أمين صالح: الأشكال الأدبية والفنية ليست جزراً منفصلة ومعزولة

الأديب والمترجم البحريني يؤكد أن لذة كتابة النص الأدبي لا تضاهيها إلا لذة الحلم بعينين مفتوحتين، وأن السينما في دول الخليج لن تثبت حضورها القوي إلا إذا لقيت دعماً ماليا.
الاثنين 2019/01/21
صرت أشعر بالمتعة في كل تجربة كتابة

خلال المسيرة الأدبية الحافلة للأديب والمترجم البحريني أمين صالح، انتقل من منصة إلى منصة أدبية أخرى، مشتغلاً على تجارب مختلفة؛ في الشعر، وفي الرواية، وفي القصة، والترجمة، والسيناريست، وفي غيرها. وفي كل منصة كان يطلّ على قارئه بأسئلة جديدة وبقلق آخر يعاود صناعة الأشياء من حوله، ويوقظ فتنة الجمال مع أشيائه الحميمة. “العرب” كان لها معه هذا الحوار.

في تجربة أمين صالح الممتدة لعقود متتالية نقف على أسئلة عصية، وعلى مناخات مختلفة من المتعة النصية البصرية، حيث تقود عوالمه حالة القلق الساكن منذ إطلالته الأولى حتى يومنا الراهن، ومع كل تجربة يهندس معها عوالم جديدة من التقنيات في الكتابة، وكأن نصه فتنة، وتقنياته فتنة أخرى تتجاور مع نصه. هكذا كتب أمين صالح عن الناس وعن نفسه وعن الحياة وعن السياسة وعن الدين وعن الله، وكأنه مخرج المسرحية وكاتبها وبطلها في الآن نفسه.

يقول صالح متحدّثاً لـ”العرب” “في كل اشتغالاتي الأدبية والفنية، من القصة إلى الرواية إلى الدراما إلى الترجمة، لم أخرج عن دائرة الكتابة. قد يختلف الوسط، وتتباين التقنية، وتتفاوت الغايات والتوجهات، لكنها تتناغم، في المجمل، ضمن حساسية معينة ورؤى خاصة”.

تجارب وأجيال

يقول أمين صالح “في البداية، كان الانتقال من شكل إلى آخر، من لغة إلى أخرى، من تقنية إلى أخرى، مثيراً للقلق والتوجس بالنسبة إلي شخصياً. عندما جربت الكتابة للتلفزيون، على سبيل المثال، خشيت أن تؤثر هذه التجربة على اهتمامي الأول والأصلي (النص الأدبي) من حيث اللغة والأسلوب والصور الجمالية. لغة الكتابة الدرامية تعتمد الإيجاز والمباشرة والتقرير، ومن شأن هذا أن يؤثر سلباً على الكتابة الأدبية. لكن مخاوفي تبددت مع استمراري في الكتابة في مختلف المجالات”.

ويتابع في الشأن نفسه “في الواقع، صرت أشعر بالمتعة والحرية في كل تجربة كتابية أخوضها. ورغم أنني لا أميل إلى المفاضلة بين الأشكال، فهي كلها مهمة وضرورية بالنسبة إلي، إلا أنني أستطيع القول بأن لذة كتابة النص الأدبي لا تضاهيها إلا لذة الحلم بعينين مفتوحتين. هذه الأشكال الأدبية والفنية ليست جزراً منفصلة ومعزولة بعضها عن بعض. هي، من وجهة نظري، أشبه بحقول متجاورة ومتداخلة، تتفاعل في ما بينها على نحو خلاق. أو هي أشبه بآفاق تساهم في تعميق رؤيتك للواقع وللحياة، وأحياناً يحلو لي أن أعتبرها نوافذ أفتحها وأطل منها على العالم”.

