير أنّ أيّا من كبريات العواصم العالمية لم تستطع إعلان موقف صريح مساند لقطر ضدّ الدول المقاطعة لها، نظرا إلى ضعف موقف قطر وعجزها، من جهة، عن درء تهمة دعم الإرهاب واحتضان التشدّد الموجّهة إليها من قبل جيرانها، ونظرا إلى أن مختلف دول العالم وقواه العظمى مرتبطة أيضا بمصالح حيوية مع الدول المقاطعة لقطر تفوق مصالحها مع الأخيرة، من جهة ثانية.

ويقول معارضون قطريون إنّ جهود فكّ العزلة تحوّلت إلى “هوس” لدى القيادة القطرية، وإنّ تلك الجهود ليست من دون أثمان سياسية ومالية، مذكّرين بأن قطر في إطار الحفاظ على علاقاتها بالدول الكبرى كثيرا ما اضطرت لعقد صفقات سلاح باهظة الثمن وفائضة عن حاجتها الدفاعية بشكل كامل، وواصفين اندفاع الدوحة صوب إيران وتركيا بالمقامرة التي من شأنها تعريض قطر للابتزاز من قبل دولتين تفوقانها حجما وقوّة في مختلف المجالات، فضلا عن إمكانية جرّها إلى المشاكل والصراعات الكثيرة التي تخوضها طهران وأنقرة في كلّ اتجاه ومع أكثر من طرف إقليمي ودولي.

3