أمين الجميّل.. القبطي المصري الذي يحكم نصف لبنان باسم المسيح

السبت 2013/12/14
الجميّل.. حجر الزاوية لم يعد يسند مسيحيي الشرق

بيروت - صوت العقل في المارونية السياسية، الذي اختلف بذلك عن أبيه مؤسس حزب الكتائب اللبنانية، الصيدلاني بيار الجميل الجد، الذي بدأ مشروعه السياسي برعاية ودعم فرنسيين، بناد رياضي للشباب تحوّل إلى جبهة قتالية في الحرب الأهلية اللبنانية، والذي ترجع أصوله إلى أقباط مصر، وقد هاجر إلى لبنان مع عائلته في العام 1915 على متن المدمرة العسكرية الفرنسية «كاسار» ، وقيل إنه عاد إليها بعد نزوح العائلة إلى مصر في الماضي هربا من «اضطهاد المسلمين للمسيحيين» في لبنان.

ولا يمكن فهم شخصية الرئيس أمين الجميّل دون أخذ المفاتيح من شخصية والده بيار الذي كان يسمّى الرئيس الأعلى للكتائب اللبنانية، وقال الشيخ بيار لصحيفة العمل في العام 1970 : «المسلمون لم يفهموا لبنان يومئذ إلا جزءا من سوريا أو من الوطن العربي الكبير، بينما المسيحيون يتوقون بكل قواهم إلى الاستقلال».

ولد أمين الجميّل، في العام 1942، وكان حضور الوالد بيير كافيا وطاغيا في تلك الفترة، ورغم تكليف ولده أمين ببعض المناصب الحزبية، إلا أنه بقي متفرغا لتحصيل العلم، ودرس القانون في بيروت في جامعة القديس يوسف. وبدأ في العمل الانتخابي مع بداية السبعينات، ليحلّ محلّ خاله مورس الجميّل في دائرة شمال المتن، وحتى العام 1975 عام المساهمة الكبرى لأسرته في الحرب والتمهيد لها والتدبير لمناخها ضد الوجود الفلسطيني في لبنان. وانسجاما مع سياسة وفكر الشيخ بيير، الذي يرفض انخراط لبنان في المحيط العربي من حوله، كان أمين الجميّل أكثر أفراد أسرته اعتدالا وهدوءا، ولكن الأب كان قد بلغ من العمر عتيا كلما تقدمت الحرب في الزمن اللبناني، ففضّل التراجع خطوات، وإحلال ابنه الأكثر حماسا لأفكاره، «بشير الجميّل» الذي قاد حربا مسلحة على الفلسطينيين، وكانت لديه أفكار مختلفة عن بقية السياسيين اللبنانيين، فدخل في تحالفات مع الإسرائيليين، وطلب منهم المساعدات العسكرية، وحصل عليها. بشير الجميّل الذي ارتبط اسمه بالمجازر المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين في لبنان، وعلى رأس تلك المجازر مجزرة مخيم «تل الزعتر» التي نفّذت مباشرة بأيدي قوات الكتائب، وتحت غطاء وحماية من جيش حافظ الأسد وبمباركة إسرائيلية، وصمت دولي.

بشير الأخ الأصغر لأمين الجمّيل، كان الأكثر تهورا ومغامرة، الأمر الذي أدى إلى اغتياله في العام 1982 وبعد انتخابه رئيسا للجمهورية اللبنانية، بعد إكماله دوره في الحرب، وصار لا بد للكتائب التي قدّمت نفسها كحام للمسيحيين في الشرق كلّه وليس في لبنان، من أن تطرح قائدا جديدا، ولم يكن أمام الجميع سوى الهادئ المعتدل أمين الجميّل، الذي كان والده يعارض توليه منصب القيادة في الكتائب والحياة السياسية، ولكن الحزب أصرّ، وهو وافق، مما تسبب في انشطار الكتائب إلى قسمين ، قسم ذهب مع الجناج العسكري المسلّح بقيادة سمير جعجع، وقسم سياسي بقي خلف الجميّل.

بدعوة من والده الشيخ بيار الجميل تدخل حافظ الأسد في لبنان، ووصلت الأمور إلى الغرق في مستنقع الهيمنة الإيرانية

في العام ذاته 1982، تم ترشيح أمين الجميّل لمواجهة انتخابية رئاسية مع الرئيس كميل شمعون، وكان حافظ الأسد يتابع بسط هيمنته على لبنان وأبدى عدم اعتراضه على وصوله للحكم خلفا لأخيه، وأيدت ترشيح الجميّل للرئاسة التجمعات السياسية الإسلامية السنية، بقيادة صائب سلام، فانسحب الرئيس كميل شمعون من المنافسة، وخلت الساحة لأمين الجميل، ابن الأربعين عاما، ليصبح الرئيس اللبناني العتيد.