لغة الكتابة الدرامية تعتمد الإيجاز والمباشرة والتقرير، ومن شأن هذا أن يؤثر سلباً على الكتابة الأدبية

في العديد من الحوارات التي أجرتها “العرب”، خلال السنوات الخمس الماضية، والتي توقفتْ فيها مع الجيل الشبابي الأدبي الجديد في البحرين، كان هنالك سمة عامة يمكننا تلخيصها في أن الجيل الأدبي الجديد على قطيعة كاملة مع جيل أمين صالح؟ نتائج هذا الاستطلاع قادتنا إلى سؤال صالح كيف ينظر للأجيال اللاحقة لجيله الأدبي، من حيث وعي التجربة والاشتغال عليها؟ وهل يمكنه الإشارة إلى تجارب بعينها؟

في البداية يرفض أمين صالح هذه النتيجة، ويرى أنها غير دقيقة، ويجيب متعجباً “قطيعة كاملة؟ لا، هذا غير صحيح على الإطلاق. مجلس (أو مكتبة) الشاعر علي الشرقاوي، قبل أن تلمّ به الأزمة الصحية الراهنة والتي نرجو أن يخرج منها سالماً ومعافى، كان عامرا بالأدباء والفنانين الشبان الذين يتواصلون معه باستمرار ويعرضون عليه نتاجاتهم وأفكارهم للتعليق عليها وتوجيههم إن كانوا بحاجة إلى توجيه. كذلك الأمر مع قاسم حداد الذي لا ينقطع عن استقبال شعراء وكتّاب شباب يتواصلون معه باستمرار، كما يلبّي مختلف الدعوات الموجهة إليه للالتقاء بالشباب عبر فعاليات أدبية أو فنية. وشخصياً أتلقى العديد من النتاجات الأدبية والفنية (نصوص سينمائية) من مؤلفين شباب من الجنسين لغرض إبداء الرأي. الأمر نفسه ينطبق على أدباء آخرين من جيلنا. وبالتالي هناك تواصل بين الأجيال وليس انقطاعاً، فمجتمعنا صغير، ودوائرنا الأدبية والفنية محدودة. كما أن العلاقات الاجتماعية والثقافية متينة ومترابطة، مما يسهل عملية التواصل. لذلك أعتقد أن استنتاجك غير دقيق”.

لحظة تاريخية خاصة
لحظة تاريخية خاصة

الدراما والأدب

كتب صالح السيناريو للعديد من المسلسلات من بينها “يونس والآخرون” عام 1987، و”صانعو التاريخ” عام 1994، و”نيران” عام 2000، و”سماء ثانية” عام 2011، و”حنين السهارى” عام 2014، لكنه ليس متابعاً للدراما التلفزيونية، سواء في دول الخليج أو في الدول العربية، فقد يشاهد حلقة من هنا وحلقة من هناك، ويرى أن مثل هذه المشاهدة المتفرقة، غير المنتظمة، لا تؤهله لتقييم الأعمال الدرامية الخليجية، أو نقدها، أو حتى إبداء رأي موضوعي فيها.

أما بالنسبة إلى السينما، فيوضّح أن التجربة السينمائية في دول الخليج تجربة حديثة زمنياً، وهي في طور المحاولات الفردية التي قد تنتج أعمالاً قليلة ملفتة وجديرة بالتقدير والمتابعة، وأعمالاً أخرى ذات مستويات عادية.

يقول “السينما في دول الخليج لن تثبت حضورها القوي والمهم إلا إذا لقيت دعماً مالياً من القطاع العام في دول الخليج أو من القطاع الخاص، من دون هذا الدعم ستظل المحاولات فردية ومتفرقة ولن تشكل حركة سينمائية ملفتة”.

وعن إشكالية “غياب النص” في الأعمال الدرامية، لا يعتقد صالح بأن أحداً من الوسط التلفزيوني، وحتى بين النقاد والجمهور، لا يرى خللاً في الكتابة الدرامية بشكل عام.

 يقول “طغت أعمال ضعيفة المستوى درامياً وفكرياً لكتّاب غير مؤهلين، لا ينطلقون من رؤية فنية وفكرية، وليس لديهم طموح فني، بل في الغالب يلبون رغبات المنتجين وشروط المحطات. لذلك أصبح الاستسهال في الكتابة (أو بالأحرى فبركة الأحداث والمواقف) والاقتباس والاستهانة بالشروط الفنية من سمات هذه الأعمال”.

