أمير كرارة نجم يدرك حاجة الشارع المصري للبطل المنقذ

النجومية التي صنعها الفنان أمير كرارة خلال العامين الماضيين، بعد رحلة طويلة تنقل فيها بين الكثير من الأدوار، تؤكد أنه وضع نفسه على الطريق الصحيح.
الخميس 2018/08/02
أمير كرارة سحر شكوكو وإنقاذ صورة الشرطي

الفنان المصري أمير كرارة يعيش حالة كبيرة من التألق والزهو هذه الأيام، بعد أن أصبحت أعماله الفنية، في الدراما والتلفزيون، تحقق مراكز متقدمة في نسبة المشاهدة والإيرادات المادية.

لعب وعيه لأهمية تقمص البطل الشعبي في صورة ضابط الشرطة الشجاع، الودود والكريم دورا مهما في اختياراته الأخيرة، وجعله يتقدم الصفوف، عقب حوالي عشرين عاما من دخوله مجال التقديم التلفزيوني، كبوابة رئيسية لدخول عالم الفن. عزفه على وتر هذه الثيمة كثيرا، جعله مهددا. فإذا لم يغيرها ويعدد ألوان بطولاته قد يصادفه سقوط الفترة المقبلة.

اختار كرارة مسارا مختلفا عن جده المونولغيست المصري الشهير محمود شكوكو، وصنع نجوميته بعيدا عن التوريث الذي قطع طريق الموهبة لدى الكثيرين، وبات يمثل أزمة لفنانين لمجرد أنهم ينحدرون من أسرة فنية، وكأن هذا هو السبب الوحيد لدخولهم عالم الفن.

التفت لهذه المسألة منذ البداية، ولم يقترب من المجال الذي برع فيه جده شكوكو، ربما تقاسيم وجهه الصارمة وشخصيته الجادة وجسده الضخم لا تصلح لفن المونولغست، وربما يكون ذكاء منه، لقطع الطريق على كل الانتقادات التي تتهمه بدخول الفن من نافذة الوراثة.

تؤكد النجومية التي صنعها خلال العامين الماضيين، بعد رحلة طويلة تنقل فيها بين الكثير من الأدوار، أنه وضع نفسه على الطريق الصحيح، بعد أن اكتسب محبة الجمهور العريض، خاصة البسطاء، لأنهم وجدوا فيه ضالتهم، كبطل شعبي قوي يعيد أساطير السينما القديمة ليصبح رمزا شعبيا لجمهوره.

البحث عن الذات

وعيه لأهمية تقمص البطل الشعبي يلعب دورا مهما في اختياراته الأخيرة، ويجعله يتقدم الصفوف، عقب حوالي عشرين عاما من دخوله مجال التقديم التلفزيوني، كبوابة رئيسية لدخول عالم الفن، لكن عزفه على وتر هذه الثيمة كثيرا، يجعله مهددا
وعيه لأهمية تقمص البطل الشعبي يلعب دورا مهما في اختياراته الأخيرة، ويجعله يتقدم الصفوف، عقب حوالي عشرين عاما من دخوله مجال التقديم التلفزيوني، كبوابة رئيسية لدخول عالم الفن، لكن عزفه على وتر هذه الثيمة كثيرا، يجعله مهددا

ظل كرارة لعقدين من الزمن يبحث عن ذاته، حتى عثر على الشخصية التي افتقدتها السينما والدراما المصرية مؤخرا، أي البطل المفعم بالشهامة. هي من الصفات التي يصعب توافرها في شخصية عادية. لذلك كان ضابط الشرطة النموذج الذي يجمع بين هذه الخصال وغيرها. وفي بلد مثل مصر، يبدو فيها جهاز الشرطة رمزا للسلطة والنفوذ والقوة والصرامة والمهابة، والإنسانية أحيانا.

دخل من هذا الطريق، وفتحت أمامه أبواب الفن على مصراعيها. يكاد يشبه الفنانين الراحلين، فريد شوقي وأحمد رمزي ونور الشريف، في شعبيتهم ورمزيتهم الفنية، لكنه اختار دور البطل الشعبي من منظور ضابط الشرطة الباحث عن الفضيلة والرافض للفساد والظلم، بينما الراحلون الثلاثة كانت أدوارهم متعددة ومتنوعة، ولم ينحصروا في قالب واحد.

