أمين الحافظ الرئيس الذي لم يخجل من لقبه الشعبي

السبت 2014/03/22
قائد البعثيين السوريين إلى هاوية الأسد

الكويت - استخرجته قناة الجزيرة من أرشيف التاريخ وعلى تخوم الألفية الثالثة فوجئت أجيال كاملة من السوريين الشبان بأن لديهم “رئيسا أسبق” مازال على قيد الحياة… حلقة وراء حلقة بدا أن العجوز الحلبي الخشن يروي قصصا ضُربت عليها أطواق وأستار من المنع تصفها كتب المدارس و”التربية الوطنية” بأنها فترة من الخيانات المتلاحقة في حياة السوريين أنهاها جلادهم الأشهر حافظ الأسد بحركته” التصحيحية” ويخاف من عايشوها ويعرفون تفاصيلها الحديث عنها لأبنائهم كي لا تقودهم إلى “فرع فلسطين”.

وكانت الجزيرة ترغب في تقديم نموذج سيء من حكام سوريا قبل آل الأسد، خدمة للتحالف والصداقة والشراكة ما بين أمير قطر وبشار الأسد، لتعيد عرض البرنامج بحلقاته الطويلة خلال شهور الثورة السورية.

سذاجة أم دور مرسوم


إنه “أبو عبدو الجحش” كما أطلق عليه الشعب السوري والمؤرخون، قائد البعثيين إلى جمهورية العسكرتاريا البعثية، القومي حتى إلقاء سوريا في حضن عبدالناصر برعونة مدمرة لم تنتج سوى حافظ الأسد، اللاطائفي حتى السذاجة التي جلبت صلاح جديد ثم حافظ الأسد. وجامع المناصب والقيادات والألقاب التي آلت كلها إلى حافظ الأسد.

فارس البعث “السني” الذي أفرغ الجيش من السنّة. وفاتح “المستحيلات” في الوعي الجمعي السوري، أول “زعيم سوري” دفع جيشه لقصف مدينة سورية وأول من هدم مسجدا على رؤوس المصلين وأول حاكم لسوريا يرسل ضباطه على صهوة الدبابات إلى داخل المسجد الأموي منذ بدأ الزمان في دمشق.

هو محمد أمين الحافظ الذي ولد في العام 1921 وشغل منصب رئيس الجمهورية العربية السورية بين 27 يوليو 1963 و23 فبراير 1966. وهي الفترة التي تولى أيضا خلالها رئاسة الوزراء، والحافظ خريج دفعة 1946 من الكلية العسكرية وشارك في حرب 1948. وهو أيضا أول وزير للداخلية في عهد حكم حزب البعث لسوريا الذي بدأ بانقلاب 8 مارس 1963.

وشأنه شأن الغالبية الساحقة ممن حكموا سوريا قبل حافظ الأسد انتهى أمره بانقلاب قاده “رفيقه” صلاح جديد وسجن حتى ما بعد حرب 1967 ليعيش بعدها منفيا في العراق ويعود إلى سوريا في نوفمبر 2003 بعد أشهر من سقوط نظام صدام حسين بغزو أميركي.

خطية شكري بيك


اختير ليكون عضوا في مجلس القيادة الأعلى للجيش والقوات المسلحة والذي تشكل في أواخر عام 1956 من 24 ضابطا بالإضافة إلى الملحق العسكري المصري العقيد عبد المحسن أبو النور، وهو واحد من 14 ضابطا سافروا إلى مصر دون علم رئيس الدولة آنذاك شكري بيك القوتلي لاقتراح الوحدة مع مصر على الرئيس جمال عبدالناصر وهو ما حدث فعلا حين أعلن قيام الجمهورية العربية المتحدة في 22 فبراير 1958.

والحافظ واحد من قلة قليلة من ضباط الجيش السوري الذين نجوا من حملة تسريح شعواء شنّها المشير عبدالحكيم عامر فور توليه زمام السيطرة على ما بات “جيش الإقليم الجنوبي” لدولة الوحدة.

أحيت قناة الجزيرة، في ذروة تحالف قطر مع بشار الأسد، أمين الحافظ من بين الأموات وعرضته للسوريين، لتقدّم لهم نموذجا سيئا حكم سوريا قبل الأسد وابنه، وأعادت عرض البرنامج بحلقاته الطويلة خلال الثورة السورية

والطريف أن عمليات التسريح التي طالت جميع وفد الضباط الذين قابلوا عبدالناصر كانت بحجة “أنهم تدخلوا في السياسة عندما سافروا إلى القاهرة وفاوضوا من أجل الوحدة”. أمّا أمين الحافظ فقد نقل إلى الإقليم الجنوبي (مصر) ليشرف على إحدى القطعات العسكرية هناك.

يذكر كثير من المسنين الذين عايشوا تلك الفترة أن السوريين الذين فقدوا سريعا اهتمامهم بالوحدة بسبب ممارسات القادة المصريين للإقليم الجنوبي كانوا يتندرون بمرارة حين تعلن إذاعة دمشق أمرا عسكريا بإقصاء أحد أولئك الضباط بأن هذه ” خطيّة شكري بيك”.

