أمين الباشا لبناني في مائياته تمتزج الطبيعة بالإنسان

الأحد 2015/08/23
أمين الباشا رسام البساطة والفرح

يقول إنه عاش أحلى أيامه في باريس، غير أن بيروت تظل مختبره التخيلي والمادة التصويرية التي تلهمه الرسم. لذلك يتداخل الرسم لديه بالحكايات لتي ينصت إليها بشغف لا ليرسمها أو يكتبها فحسب بل لتكون دليله وهو يعيد اكتشاف مدينته في كل لحظة رسم أو كتابة.

الرسام الذي ولد كما هو معروف في بيت تختلط فيه الموسيقى بالرسم والأدب (أخوه هو الموسيقار الشهير توفيق الباشا) لا يزال بالرغم من عدم تخصصه بالموسيقى يرعى إيقاع الأشياء التي يرسمها كما لو أنه سيصنع منها جملة موسيقية، ألهذا تبدو مائياته خفيفة كما لو أنها في طريقها إلى التحليق؟

أمين الباشا الذي تفجرت موهبته في الرسم كما في الكتابة هو رسام يوميات وكاتب مشاهد تمتزج فيها الطبيعة بالإنسان، في تجاذب رقيق بين ما هو متخيل وما هو واقعي.

لقد رسم بيروت كما رآها، لكن يد الرسام لم تكن منفصلة عن عين الكاتب التي تتذكر لتعيد من خلال ذكرياتها بناء المشهد كما هو في حقيقته لا كما يظهر في الواقع. شيء من سعادة الباشا كان يظلل تعاسة وفقر بيروت في بعض تجلياتها.

لقد أعاد الباشا خلق مدينته ولم يستعدها من الماضي الذي يعرف أنه لن يستعاد. لذلك كان محقا حين سمى كتاب يومياته البصرية (بيروت أمين الباشا) فهي بيروته هو، التي قد يقاسمه البعض أجزاء منها، غير أن المعمار العاطفي كله كان من صنعه.

الرسم المديني

ركّب الباشا طوال ستين سنة من الرسم المديني، بيروته قطعة قطعة، من غير أن ينسى شيئا. مرة واحدة رأيته وكان يحمل يومها دفتره الذي لا يفارقه. هذا المشّاء يرسم مثلما يمشي. دفتره هو ذاكرته البصرية التي تلتقط كل شيء بحساسية العارف الذي يدرك ما يعنيه أن يكون الزمن عدوا.

ولد أمين الباشا في بيروت عام 1932. شغف بالرسم منذ طفولته وحين برزت موهبته في الرسم منح فرصة للتتلمذ على يدي رسام بلغاري اسمه ستيفان لوكوس. وهو ما هيأه لدراسة الفن في الأكاديمية اللبنانية للفنون التي غادرها ما إن أنهى دراسته فيها إلى باريس في منحة قدمت له من قبل المدرسة الوطنية العليا للفنون (بوزار) هناك، وهو ما يسّر له سبل الإقامة في عاصمة النور لسنوات طويلة، نضجت أثناءها طريقة تفكيره في الفن، وانفتحت موهبته في الكتابة على أنواع ومدارس أدبية عثر من خلالها على ضالته في العيش في التخوم التي تتلامس فيها الكتابة والرسم.

الباشا رسام يقرر أن وظيفته تقع خارج الوصف، فهو صانع حياة، خدمته الوحيدة تكمن في أنه قدم الحياة الحقة لمَن يشتهيها. وهو ما يجعله شديد القرب من عالم هنري ماتيس، الرسام الفرنسي الذي يبدو الأقرب إلى قلب الباشا. وقد يكون معلمه السري

لقاه السحرية

كانت خمسينات القرن العشرين المسرح التجريبي لمغامرة ذلك الفتى الذي كانت الموسيقى الكلاسيكية التي سمعها في منزله العائلي لا تزال تؤثث خطواته بترف انفتاحها على عالم غير مرئي.

عام 1958 كان عليه أن يمثل لبنان في بينالي باريس وفي عام 1962 مثل بلاده في بينالي الإسكندرية. خطوتان مهدتا له الطريق في اتجاه الشهرة عالميا وعربيا.

غير أن الباشا لا يذكر سوى شيئين، هما أعظم ما فعله في باريس. عاش رساما في مدينة أنغر وديلاكروا وديغا ومانيه وتزوج من أسبانية فيها.

واقع سينسبه الباشا إلى الخيال. وهي الفكرة التي سيحتكم إليها في كل ما يرسم وما يكتب. سيكون الواقع مرسوما أو مكتوبا كائنا خيالياً مطلق السراح، لا علاقة له بصورته الكئيبة.

