أميل حداد: حوار الأديان أصعب وأسوأ حالا من حوار الطرشان

السبت 2013/11/09
حداد: السلام يتحقق بين أتباع الأديان وليس بين الأديان

"الدين جاء لإسعاد الإنسان وليس لتعاسته، إلا أن هناك من جعل الدين عبئا ثقيلا، وعندما يتحول الدين إلى عبء على الإنسان تنتهي مهمته الإيمانية، ويصبح أداة للصراع والتنازع والاقتتال". هذا ما يؤكده القس أميل حداد في حواره مع صحيفة "العرب".

يعدّ القس الأميركي من أصل أردني أميل حداد ناشطا دوليا بارزا في مجال الدّعوة إلى التعايش السلمي في ظل التعددية الدينية، لهذا الغرض أشرف على الكثير من المبادرات، من بينها تأسيس حركة سفراء للسلام، وعقد المؤتمر الدّولي الأوّل لحوار الحرية الدينية في إندونيسيا، وصياغة وثيقة سفراء للسّلام لحقوق الحرية الدينية والترويج لها بين مختلف الأوساط الدينية والإعلامية والثقافية، ويحدوه أمل في أن تصبح يوماً ضمن الوثائق الرّسمية للأمم المتّحدة. في سن الخامسة والسبعين يجول العالم عابرا القارّات شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، بلا كلل، يحاضر، يحاور، ويلتقي بالمسؤولين وبالناس، ثم يكتشف بنفسه كيف تتحوّل كافة مجتمعات الأرض إلى طور التعدّدية الدينية، ومن ثمة تغدو التعدّدية الدينية قدرا مشتركا للبشرية جمعاء.


التعددية الدينية


يرى القس الأميركي- الأردني أميل حداد أن التعدّدية الدينية قدر البشرية اليوم وقد أصبحت وجودا وحقيقة مفروضة على أغلب مجتمعات العالم، إن لم تكن في كل المجتمعات، مصحوبة دوما بخلافات ومشاحنات وصراعات دموية مستمرة. فعلى سبيل المثال لا الحصر يوجد ملايين من أتباع الديانات في العالم، وكل ديانة تحتوي على عدة طوائف وليست كلها على وئام بل بينها خلافات جوهرية وعقائدية غير قابلة للتبديل أو التغيير، وقد أدى ذلك إلى نشوب صراعات وحروب عبر التاريخ.

والأهم ليس هذه التعددية الدينية فحسب، بل هنالك ما هو أخطر وأعنف حينما يتعلّق الأمر بالصراع الطائفي ضمن الديانة الواحدة. على سبيل المثال ما يحصل بين الشيعة والسنة أو كما حصل في أيرلندة بين الكاثوليك والبروتستانت. حبذا لو تحول الصراع إلى تنافس بين الناس في ما يخدم البشرية الإنسانية.


السلام بين الأديان


كثيرا ما ردّد القس الأميركي- الأردني أميل حداد أنّ السلام ممكن بين أتباع الأديان وليس بين الأديان، ويوضّح في هذا السياق أن كلمة سلام تعني: حالة «هادئه وحرة، خالية من أي اضطراب، سليمة من الحرب أو العنف»، أي أنها تعني الانسجام. هنا أتوقف لحظة وأتساءل، كيف يمكن لهذه الأديان التي ذكرتها آنفا أن تتوافق وتنسجم طالما أنها تتصارع إلى حد إلغاء الآخر وربما هناك طموحات لسيطرة دين واحد على بقية الأديان؟ الأديان جميعها سواء أكانت إبراهيمية أم إنسانية يوجد فيها تقارب وتباعد.

ولكن بالرغم من وجود تقارب يوجد هناك تباعد إلى حد رفض الآخر. حتى لو فرضنا جدلا أن ديانة واحدة انصهرت فيها جميع الديانات البشرية بحيث أصبح للعالم عقيدة واحدة يدين بها الجميع ومع ذلك لن يحسم الصراع بين الأديان، لأنه يوجد خلف كل دين حضارة وتقاليد وعادات وممارسات كلها تشكل جزءا من شخصية معتنقيها بحيث لا يمكنهم التخلي عنها بسهولة ويسر، لذلك، يستحيل على ديانة واحدة أن تسيطر على جميع الديانات والمعتقدات وتلغيها من الوجود.

وحتى لو كان في المجتمع الواحد ديانة واحدة سنجدها منقسمة على نفسها إلى طوائف. ولعل السبب يعود إلى أن الإنسان خلاق ومبدع بالفطرة، ويرفض أن يُملى عليه ك


واجب ديني


السلام في نظر القس أميل حداد واجب إنساني وأخلاقي، وهو يقول في هذا السياق: «سلامتي هي جزء من من سلامة الآخر، لذا فالأمر يحتاج في الاختلاف الديني إلى التفاعل والتكامل وليس إلى التنابذ والاقتتال.. وهذا ما يجعل الحياة تكون أفضل وأجمل وأهدأ بحيث يكون التعامل بين الناس قائما على احترام الآخر والاعتراف بحقوقه، وهذا ما يحقق السلام في المجتمع الذي يعتبر أهم عامل تنموي في مختلف مجالات الحياة.