لم تعمّر دولة الوحدة طويلا، ثلاث سنوات ووقع “انقلاب الانفصال” الذي كان أمين الحافظ غائباً عنه بين عامي 1961 حين أطاح عبدالكريم النحلاوي بدولة الوحدة و1963 حين قاد الناصريون والبعثيون انقلابا قيل وقتها إنه مسعى لإعادة الوحدة وهو ما لم يحدث بل إن الأمر استغرق عشرة أيام فقط ليعلن البعثيون في 18 مارس 1963 – وللمفارقة فإن يوم 18 مارس شهد بعد أقل من نصف قرن بقليل خروج أول مظاهرة كبرى في درعا والانطلاقة الكبرى للثورة السورية عام 2011 لإسقاط نظام بشار الأسد وإنهاء حكم البعث - أن ما حدث هي “ثورة الثامن من آذار”.

وكان هذا بداية ظهور اسم أمين الحافظ مجددا حيث عين عضواً في مجلس قيادة الثورة الذي انتخب الفريق لؤي الأتاسي رئيسا له، بينما شغل الحافظ منصب وزير الداخلية في أول حكومة بعثية.

حاول الناصريون بقيادة العقيد جاسم علوان ” تصحيح ” الأوضاع بمحاولة انقلاب في 18 تموز 1963 للإطاحة بلؤي الأتاسي الذي كان محسوباً على الناصريين والوحدويين ولكنه بعد أن أصبح رئيساً وقائداً للجيش قام بتسريحات ضد الضباط الناصريين في الجيش بحجة أنه “قائد الجيش وهو يفعل به ما يشاء”.

انتهى أمره بانقلاب قاده رفيقه صلاح جديد وتم سجنه حتى ما بعد حرب 1967 ليعيش بعدها منفيا في العراق ويعود إلى حلب في العام 2003 بعد أشهر من سقوط نظام صدام حسين بغزو أميركي

فشل الانقلاب بفضل حملة قمع دموية شنها وزير الداخلية أمين الحافظ ضد الناصريين أدت إلى مقتل واعتقال عدد من الضباط ثم تقديم وزير الدفاع الفريق محمد الصوفي المنتمي إلى الفكر الناصري استقالته احتجاجا على “وحشية” الحافظ.

إنه الانقلاب.. يا غبي

ولأن أسهل ما يقوم به البعثيون ضد بعضهم هو “الانقلاب” فقد عزل الحافظ الرئيس لؤي الأتاسي فور انتهائه من قمع انقلاب جاسم علون والناصريين وتولى رئاسة الجمهورية والمجلس الوطني لقيادة الثورة وفي محاولة لتأمين نفسه من انقلاب – حدث رغم ذلك – فقد سجل الحافظ سابقة في التاريخ السياسي السوري حين تسلم جميع المناصب المتاحة وهي إضافة إلى رئاسة الجمهورية قيادة الجيش ومنصب الأمين القطري لحزب البعث.

وتوترت العلاقات بين سوريا ومصر التي احتجت على استمرار اعتقال العقيد جاسم علوان. وفي عهد الحافظ الرئاسي تكشفت فضيحة قضية الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين واختنق الاقتصاد السوري مع اعتماده توجها اشتراكيا عدائيا وشديد الوطأة، فقد كان أمين الحافظ قد التقى في أميركا اللاتينية بإيلياهو كوهين، ثم توطدت علاقتهما حتى وصلت هدايا كوهين له إلى معاطف الفرو والإكسسوارات العائلية.

انتهى عهد أمين الحافظ بانقلاب قاده اللواء صلاح جديد وألقي القبض عليه وسجن، ففي 21 شباط 1966 بدأت المصادمات بين القيادة القومية والضباط، وذلك بناء على قرار لوزير الدفاع محمد عمران يقضي بنقل 3 ضباط مؤيدين لصلاح جديد هم اللواء أحمد سويداني، والعقيد عزت جديد من سلاح الدبابات، والرائد سليم حاطوم قائد وحدة فدائية.

وفورا ردت اللجنة العسكرية بالهجوم على منزل الحافظ في 23 فبراير واستسلم” الرئيس″ بعد مقاومة شرسة واقتيد هو وعمران والقادة الموالين لهم إلى سجن المزّة. إلا أنه أطلق سراحه بعد حرب 1967 ونفي إلى لبنان. وعلى أكتاف انقلاب آخر لكن هذه المرة في العراق لجأ الحافظ إلى رفاقه البعثيين هناك بعد أن تمكن أحمد حسن البكر من الإطاحة بحكم عبدالرحمن عارف في 17 يوليو 1968، وأصبح الرئيس السوري الأسبق من المقربين لصدام حسين الذي انقلب بدوره على البكر ليقود هو وحافظ الأسد بالحديد النار والدم دولتي البعث المتصارعتين المتنافرتين في سوريا والعراق.