رئيس لجمهورية تحت احتلالين سوري وإسرائيلي


تولى أمين الجميّل الرئاسة، وكان الجنوب اللبناني والجبل وبيروت العاصمة والبقاع الغربي محتلا من إسرائيل، بينما كان جيش حافظ الأسد يسيطر على الشرق اللبناني والشمال. وخلال تلك الفترة، عاشت لبنان الحرب، وكان طريق دمشق بيروت مفتوحا لأمين الجميّل، بعد أن مهّده والده في زيارته الشهيرة التي وردت تفاصيلها في كتاب «لعنة وطن» لمؤلفه رئيس حزب الكتائب كريم بقرادوني إصدار عبر الشرق للمنشورات في العام 1991. قال بقرادوني: «سأل علي ظاظا وزير الداخلية السوري آنذاك الشيخ بيار الجميل لدى وصوله في 6 كانون الأول من العام 1975 إلى مطار المزة والذي صادف يومها ما يُسمى السبت الأسود في لبنان وفيه تم اغتيال أربع كتائبيين ووضعهم في سيارة على طريق بيت مري مما استفز الكتائبيين والتابعين لبشير الجميل فأخذت تطلق النار وتخطف على الهوية – حرق شاحنة تقل نسخا من القرآن على طريق دمشق في وقت سابق – ذهب ضحية هذا اليوم 200 شخص نتيجة هستيريا القتل التي اجتاحت بيروت يومها، سأل ظاظا: ماذا يجري يا شيخ بيار على الطريق؟.. من افتعل الحوادث؟ أجابه الشيخ بيار: لا نعرف من هم؟.. إنها معركة أشباح.. وكل هذا سببه منعنا من القدوم إلى دمشق، فهي بدأت لعرقلة هذه الزيارة ولا أعتقد أنها وليدة الصدفة أبدا، بل مدروسة ومخططة مسبقا من أجل عرقلة وصولنا واجتماعنا، وهذا ما كان يتوخاه أبو عمار وكمال جنبلاط! وخلال لقاء الشيخ بيار مع القيادة السورية قال، بعد إشادته بالدور السوري وأهميته في إيقاف ما يحدث في لبنان: إنهم لم يستطيعوا منعي من هذه الزيارة ولقائكم كما فعلوا مع أمين جامعة الدول العربية محمود رياض.

ثم أضاف: خطة كمال جنبلاط خرّبتنا وخرّبت لبنان وخرّبت المنطقة، ولي مطلب واحد عندكم: أن تسترد الدولة اللبنانية سلطتها وسيادتها».

قال أمين الجميل لا يجب أن ننسى أن أهالي الجنوب اللبناني، من الشيعة، كانوا يستقبلون الجيش الإسرائيلي بالحلوى وينثرون على رؤوس الجنود الإسرائيليين الرز والسكر والرياحين

بذلك تمت دعوة حافظ الأسد لحماية المسيحيين في لبنان، مع مكملات كبيرة للدور التخريبي الذي لعبه في لبنان ضد الفلسطينيين وضد مدنية الحياة السياسية الوطنية في المجتمع اللبناني، ليغلق كل الحريات، ويفتح المجال فقط للوكلاء الإيرانيين، وحزب الله المسلّح.

قال أمين الجميّل في شهادته المتلفزة: «لا يجب أن ننسى أن أهالي الجنوب اللبناني من الشيعة، كانوا يستقبلون الجيش الإسرائيلي بالحلوى وينثرون على رؤوس الجنود الإسرائيليين الرز والسكر والرياحين، وبرّر التعاون الأمني والعسكري مع الإسرائيليين». وفي 17 أيار ـ مايو من العام 1983، وقّع الجميل بصفته رئيسا للجمهورية اللبنانية اتفاق سلام مع الإسرائيليين. وقد نص الاتفاق الذي عاش تسعة أشهر كاملة، على إنهاء حالة الحرب ما بين البلدين، وإنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح، برعاية أميركية، الأمر الذي رفضه حافظ الأسد وكذلك شيعة لبنان رافعين صور الخميني، واستهدفوا مقر قوات المارينز الأميركيين والقوات الفرنسية، وتم إجبار الرئيس أمين الجميّل على إلغاء الاتفاق تماما.

وتابع الجميّل ما تبقى من فترته الرئاسية في ظل الفوضى العارمة التي ضربت لبنان، حتى اقتربت النهاية في العام 1988، وقام في الربع ساعة الأخيرة من عمر صلاحياته الرئاسية بتسليم السلطة للجنرال ميشال عون قائد الجيش اللبناني، مكلفا إياه بتشكيل حكومة عسكرية من ستة وزراء يمثلون الطوائف اللبنانية كلّها، فنشأت في لبنان حكومتان، الأولى برئاسة سليم الحص وهي الحكومة التي كانت قائمة قبل انتهاء ولاية الجميّل، والثانية برئاسة ميشال عون، وغادر الجميّل لبنان إلى سويسرا ثم إلى فرنسا، معتبرا أنه يعيش المنفى السياسي بدءا من تلك اللحظة، حيث عمل محاضرا في الجامعات ومنها جامعة هارفارد، وبقي بعيدا عن الصورة حتى العام 2000، حين مات حافظ الأسد.