ذلك أن الفرد إن كان يعيش في سلام مع نفسه، ومع الآخر، فإنه يتطور ويرتقي فكريا وثقافيا واجتماعيا. وينعكس ذلك على الحياة العامة للناس سواء على مستوى العائلة، أو على مستوى العمل والمجالات الإنتاجية. وبالتأكيد أن هذا هو ما يجب أن تسعى الأديان إلى تحقيقه في الإنسان المؤمن، فوصاياها بمختلف صيغها تدعو إلى شيئين أساسيين؛ محبة الله وطاعته، ومحبة الإنسان كإنسان، بحيث لا تستقيم محبة الله مع كراهية الإنسان. فإذا أدركنا هذه الحقيقة، نكون قد أمسكنا بالخلفية الإنسانية وراء تعاليم الأديان.

توجّهت بالسؤال إلى القس إيميل حداد حول وجود متطرفين يعارضون جهود التعايش السلمي، وهم يوجدون في كل الأديان، وما إذا كان يعتبر المتطرفين عائقا أزليا أمام السلام الديني؟ فأجاب بأنه يفضّل الحديث عن التطرف بدل المتطرفين، «فالمسألة لا تتعلق بالأفراد، فهم مجرد أدوات، لذلك أود التركيز على المبدإ الذي هو التطرف لأتساءل؛ ما هو التطرف؟ وأعتقد أن التطرف هو ما جاوز حد الاعتدال، وهو المغالاة في أي شيء سواء كانت مغالاة سياسية أو دينية أو مذهبية أو فكرية. وغالبا ما ينتهي إلى نتائج كارثية وعواقب وخيمة.

ومن ذلك أن التطرف في الدين يتحول إلى عنف قد يسري كالنار في الهشيم داخل نفس الدين، لا فرق في ذلك بين الديانات، فقد تثير خلافات مذهبية أو طائفية بين أفراد أو جماعات من نفس الديانة نار الفتنة وتشعلها اقتتالا بين طوائف من نفس الدين ولنا خير مثال ما يجري من صراع بين السنة والشيعة في البلاد الإسلامية، وما نراه كل يوم من اقتتال في العراق وسوريا وأفغانستان، وما يتم ارتكابه من هجمات وحشية ضد أتباع ديانات أخرى في دول من أفريقيا وآسيا.

وعموما ليس هناك اليوم، دين أصبح في منأى عن العنف ومظاهره. ما ينبغي أن ننبه إليه هو مدى خطورة تنامي مظاهر التطرف الديني في العالم إلى درجة أصبح فيها أفراد أو جماعات ينتمون إلى نفس البلد، إلى نفس الوطن، ويدينون بنفس الدين، ولهم هوية تاريخية وامتداد حضاري واحد، وبالرغم من كل ذلك فإنهم أمام أي اختلاف مذهبي أو تضارب عقائدي أو نزاع طائفي سرعان ما تنفصم العرى بينهم، ويتحولون إلى أعداء، وتتحول أوطانهم إلى ساحات للاقتتال والنبذ والتهجير، ويجري ذلك بممارسات ووسائل ترفضها جملة وتفصيلا تعاليم الأديان الإبراهيمية والعقائد البشرية.

لهذا أؤكد على أن العائق الأساس أمام أي تقدم للمجتمعات نحو السلم والسلام هو التطرف كمفهوم وفكر وممارسة وسلوك، أما المتطرفون كأفراد فهم مجرد نتيجة قد تزول بزوال سبب وجودها وهو هنا التطرف.


الحرية الدينية


تعاني مجتمعات إسلامية كثيرة من التطرّف الديني الذي أمسى يهدد أمنها واستقرارها ووحدة أراضيها، وفي هذا الإطار يعتقد القس إيميل حدّاد أنّ غياب الوعي بالحرية الدينية يُعدّ سببا من أسباب العنف الديني والاقتتال المذهبي والفتنة الطائفية، وهذا هو بيت القصيد! لذلك، أرى أن السـلام والحرية كل لا يتجزأ ولا يقبل التفكيك. فالسلام لا يمكن أن يتحقق في مجتمع يعاني من قمع الحريات، وبخاصة في الأمور الغيبية أو التعبدية، وهكذا فالأصل في السلام هو الحرية وليس العكس.

أعتقد أن عوامل القمع التي تمارس على الأفراد والجماعات في الأمور الدينية والتعبدية حينما تترسخ تتحول إلى كبت، وأعني هنا الكبت كحالة نفسية يحدث في المسائل الدينية أو التعبدية وما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من تأثير في سلوكات الأفراد واختياراتهم، فالأمور المكبوتة سرعان ما تنفلت على سطح الشعور لتعاود التعبير عن ذاتها بشكل غير متحكم فيه من قبل الفرد.


