أميمة الخميس: الأيديولوجيا عدوة النص والحركة النقدية العربية كسولة

الثلاثاء 2014/01/21
أميمة الخميس: السارد يتمركز في مواقع تحجب عنه اتساع الأفق

أميمة عبدالله الخميس، أديبة سعودية أصدرت عددا من الروايات ومجموعات القصص القصيرة، تحرّر زاوية ثلاث مرات أسبوعيا في جريدة الرياض بعنوان “منطق الغيم”. رشحت روايتها الوارفة لجائزة البوكر للرواية العربية. لها عدد من الكتب موجهة للأطفال. ترجمت أعمالها إلى عدد من اللغات مثل الأنكليزية والفرنسية والتشيكية واليابانية والكورية. أميمة عبد الله الخميس كان معها هذا الحوار حول عديد القضايا الأدبية وعن تجربتها الإبداعية.

عملت الأديبة السعودية أميمة عبدالله الخميس، مديرا للإعلام التربوي في وزارة التربية والتعليم، كما ترأست اللجنة النسائية في وكالة الشؤون الثقافية وشاركت في عديد المحافل الثقافية الدولية وكُتب عن أعمالها الكثير من الدراسات النقدية والأكاديمية.


كسر التابوهات

تواجه الرواية العربية عديد التحديات، ولا سيما ما تعلق بالترسبات الفكرية والنظرة الاجتماعية لبعض المسائل التي تظل محلّ جدال، تقول الخميس في هذا الشأن: “أعتقد بأن التحديات كثيرة وقد يكون على رأسها وجود شعوب عربية لا تقرأ! ولا سيما بعد الإحصاء المؤلم الذي صدر عن الأمم المتحدة بأن معدل قراءة الفرد العربي هي مجرّد ستّ دقائق يوميا فقط، وإن مقدار ما يترجم إلى العربية لا يوازي 20 بالمئة مما تترجمه اليونان سنويا وهي بلد صغير متعثر اقتصاديا”.

وتضيف أميمة الخميس قائلة: “تعثر صناعة الكتاب من نشر وتوزيع يرفع سدودا شاهقة أمام الكتاب وصناعته، ولكن هذا لا يمنع من وجود نخبة من القراء أصحاب الوعي العميق والذائقة المتميزة هي التي تبقي هذه الصناعة قائمة وباب الأمل مفتوحا”.

العديد من النقاد يرون أن مهمة الرواية تتمثل اليوم في طرح الواقع العام وفي كسر التابوهات وتحليل الواقع، إلا أن أميمة الخميس ترى أن القيمة الجمالية على رأس أولوياتها، فالرواية بالنسبة إليها فن، والفن هو توق إلى الجمال لا ينقطع ومن ثم تأتي القيم الأخرى، سواء قيمة تاريخية، أو خطاب يحمل قضية، أو مشاكسة التابو. جميعها تكون حاضرة في ذهنها وقت الكتابة شرط ألا تطغى على الهدف الفني الجمالي الذي له الأولوية في رواياتها.

وتذهب أميمة الخميس إلى أن هناك قصورا في عملية الترجمة والتوزيع والنشر، وتسليط الضوء على التجارب المتميزة والجادة. تقول الخميس: “إن الدوائر الأكاديمية العالمية تهتم بالمنتج الفني ليس كقيمة فنية إبداعية قدر ما تتابعه كمحتوى من الممكن أن يفيدها كدراسة حالة تلقي المزيد من الضوء على مجتمعاتنا وصراعات شعوب المنطقة، لذا من المهم أن نتصدى نحن العرب للترجمة إلى اللغات العالمية، وتعريف المجتمع العالمي بأعمالنا الجادة والمميزة”.

قد تتشابك المفاهيم وتختلط الأيديولوجيات في نصوص مختلفة، إلا أن الظاهر هو أن النص مرتبط بدرجة كبيرة بالأدلجة، وهو ما عبّرت عنه الخميس في قولها: “النص يتضرّر بالأدلجة إلى حدّ كبير لأنه ببساطة يتحوّل من عمل فني إلى منشور سياسي زاعق صاخب، ويترهل وتتفتت حبكته، وتصبح شخصياته مثالية خطابية مملة، لا تلامس وجدان المتلقي ولا تؤثر في أحاسيسه ولا تضيف إلى وعيه أيّ شيء”.