اختار هذه الصورة، مستفيدا من التغيرات السياسية والاجتماعية في مصر، وارتفاع نسبة الفوضى الأمنية واتساع نطاق العمليات الإرهابية. احتاج الجمهور من يسد الفجوة بينه وبين جهاز الشرطة الذي بدا معاديا، بسبب طبيعته المعقدة واستخدامه كأداة قمع في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، ثم تحوله بعد ثورة 25 يناير 2011 إلى خط دفاع في مواجهة التنظيمات التي تبنت العنف منهجا لتفتيت الدولة.

كان المصريون على استعداد لتبديد الصورة القاتمة تجاه رجال الشرطة عبر أعمال فنية تعيد جوهر الجهاز الأمني الهام وتذكر ببطولاته وتضحياته. لقيت ثيمة البطل الشرطي هوى لدى صناع الدراما والمؤلفين، وقبولا من جانب مؤسسات رسمية، أرادت محو الصورة النمطية السلبية لرجل الشرطة في مصر.

طال بحثه عن إجابة عن المعادلة الصعبة التي تجمع بين الشهرة والمال، وهي تركيبة لا يمكن أن يصل إليها إلا من كان يعرف معنى النجومية ويرسم طريقه ومسيرته بدقة.

تبدو معادلة الشهرة والمال لديه لا تحتمل التهاون، فبعد أن كان ممثلا للمنتخب المصري في الكرة الطائرة، وحصد العديد من الجوائز في بطولات دولية، قرر ترك اللعبة عندما استشعر أن طريق الوصول لتحقيق هذه المعادلة لا أمل فيه، لأن الأوساط الرياضية نادرا ما تصب اهتمامها على لعبة أخرى غير كرة القدم، صاحبة الشعبية الطاغية في العالم.

قرر عدم مواصلة طريقه في عالم الرياضة، والانتقال إلى الفن، بعد أن التحق بمعهد السياحة والفنادق واصطدم بعقبة الحصول على فرصة في وقت بدأت تصعد فيه الكثير من الأسماء الشابة واحتلت مكانة متقدمة.

أسرار الحريم

من عثراته في الرياضة والسياحة وانسداد أفق الفن، بدأ يحفر في الصخر لتحقيق حلمه. ظهر كضيف في الكثير من البرامج، ضمن صفوف الجماهير التي تجلس في الاستديو لملء المقاعد أمام الشاشة، ثم عمل كموديل في بعض الإعلانات، مع المخرج طارق العريان، وصولا إلى مشاركته الفنانة المغربية سميرة سعيد في مقاطع لبعض “الكليبات” التي قامت بتصويرها.

نجحت صدفة واحدة في حياته أن تضعه على طريق حلمه، عندما التقى منتج الإعلانات المصري طارق نور في أثناء تصوير إعلان للسيارات في شركته، وقام حينها الفنان بتقليده في الكواليس، ما لفت الانتباه إليه، ونال إعجاب المنتج الذي منحه فرصة تقديم برنامج المواهب الغنائية “ستار ميكر 1”، وكان من أوائل البرامج النوعية التي تقدم في ذلك الوقت.

كشف كرارة عن موهبة غير متوقعة في تقديم البرامج التلفزيونية بتلقائيته ومداعبته للمتسابقين، ودخل العديد من التجارب الإعلامية، وقدم الكثير من الأفكار المعاصرة، منها موسم آخر لبرنامج “ستار ميكر 2”، وبرامج “فاكر ولا”، و”الخزنة”، وأخيرا “الحريم أسرار”.

كل ذلك لم يكن كافيا لديه، وظل يبحث عن المعادلة الصعبة، والتي بدأت تقترب منه عقب انتشاره النسبي، أي الانتقال من البرامج إلى التمثيل. وشارك في بعض الأدوار الصغيرة في أعمال تلفزيونية وسينمائية، استثمرها في جذب الانتباه إليه، لأنه مثلها بإتقان شديد.

كانت البداية مع مسلسل “للعدالة وجوه كثيرة” للفنان يحيى الفخراني، تلته مشاركته في مسلسل شبابي بعنوان “شباب أون لاين” مع أحمد الفيشاوي وبشرى ولقاء الخميسي. وفي هذا العمل اكتشف الجمهور أن كرارة خفيف الظل أيضا.