حوار الحرية الدينية

• التعددية الدينية تصبح خطيرة حينما يتعلق الأمر بالصراع الطائفي ضمن الديانة الواحدة.

• حوار الأديان ما إن ينطلق حتى يتيه في التمييع والتعميم والتعويم، بحيث يجمع بين المميزات الدينية المتعددة والمكونات المذهبية المختلفة مما يساعد على الضبابية وسيادة الغموض، وينتهي الحوار إلى اللاجدوى.


في السنوات القليلة الماضية، أشرف القس إيميل حدّاد على صياغة وثيقة حوار الحرية الدينية، التي ضمّت آراء ممثلين عن مختلف الأديان، وحاول التّرويج لهذه الوثيقة بديلا عن حوار الطرشان المسمى خطأ بحوار الأديان، عن هذه الوثيقة وإلى أين وصلت يقول:»أعتقد في حالتنا اليوم، أن حوار الأديان أصعب وأسوأ حالا من حوار الطرشان، فتكنلوجيا التواصل الحديثة ساعدت الطرشان على التفاهم بشكل أفضل، لذا فهم يصلون إلى التفاهم المطلوب.

وفي المقابل فإن حوار الأديان ما إن ينطلق حتى يتيه في التمييع والتعميم والتعويم، بحيث يجمع بين المميزات الدينية المتعددة والمكونات المذهبية المختلفة مما يساعد على الضبابية وسيادة الغموض، وينتهي الحوار إلى اللاجدوى. في الآونة الأخيرة قامت دوله ثرية ببناء مركز لحوار الأديان بتكلفة عشرة ملايين يورو تحت شعار «الحوار بين أتباع الأديان والثقافات» في خطوة اعتبرت دعائية أكثر منها عملية وواقعية، وأسست هذه الدولة مركزا لهذا الحوار في العاصمة النمساوية فيينا، واستبشر الكثير من المراقبين بهذا الشعار الذي لو طبق لكان فيه الخير والفائدة، ولطمأن العديد من أتباع المذاهب الذين يرغبون في العدل والمساواة بين أتباع المذاهب في هذا البلد، ولكن من المؤسف أن هذا الشعار بقي حبرا على ورق، ولم يتحقق منه شيء على أرض الواقع. حوار الأديان دون استراتيجية واضحة، ودون مؤسسة تتبناه وتحضنه وتحصنه من أي انزلاق أو انفلات، وتمكنه من القدرة على تجاوز الصراعات الطائفية والاختلافات المذهبية، سيكون مجرد مضيعة للوقت وتبذير للأموال دون فائدة.

وهنا أتساءل : لماذا لا يتم التفكير في بناء مركز لحوار الأديان بهذا الحجم في مصر أو بغداد أو لبنان أو سوريا حيث الصراعات الدموية التي تجري باسم الدين قائمة منذ عقود؟».


الرسالة السلمية بين الأديان


يأمل القس الأميركي – الأردني إيميل حدّاد في أن يكون للمؤسسات الدينية الكبرى، وعلى رأسها الفاتكان والأزهر، دور في إشاعة الرسالة السلمية بين الأديان، ويضيف في هذا السياق، «نحن لا نراهن على الحكومات والأنظمة والدساتير من أجل الحرية الدينية. لأن هذا مطلب فردي وشعبي. فإذا تنازل الشعب عن حريته للحصول على سلام مؤقت فقد حكم على ذاته بخسران الأثنين معا؛ السلام والحرية. لكننا نعول على المثقفين والمفكرين من مختلف الحساسيات الفكرية والسياسية والعقائدية فأقلامهم وكتاباتهم وما يطرحونه من أفكار للنقاش والتداول في الموضوع هو أهم زاد لنا في العمل وإشاعة أفكارنا من أجل السلام.

ونعول على الإعلام، فهو مؤسسة واسعة المجال عميقة التأثير سريعة النفاذ في النفوس، وهو أيضا أداة للتنشئة الاجتماعية تغطي حاجات سائر الأجيال. لذلك نلح على تجاوب الإعلام مع برامجنا في بعدها التربوي والتكويني من أجل إشاعة روح التربية على الحرية والسلام والتسامح بين سائر الأديان.

ونعول على سائر المثقفين والمبدعين في مختلف الفنون الإنسانية حينما ينخرطون بفنهم بالتعبير الموسيقي أو التشخيص المسرحي أو الأداء الشعري أو غير ذلك، في بعث الروح الإنسانية داخل الفرد، وتوجيه الذوق الجماعي إلى ما هو جميل في الإنسان، إلى إنسانية الإنسان؛ المحبة والإخاء وحب الحياة.

العنف لا يقاوم بالعنف، لأنه لكل فعل رد فعل مساو له في القوة ومعاكس له في الاتجاه، وبكل تأكيد فإن العنف الناتج عن دوافع دينية لا يواجه بردود فعل عنيفة، بل يواجه ببث فكر جديد. ولذلك علينا أن نتفق على وثيقة تؤكد على العلاقات السليمة بين أتباع الأديان المختلفة.

6