ويتابع “من جهة أخرى، لا ينبغي أن نلقي اللوم كله على المؤلفين، فالمنتج يتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية لأنه لا يركّز على جودة النص بقدر ما يهتم بالتكلفة المنخفضة طالما أنه يضمن تسويق العمل والربح التجاري عبر توظيفه أسماء معروفة من الممثلين والممثلات الذين يتمتعون بقبول شعب”.

يُعَدُّ أمين صالح من بين أهم المترجمين الأوائل في البحرين، فقد ترجم إلى اللغة العربية الكثير من الأعمال العالمية الأدبية والسينمائية، والتي كان لها دورها في اطلاع القارئ البحريني والعربي على ثقافات وفنون الشعوب الأخرى. هذا العمل اليومي الشاق جعلنا نتوقف معه حول رأيه في إمكانية تحويل الترجمة من عمل فردي إلى عمل مؤسساتي مدعوم من قبل جهات رسمية (أو القطاع الخاص) قادرة على الدفع المادي للعمل وللمترجم.

يجيب الكاتب “للأسف الشديد، نادرة هي الجهات أو المؤسسات القائمة على مشاريع تتصل بالترجمة على الصعيد الثقافي، والتي تشجع –مادياً ومعنوياً- المترجمين على البحث والعمل والتواصل والتفاعل ضمن مشروعات مستمرة ودائمة”.

رؤية فنية وفكرية
رؤية فنية وفكرية

ويتابع “إدارة الثقافة في البحرين تساهم، مشكورةً، في دعم الكتاب المترجم بالطباعة والتوزيع، وهو جهد فعال وواع لأهمية الكتب المترجمة في تحقيق التواصل ونقل المعرفة، لكن من المفترض أن تلعب المؤسسات الخاصة دوراً موازياً لتوسيع رقعة الإنجاز الثقافي في مجال الترجمة في مختلف الحقول”.

وعن قيمة النتاج النقدي الحالي في المشهد الثقافي، حيث يرى البعض أنه لا وجود للحركة النقدية الحقيقية، يؤكد صالح على أن المشهد الثقافي البحريني يشتمل على أسماء نقدية مهمة. يقول “في الآونة الأخيرة برزت أسماء تمارس النقد الأدبي والثقافي بوعي تام لماهية النقد، متمتعة بقدرات عالية في التحليل والتقييم، ويمكن أن أذكر أسماء أو أصواتا حققت لها حضوراً ملفتاً في المناخ الثقافي، مثل: د. منيرة الفاضل، د. ضياء الكعبي، د. انتصار البنا، د. أنيسة السعدون، زكريا رضي، إلى جانب هذه الأصوات هناك أسماء أخرى سبقتها زمنياً ولا تزال تواصل العطاء في مجال النقد مثل: د. إبراهيم غلوم، فهد حسين، جعفر حسن، د. نادر كاظم، يوسف الحمدان، منصورة عبدالأمير، حسام أبواصبع. من خلال سردي للأسماء أردت أن أقول: نعم، لدينا حركة نقدية حقيقية ونشطة وفعالة. أما عن مواكبة النقد للنص المعاصر فأعتقد أن المشكلة تكمن في محدودية مساحات النشر عبر الصحافة المحلية”.

وإثر سؤال ختامي عن نص “الجواشن” الذي اشترك في كتابته معه قاسم حداد سنة 1989، وهل يأمل القارئ بعمل مشترك جديد يجمعه مع حداد على غرار هذا النص؟

يجيب “طالما أننا –أنا وقاسم حداد– لم نشعر بعد بحاجة ماسة إلى المشاركة في كتابة نص آخر، فأعتقد أن مشروعاً كهذا سوف يكون بعيد الاحتمال. كتاب ‘الجواشن’ كان نتاج مرحلة ما من مسيرتنا الثقافية، لحظة تاريخية خاصة، تكرارها ليس ضرورة حتمية”.

15