مسار كرارة يبدو مختلفا عن جده المونولغيست المصري الشهير محمود شكوكو. صنع نجوميته بعيدا عن التوريث الذي قطع طريق الموهبة لدى الكثيرين، وبات يمثل أزمة لفنانين لمجرد أنهم ينحدرون من أسرة فنية، وكأن هذا هو السبب الوحيد لدخولهم عالم الفن

حاول البحث عن النجاح المنشود فقدم أدوارا ثانية في أفلام مثل “زكي شان” مع الفنان أحمد حلمي وياسمين عبدالعزيز، و”أحلى الأوقات” مع حنان ترك ومنة شلبي وهند صبري. وعقب ذلك قام بالمشاركة في أدوار متنوعة من خلال أعمال درامية ذاعت شهرتها في العقد الأول من الألفية الجديدة، لكن جميعها لم تكن كافية لتحقيق طموحاته الكبيرة.

المواطن إكس

حلّت اللحظة الفاصلة مع مشاركته في مسلسل “المواطن إكس” عام 2011، والذي عرض بعد اندلاع ثورة 25 يناير في ذلك العام، ودارت أحداثه عن قضية تعذيب شاب مصري، يدعى خالد سعيد، ولقي حتفه على يد رجال أمن داخل أحد مراكز الشرطة في مدينة الإسكندرية الساحلية، وتحولت إلى قضية رأي عام، وذاع صيت الحادث على مواقع التواصل كدليل على تعسف الشرطة مع المواطنين.

من “المواطن إكس”، بدأ كرارة صناعة نجوميته بتقديم شخصية الفتى المتمرد والصديق الوفي في مسلسل “طرف ثالث” مع عمرو يوسف ومحمود عبدالمغني، وحقق نجاحا كبيرا، ومثل هذا الدور انطلاقة قوية له، ولرفيقيه يوسف وعبدالمغني.

كشفت شخصية “ميمي الرايق”، التي قدمها في “طرف ثالث”، عن رغبة الجمهور في البحث عن نموذج البطل الشعبي التقليدي، أي الفتوة والبلطجي صاحب الحس الإنساني، وهو ما أدركه كرارة، وبدأ تقديم أعمال بات فيها البطل الأول، ومن أبرز تلك الأعمال، مسلسلات “تحت الأرض” مع الفنانة التركية الشهيرة سينجول أودين، و”حواري بوخارست” مع الفنانة دينا و”الطبال” مع روجينا.

رغم حصول كرارة على فرصة البطولة المطلقة في أكثر من عمل، إلا أن معادلة النجاح الشاملة كانت تفتقد العنصر الأخير لتحقيقها. لم يستطع تحقيق النجاح الشعبي الذي يريده. هنا استوعب ضرورة تقديم شخصية البطل من منظور مختلف، يحتاج إلى صورة جديدة لم تقدم من قبل وتكون جزءا من ارتباط المصريين بحياتهم اليومية، وهو ما لقي هوى عند جهات كثيرة، اجتمعت طموحاتها على شخصية رجل الشرطة، مع تباين أهداف كل طرف.

الحلقة الأخيرة

تمرد كرارة على دور الفهلوي والبلطجي الشعبي التقليدي، إلى البطل الشعبي صاحب الحس الوطني، وقدم مسلسل “كلبش” عام 2017 متقمصا دور ضابط الشرطة القوي، بأداء حاول فيه استثمار موهبته التمثيلية وقدراته الحركية.

اختار في الجزء الأول من “كلبش” أن يضع مواصفات خاصة لرجل الشرطة، ساعدته في ذلك التركيبة التي قدمها له مؤلف العمل باهر دويدار من خلال تقديم نموذج لشرطي من البشر، أي يخطىء ويصيب، ولا يسير على شاكلة واحدة، ويشوب ذلك اتهامه في جريمة لم يرتكبها، ما ضاعف من تعاطف الجمهور معه، وأثبت براءته.

حقق المسلسل نجاحا كبيرا، وساهم مع الوقت في تعديل صورة ضابط الشرطة من نمطيته كظالم وفاسد وقاس، إلى شخص له جوانب إنسانية بديعة. تحول المسلسل إلى تركيبة بدت جزءا من حياة المصريين الذين استخدموا جملا من المسلسل في حواراتهم اليومية، وقلد بعضهم نموذج الضابط سليم الأنصاري في هيئته، خاصة شاربه الكثيف والذي أضحى موضة بين الشباب.