هذا رسام قرر أن وظيفته تقع خارج الوصف فهو صانع حياة، خدمته الوحيدة تكمن في أنه قدم الحياة الحقة لمَن يشتهيها. وهو ما يجعله شديد القرب من عالم هنري ماتيس، الرسام الفرنسي الذي يبدو أنه الأقرب إلى قلب الباشا.
وقد يكون معلّمه السرّي. مثلما تعلم الباشا كيف يكون باريسيا فإنه كان بيروتيا بطريقة ملهمة، هي طريقة الساحر الذي يهتدي إلى مواقع الجمال التي تقع في متناول النظر من غير أن تُرى. فمائيات أمين الباشا هي لقى ذلك الساحر.

أمين الباشا هو كاتب محترف. لم يكن الكاتب ظلا للرسام وإن كان يعينه في بعض مهماته. كتب الباشا القصصية لم تضع الباشا الرسام جانبا. إنها تستعين به كلما ضاقت اللغة. (زهراء الأندلس، دقات الساعة، المنتحر، أليس) إضافة إلى (بيروت أمين الباشا) هي الكتب التي وقّعها الباشا رساما وكاتبا.

الباشا الذي خانه قدره حين انحرف به من حرفة الموسيقى كان قد احتاط لهويته المزدوجة، رساما وكاتبا بما يكفل تكاملها. الكاتب والرسام كانا قرينين لشخص اسمه أمين الباشا يقيم في حقيقته في الموسيقى.

فمائيات أمين الباشا هي لقى ذلك الساحر

لبنان كونه الصغير

ستوصف لغة الباشا في قصصه بأنها لغة ملونة أما رسومه فستوصف بأنها كتابات مائية. غير أن الرجل الذي وهبه الله فرحا استثنائيا سيضحك من كل قلبه من تلك الثنائية الملفقة. فما من أحد سواه في الدارين.

هو مَن يرسم وهو مَن يكتب. وهو في الحالين الرجل الذي قرر أن يفكك أسرار مدينته عن طريق التقاط لحظات جمالها. كان يتمنى أن يرسم ببساطة. وهو ما فعله من خلال الكتابة أيضا. قرأت له ذات مرة مقالا غاضبا في جريدة النهار، يمكنني أن أزعم أن أحدا من الفنانين أو نقاد الفن العرب قد ارتقى إلى مستواه من جهة تشخيصه عيوب المشهد الفني العربي المعاصر، لا يكتب أمين الباشا باعتباره رساما بل لأنه صاحب رسالة.

يكتب ما يمكن أن يقوله عن طريق الكلام وحين يرسم فإن المفردات لا تخونه، لم يكن الرسم بالنسبة إليه وسيلة للوصف ولم يكن الأدب وسيلة للتعبير.

كانت لغته محمية بمزاج تصنعه أبخرة تتصاعد من أمكنة مختلفة، وهي أمكنة لا يغشاها الحنين بقدر ما ترعاها شهوة العيش في أقصى ما تملكه المدينة من لذائذ بصرية. بهذا المعنى كان أمين الباشا رساما بيروتيا، بما جعل من بيروت مكانا مفتوحا على العالم. كونه الصغير الذي يقفز إلى الخريطة.

أحلى ما في أمين الباشا غنائيته، رسومه، كتاباته هي عبارة عن أغان قصيرة. أغان يكمل بعضها البعض الآخر لكي يستمر النشيد. وكما أظن، فإن الباشا لم يكن لينحاز إلى الرسام على حساب الكاتب. العكس صحيح أيضا. جرى الأمر كله تحت مظلة انسجام عائلي. لن يكون لأحد في سياقه الأولوية على الآخر.

رتب الباشا مستقبله رساما وكاتبا وهو على يقين من أنه سيكون كذلك دائما. شيء من الكتابة في رسومه وشيء من الرسم في قصصه. الرجل هو نفسه في كل ما فعله رسما وكتابة. وكما أرى فإن إصرار الباشا على لبنانيته كان ينطوي على قدر من النبوءة. كانت بيروت في حاجة إلى رسام من نوعه. بيروت كما لم يرها أحد رسمتها يده. يدها الاستثنائية في خيالها. لقد حررت يده بيروت من صورتها التقليدية. لقد أعاد من خلال الرسم تعريف مدينته، كما رآها هو.

خبرته في العيش فيها كانت ميزانه. هي بيروته التي لن تنافسها أيّ بيروت أخرى في الانتماء إلى الروح اللبنانية. أمين الباشا كان ابن تلك الروح، وهو كلمتها التي لم تنغمس في الفوضى.

بيروت أمين الباشا هي اللقيا الوحيدة الممكنة من مدينة هي في طريقها إلى الاندثار. سيكون علينا أن ننظر إلى رسوم الباشا كما لو أنها شهادة الناجي الوحيد من الطوفان الذي أغرق مدينته. أمين الباشا كان رسول قيامة كانت قد سبقته بضجيجها.

10