ترى أميمة الخميس أن التراث هو خزانة الكنز في ذاكرة الشعوب، فهي التي تختزن تجاربهم وتحفظ رؤيتهم للعالم، وأيضا هي التي تضمر المسكوت عنه في هذه الثقافة. تقول: “التراث هو إرث ثقيل، لكن كيف نستطيع أن نصطفي المادة الخام من ذلك التراث ونستجلبها إلى عصرنا، دون أن نجعل منها رداء ثقيلا يعيقنا عن التحرك. التراث مادة خام مكهربة بالوعود، والتحدّي يصبح كيف نعالجها ونحوّلها إلى مشروع فني”.

وتواصل أميمة الخميس قائلة: “السارد الديمقراطي هو حلم لا أظن أنه يتحقق، لأن السارد يتمركز في مواقع تحجب عنه مساحة الأفق كلها، أيضا هو يضمر مقولته منذ البداية، ولن يسمح للأصوات الأخرى أن تتقاطع معه”.

وعن روايتها الأخيرة “زيارة سجى”، تقول: “حاولت أن أتمرّد على استحواذ السارد، وزعت أقلام الكتابة على الشخصيات، وجعلت الشخصيات تتداول خيط السرد، وملأت صفحات الرواية بالمرايا التي تنقل المشهد من جميع اتجاهاته، ولكن على الرغم من هذا ما برحت أشعر أن السارد يمارس نوعا من الديكتاتورية داخل النص. لعلها ديكتاتورية الإله الخالق”.

متعة المغامرة

تعتقد أميمة الخميس أن الهدف الرئيسي للروائي هو ابتكار طرق جديدة للقول وأن لا يتعمق في الإيحاء، تقول: “المبدع عموما يبحث عن أفق جديد وعن رؤية مغايرة في أيّ اتجاه، وعن مغامرة مختلفة، ألم يقل الكاتب الكبير” نيكوس كازنتزاكي”: “الدهشة هي أعظم أفراح البشرية، وهي دهشة الجديد والمختلف”.

هناك من يرى أن سنة 2000 شكلت منعرجا في حياة البشرية، على اعتبار أنها تمهّد لألفية ثالثة، تحمل معها الجديد، والرواية فن وهي جزء من المعيش اليومي، فهل تطوّرت أم ظلت على ذات القوانين والأشكال، عن هذا تجيب أميمة الخميس بقولها: “الرواية العربية لدينا تظل في حالة تبدّل وتغيّر وتجليات لا تنتهي، توقفت قليلا بعد تجربة نجيب محفوظ ومن ثمّ ما لبثت أن عاودت المغامرة من جديد على يد أدباء كبار أمثال أمين معلوف ويوسف زيدان وإبراهيم الكوني”.

عادة لا يدّعي الكاتب الوصول إلى القمة، وإلا فلن يتطور، لذلك تظل مسألة إطلاق الأحكام على قدرات الروائيين نسبية، وكل كاتب لا يدعي الكمال، وهذا ما تؤكده الخميس في قولها: “تنقصني صناعة الكتاب، أقصد أن يكون هناك مناخ إيجابي وفضاء نشط يضمن أن يوزع الكتاب على مساحات كبيرة في عالمنا العربي. أيضا لا بدّ من صناعة مؤسساتية تدفعه للأسواق وفي منافذ الانتشار، سواء على مستوى الترجمة أو العرض”.

وعن علاقتها بمجال النقد والنقاد تقول: “أنا أتابع آراء النقاد، وأتفهم وجهات النظر المختلفة. نادرة هي الأقلام النقدية التي شعرت بأنها استوعبت جميع آفاق تجربتي، ولكن على العموم الحركة النقدية لدينا في العالم العربي كسولة بعض الشيء.

وفي النهاية لا بدّ أن نفرق بين الناقد، وبين من يقرأ الكتاب ويصنع له مراجعة لتنشر في الملاحق الأدبية. ففي العالم العربي تكون هناك عملية خلط بين الدورين”.


الثورات العربية

يتأثر الكتاب بما يجري حولهم من أحداث، خصوصا السياسية منها في أيام تعيش أغلب الدول العربية ثورات غيّرت عديد الأمور، وفي هذا الشأن تقول الخميس: “المشهد السياسي لم يكتمل، وثورات الربيع العربي إن كانت ذهبت بديكتاتوريات وجلبت حكومات إلا أن الشعوب العربية، مازالت بحاجة إلى مخاضات طويلة لتتحرر من أرث القمع والتسلط والتخلف الحضاري الذي سيطر على خططها التنموية لأجيال طويلة.

والحقيقة أن انعكاس الأحداث الخارجية لا يظهر بصورة مباشرة على الأعمال الأدبية الأمر بحاجة إلى فترات زمنية طويلة.