عقب سقوط حزب البعث العراقي في 9 أبريل 2003 حاول الحافظ العودة إلى سوريا عبر نقطة القائم الحدودية لكن السلطات السورية لم تسمح له، إلى أن قرّر بشار الأسد استقباله كرئيس أسبق للجمهورية ليعود في نوفمبر 2003 إلى حلب ملتزما بعدم الحديث إلى الإعلام أو توجيه أية رسالة مباشرة أو غير مباشرة للسوريين. وأعلن في 17 ديسمبر 2009 عن وفاته عن 88 عاما في المستشفى العسكري في حلب.

السوريون المتآمرون


لعل أهم حدث في سيرة أمين الحافظ هو المواجهة الدامية بين الشعب والسلطة التي بدأت في حماة عام 1964 ثم في دمشق عام 1965.

والمفارقة أيضا أن الأحداث في حماة بدأت كما الثورة السورية بعبارة كتبها أحد طلبة المدارس “الحكم لله” ردا على عبارة أحد زملائه البعثيين”لا حكم إلا للبعث” فاعتقل الأول وعذّب لتندلع انتفاضة شعبية قال البعثيون إنها مؤامرة بين الإخوان المسلمين والإقطاعيين في حماة. وبناء على أوامر القيادة القطرية، وبقرار مباشر من أمين الحافظ رئيس الجمهورية شنت السلطة في حماة التي كان محافظها هو عبدالحليم خدام فورا حملة قمع عنيفة واقتحمت قوات الشرطة المحال التجارية المغلقة ونهبت محتوياتها واعتقل كثر، وقصف مسجد السلطان الذي لجأ إليه المطاردون ما أدى إلى سقوط نحو 40 قتيلا.

وأصدرت محكمة عرفية شكلت برئاسة مصطفى طلاس عدة أحكام بالإعدام طال بعضها رجال دين. لكن أمين الحافظ حاول المناورة والتقى بأكبر علماء المدينة الشيخ محمد الحامد وأصدر عفواً عن جميع المحكومين في القضية.

قال أمين الحافظ في حماة بعد اجتماع مع لجنة المدينة: "سنحكم بالموت على من يستحق الموت، ونعاقب بالسجن المشاغبين وسنسوقهم إلى تدمر مشيا على الأقدام حيث يبقون حتى يتحولوا إلى أناس طيبين" ونفذ ما قاله بالحرف

لم تدم الهدنة سوى ساعات قليلة،وعاد الاستياء إلى المدينة ووقعت اعتداءات على أفراد الحرس القومي عندما رفع منع التجول ونزل الناس إلى الأسواق والشوارع ورأوا الدمار الذي حل بالمدينة واستفزهم خصوصا ما حدث لجامع السلطان الذي سقطت مئذنته بسبب قصفها بالدبابات. وأعيد العمل بقرار حظر التجول وأمرت الدبابات وناقلات الجند بالتحرك لاستئناف الحملة على المدينة.

وسواء في أحداث حماة عام 1964 أو دمشق بعدها بسنة أو حماة في الثمانينات وصولا إلى الثورة السورية فإن سلسلة ردود أفعال أنظمة البعث تكشف أن الحزب وقادته لا يتطورون فعليا سوى على مستوى ممارسة القمع داخل عقلية لا ترى في السوريين سوى مشاريع مؤامرات مبيتة ضدهم… ولكن كيف؟

يمكن بسهولة العثور على نسخة من خطاب بشار الأسد الأول في مجلس الشعب بعد اندلاع الثورة السورية ولكن الأمر لا يستحق هذه العناء حقا فهو موجود بشكل شبه حرفي في ثنايا خطاب سلفه أبو عبدو الجحش حين “استشاط” في دمشق خلال احتفالات عيد الجلاء التي تزامنت مع أحداث حماة الأولى: “نحن نقول للمتآمرين ومن خلفهم ما هي إلا أيام قليلة حتى نسحقهم ومن معهم ومن خلفهم وسيعلم المتآمرون أيّ منقلب ينقلبون”.

وفي حماة نفسها بعد اجتماع مع لجنة المدينة: “سنحكم بالموت على من يستحق الموت، ونعاقب بالسجن المشاغبين وسنسوقهم إلى تدمر مشيا على الأقدام حيث يبقون حتى يتحولوا إلى اناس طيبين ولسوف نمشط المدينة لمصادرة السلاح ولن نترك فيها غير سكاكين المطبخ”.

سنة أو اقل ليعتصم مصلون محتجون داخل المسجد الأموي وتغلق متاجر دمشق أبوابها فرد البعثيون هذه المرة عبر سليم حاطوم الذي اقتحم المسجد الأموي بالمصفحات العسكرية وأطلق الرصاص على المصلين العزل واقتاد الآلاف منهم إلى سجن مزة العسكري، ومجددا كرّر الحافظ: “إن النساء تلدن كثيراً، سنقطع أرجلهم وأيديهم ونرميها للكلاب”.

15