العائد إلى لبنان يسترد حزبه


حين عاد رئيس حزب الكتائب أمين الجميّل إلى لبنان، وجد أن الكثير من الأمور قد تغيّرت، حتى داخل حزبه، الذي أسسه والده، فدخل في صراع مع كريم بقرادوني واستطاع الفوز بمنصب الرئيس الأعلى للحزب، عندها بدأت سلسلة الاغتيالات، وتم قتل رئيس الوزراء رفيق الحريري في العام 2005.

يرى الجميل أن لبنان سيدفع ثمنا غاليا بسبب تورط حزب الله في سوريا

وانضم الجميّل إلى ثورة الأرز، ضد الوجود السوري، مع وليد جنبلاط وسمير جعجع وشكلوا ما عرف باسم قوى 14 آذار، ولكن الاغتيالات طالت الآن الجيل الثالث من آل الجميّل، فتم قتل ابنه بيار الجميّل وزير الصناعة في 21 نوفمبر ـ تشرين الثاني من العام 2006، وكانت ضربة قاسية على الوالد الذي فجع بأخيه وأخته وابنه، ولكن قرّر مواصلة المواجهة السياسية، فترشّح للانتخابات النيابية ليشغل مقعد ابنه بيار الذي بات خاليا، ولكنه لم ينجح في تلك الانتخابات، فكانت فضيحة تشير إلى تراجع النفوذ العشائري والعائلي في لبنان الألفية الثانية.

ولكن العائلة مستمرة في إنتاج الزعامات، فسرعان ما أبرز أمين الجميّل ابنه سامي ليتصدّر المشهد، بدءا من العام 2009، وليصبح نائبا شرسا في البرلمان اللبناني، الشيخ الشاب الذي يباهي بالقول إنه ابن جدّه بيار الجميل أكثر من كونه ابن والده أمين الجميّل!

اختار أمين الجميّل منذ بداية الربيع العربي، في العام 2011، التزام الصمت السياسي للوهلة الأولى، ثم الانضمام إلى مؤيدي الشعوب في نضالها من أجل الحرية، ولم يتردّد في القول: «لا يمكن لحزب الكتائب ألاّ يكون متضامنا مع الثورة السورية لا سيما أنها تطالب بالحرية والسيادة والاستقلال». ودعا إلى التزام لبنان مبدأ الحياد الإيجابي مما يحدث في سوريا، ولكنه طالب بترجمة هذا الحياد عمليا، ورفض مشاركة حزب الله في القتال إلى جانب نظام بشار الأسد، وقال: «إن الوضع في سوريا لا تحسد عليه سوريا وقد تفككت المؤسسات ولا بديل في المقابل، حزب البعث نظف كل شيء في تركيباته ولذلك هذا ما يخيفنا وما من نخب في البلد، النخب في الخارج وإما في السجون، المشكلة الأساسية هي ثقافة الديمقراطية وثقافة الحرية، الأزمة السورية دُوِّلَتْ بين موسكو والصين وأخاف جدا على مستقبل سوريا وأرى أنه لن يستقر في القريب العاجل».

بإمكان الرئيس أمين الجميّل أن يتجاوز فشل والده وأخيه الأصغر بشير، متحوّلا إلى «حجر زاوية» في مسألة مسيحيي الشرق، ولكن ربما توجّب عليه التخلي عن النزاع مع سمير جعجع، وعدم التورّط مع ميشال عون الذي بدا داعما لبشار الأسد حتى العظم، فقد أشار خلال الأيام الماضية إلى أن: «لبنان مجمع لكل تناقضات ومشاكل المنطقة، وبالإضافة إلى مشاكلنا الداخلية وتعقيدات الوجود الفلسطيني في لبنان من كل النواحي أتت مشكلة مليون نازح سوري وكل ذلك من شأن الحكومة أن تعالجه، منذ سنتين وأنا أحذر من انغماس لبنان في الأوحال السورية، أنا أسعى لأن نحفظ لبنان من هكذا تداعيات ولا شك أن بعض القوى السياسية أقحمت لبنان بهذا الصراع ويمكن أن تكون التكلفة غالية، لبنان سيدفع ثمنا غاليا بسبب تورط حزب الله في سوريا».

وربما عليه ألا ينسى أنه بدعوة من والده الشيخ بيار الجميّل، كان حافظ الأسد قد تدخّل لحماية المسيحيين في لبنان، وانتهى الأمر بتورط لبنان في مستنقع الهيمنة الإيرانية بعد عقود.

12