في الجزء الثاني من المسلسل في رمضان الماضي، استكمل كرارة خطة نجاحه عبر شخصية الضابط سليم الأنصاري أيضا، وقدم صورة ناضجة للرمز البطولي المفعم بحب الوطن والانتماء للعائلة التي سعى للثأر لها، فخاض الكثير من المعارك مع إرهابيين وخارجين عن القانون. ربما شابت الشخصية بعض المبالغات، لكنها ظلت محل تقدير من الجمهور، لأنه شعر أن الأنصاري واحد منه.

احتياج الجمهور لعودة البطل قاهر الظلم يفتح الطريق أمامه لاعتلاء عرش السينما والدراما، ليتقدم كفنان مجتهد وموهوب متقمصا دور الضابط.
احتياج الجمهور لعودة البطل قاهر الظلم يفتح الطريق أمامه لاعتلاء عرش السينما والدراما، ليتقدم كفنان مجتهد وموهوب متقمصا دور الضابط

بعد أن حقق نجاحا لافتا عبر ضابط الشرطة، قرر استثمار ذلك في السينما وقدم شخصية ضابط شرطة في فيلم “حرب كرموز”. ورغم نجاح الفيلم في حصد إيرادات كبيرة، إلا أن كرارة بدا مهددا بالسقوط في فخ التكرار وحصر أدواره في الشرطي.

اجتهد في تقديم أداء مختلف لشخصية رجل الشرطة بين الفيلم والمسلسل، لكنه تعرض لانتقادات بعد أن اتهمه خبراء أنه لا يمتلك من الأدوات التمثيلية الكافية للانتقال بين أكثر من دور وشخصية، ورغبته العارمة في تحسين شكل الشرطة دون تقديم عمل فني يحمل قيمة وقضية حقيقية.

وجد هؤلاء أن كرارة تحول إلى أداة إعلامية لأجهزة أمنية الهدف منها تحسين الوجه العام للشرطة والتغطية على الانتهاكات التي تمارسها تجاه المواطنين. وطالب البعض بضرورة الخروج السريع من المأزق بالبحث عن شخصيات بديلة يمكن أن تحافظ على الهيئة العامة للبطل الشعبي الخلوق، في صور كثيرة بديلة عن ضابط الشرطة.

يزداد الأمر تعقيدا مع استسلام كرارة لنموذج رجل الشرطة الذي حقق نجاحه والذي ربما يصبح مستهلكا ونمطيا في نظر الجمهور بعد الإعلان عن تقديم جزء ثالث من مسلسل “كلبش” يتم تحضيره للعام المقبل.

أصبح كرارة مطالبا بتجاوز وطي صفحة الشرطي البطل، وتقديم نماذج تمثيلية أخرى تثبت لجمهوره قدراته الحقيقية، لأنه لم ينجح بالقدر الكافي في تقديم أدوار عكسية مثل الأدوار الرومانسية، خاصة في مسلسلي “روبي” مع الفنانة سيرين عبدالنور، و”أنا عشقت” مع الفنانة داليا مصطفى.

يتميز كرارة بالصراحة التي تجعله يعترف بأخطائه في اختياراته، وهو ما يضع الفنان في مكانة تقربه أكثر من جمهوره، لأنه يميل لهذه التركيبة غير المصطنعة. وهنا يمتلك القدرة على الوقوف أمام رغبات ونصائح جمهوره بأهمية البحث عن تركيبة جديدة تحافظ على نجاحه الكبير دون الانزلاق خلف الأعمال التجارية فقط.

مع كل الانتقادات التي توجه لكرارة، غير أنه يظل واحدا من الموهوبين على الساحة الفنية المصرية الآن، وقد يصبح بطلا رئيسيا في الكثير من الأعمال الفترة المقبلة، خاصة إذا تجاوز تصريحه السابق الذي ذكر فيه أنه “يعمل أولا من أجل كسب المال ثم متعة الجمهور”، وعندما يستطيع تعديل هذه العبارة، عليه أن يضع موهبته في المقام الأول، دون أن يخضعها لأي حسابات مادية أو اجتماعية.

12