يتمّ التأمل فيها مع القراءة الهادئة لكي يستوعب الكاتب جميع ملابسات المرحلة، ويجمع القصص الإنسانية الصغيرة المهملة التي تنبت على ضفاف الأحداث التاريخية الكبرى، الأدب ليس صورة فوتوغرافية سريعة، بل هو عملية هضم واستيعاب طويلة المدى قبل أن يخرج المنتج الإبداعي بصورة مستقلة وبنظرة بانورامية. ولو لاحظت هنا لوجدت الأدباء اللبنانيين إلى الآن وبعد مايقارب العشرين عاما على نهايتها ما برحوا يكتبون عن الحرب الأهلية لديهم”.

وعن مستوى الرواية العربية بعد نجيب محفوظ ، تقول أميمة الخميس: “على الرغم من أن كبيرنا نجيب محفوظ هو الأب الروحي للرواية العربية، إلا أنني لا أميل إلى رفع الأصنام والدوران حولها، والبطون العربية ولادة ودوما هناك مبدع قادم من الأفق، وكما أسلفت فإن تجارب أمين معلوف وعبد الرحمن منيف ويوسف زيدان تظل شاهدة على ذلك.

رواية العمل التاريخي هو هيكل فقط من الأحداث التاريخية، ولكن اللحم والدماء والنبض والروح هي من صنع الكاتب، ومعظم الروايات التاريخية تستمد جمالها وروعتها من تتبع تفاصيل الشخصيات والأحداث اليومية البسيطة التي رصفت فسيفساء المشهد التاريخي الأكبر” .

كلّ راو يتلمس الحداثة في الرواية من زاويته ومن تكوينه ولكل كاتب مفهومه للحداثة فما هي رؤية الخميس للحداثة في الرواية، في هذا الصدد تقول الخميس: “لا أسعى إلى الحداثة كمدرسة أدبية، بقدر ما أسعى أن يكون النص عبارة عن سلسلة مغامرات تسعى إلى الجديد والمدهش؛ أسعى إلى أن يكون النص عبارة عن عملية هدم وبناء متصل، مشاكسة الذاكرة النمطية التقليدية، وعسفها باتجاه أرض بكر غير مطروقة”.

عدو النصوص

وعن حضور الأيديولوجيا في نصوصها، تقول: “الأيديولوجيا هي عدوة النص لأنها قالب صخري يقصقص الأجنحة، بينما العمل الإبداعي هو تحوّلات متصلة ترفض القولبة والنمذجة، لذا أظل في حالة مخاتلة ومناورة مع الأيديولوجية، كي لا تدخل وتستبدّ بنصي وتفرض شروطها، وترفع أعلامها على حساب رونق ورواء النص الأدبي”.

من المهمّ أن نتصدّى نحن العرب للترجمة إلى اللغات العالمية، وتعريف قراء العالم بأعمالنا الأدبية المميزة

الشخصيات عند الخميس متعدّدة الأصوات والأدوار، وهي كاتبة تبتكرها من عوالم مختلفة تظل رهينة الحاجة إلى المعنى والسياق، تقول الخميس: “على حسب السياق هناك شخصيات تأتينا كاملة بجميع تفاصيلها طولها لون بشرتها مزاجها لون أرديتها، وتقف عند أصابعي بجانب لوحة المفاتيح تود أن تقفز إلى النص، وهناك شخصيات تمر بي وتستوقفني، وأشعر من خلال استغراقي بها أنني لا أملك أمامها سوى أن أفسح لها مقعدا في رواية، وهناك شخصيات أخرى تنمو وتتخلق وتكتمل ملامحها وتبلغ نضجها أثناء كتابتي للرواية، وفق سير الأحداث”.

وتتابع الخميس قائلة: “اللغة الشعرية تمنح النص السردي غنى وثراء وتعمقا في أبعاده، وتوسعا لآفاقه وتجعله قادرا على نقل المزيد من مزاج النص إلى القارئ، شرط أن يستعمل بحذر وحساسية مرتفعة، لأن الإكثار منه سيجعل النص منمقا متكلفا مبهرجا ويثقل السياق السردي وخفته وتدفقه”.

سيرتي الذاتية


السيرة الذاتية مجال يكاد يكون مفقودا في الأدب العربي، لأنه المجال الصعب والحساس والمحرج، عن هذا النوع من الكتابة تقول الخميس: “في كتابي الذي عنوانه “ماضي- مفرد- مذكر” تناولت في جزء كبير منه سيرتي التعليمية علاقتي مع التعليم كطالبة ومن ثم معلمة ومن ثم مديرة لإدارة عليا في الوزارة، وأعتقد أنني كتبتها بالكثير من المكاشفة”.

15