أمين معلوف لبناني فرانكوفوني يعاني أزمة اندماج مع مجتمعه الجديد

الأحد 2015/03/15
أمين معلوف الذي يطلق حكمه على هويات العالم القاتلة

منذ قرابة عامين، اقتنيت رواية “ليون الأفريقي” لأمين معلوف لأني سمعت أنه رائع وجميل. اعتقاد بُنَيَ على فكرة النص كلذة. بعد ذلك توالت الدعوات إلى اللذة، مبدأ اللذة في قراءة أمين معلوف لا يكمن البتة في مفهومها البارطي، بقدر ما يكمن في مفهومها الرابلي؛ نسبة إلى رابليه ذلك الكاتب الذي عبر عنه كونديرا ببراعة قائلا “الروايةـ معه ـ مازالت كالفراشة لحظة خروجها من الشرنقة، وبدئها بالطيران … إنها اللحظة الخارقة للعادة؛ التي نشهد خلالها ولادة فن جدي”.

تقول المصادر عن أمين معلوف إنه أديب وصحافي لبناني ولد في بيروت في 25 فبراير 1949 م، وكان والده صحفيا وشاعرا وفنانا تشكيليا معروفا في لبنان. تلقى معلوف تعليمه الابتدائي في مدرسة يسوعية فرنسية، استهل حياته المهنية عاملاً كوالده رشدي معلوف في الصحافة، تحديداً في الملحق الاقتصادي لجريدة النهار البيروتية…. ومن ثمة، مغادرته لبنان التي اعتبرها حاسمة في حياته، في باريس، تسلم منصب رئيس تحرير مجلة "جون أفريك" الفرنسية الذي كان من الطبيعي، في ذلك الوضع، أن يتحوّل إلى الكتابة بالفرنسية بموجب مقتضيات العمل وإمكان التواصل مع جمهور أكثر اتساعاً. وكذلك استمر في العمل مع جريدة النهار اللبنانية وفي ربيبتها المسماة النهار العربي والدولي. فهي لم تكن عودة إلى الصفر إلا بالمعنى المجازي.


الحروب الصليبية


أصدر أول أعماله “الحروب الصليبية كما رآها العرب” في العام 1983 عن دار النشر لاتيس التي صارت دار النشر المتخصصة في أعماله. وترجمت أعماله إلى لغات عديدة ونال عدة جوائز أدبية فرنسية منها جائزة الصداقة الفرنسية العربية عام 1986 عن روايته “ليون الأفريقي”، وحاز على جائزة الغونكور، كبرى الجوائز الأدبية الفرنسية، عام 1993 عن روايته صخرة طانيوس. قام د. عفيف دمشقية بترجمة جل أعماله إلى العربية وهي منشورة عن دار الفارابي ببيروت.

يعد معلوف وبن جلون من أشهر الروائيين الفرنسيين الذين ينحدرون من أصول عربية بحكم المكانة الأدبية النوعية التي احتلها مع مرور الأعوام، ورغم تحفظ بعض العرب على توجهما الذي يوصف بأنه لا يخدم قضايا الأمة التي ينتميان إليها، ولا يصب في مصلحة عربية بالضرورة، كما اعتقد الروائي الجزائري الراحل الطاهر وطار، خلافا لابن وطنه الروائي ياسمينة خضرا مدير المركز الثقافي الجزائري في باريس والذي يكتب باللغة الفرنسية مثل معلوف وبن جلون وعبدالوهاب مؤدب وعبداللطيف اللعبي وآخرين.

يرى الكثير من النقاد أن معلوف من أعاد للأدب الفرنسي مكانته في الأعوام الأخيرة، لكن ومع تلك العلاقة القوية بالفرنسية، الثقافة واللغة، لن تسمع منه إن كنت تتبادل معه الحوار بالعربية كلمة أجنبية، غالباً قرر معلوف منذ البداية أنه لن يتخلى عن اللغة العربية بكل ما يعنيه ذلك من الحفاظ علي إرثه الحضاري في هذه الناحية، وفي الوقت نفسه سيجيد الفرنسية حتى يصبح واحداً من الساهرين علي العناية بها في أكاديميتها، فهو وبحسب ظني يجد متعة في الانتماءات المتعددة، وفي الحفاظ علي تلك الانتماءات حية وقادرة على أن توفر له مساحة في الشرق والغرب، ميزة اكتسبها مبكراً من “لبنانيته” التي عاش تنوعها وثراءها قبل أن تنهار مع الحرب الأهلية وهي اللحظة التي ترك فيها لبنان، وميزة اكتسبها أيضاً من أسرته الأصغر التي تشكلت من أب لبناني وأمّ مصرية.

"كل من انتماءاتي يربطني بعدد كبير من الأشخاص" مثلما يقول في كتابه “الهويات القاتلة”.

كتابه "الهويات القاتلة"، الصادر في العام 1998 يشرح فيه أمين معلوف، بصورة جدالية، تتقابل فيها الحجة والحجة المضادة، كيف يمكن أن تتحول الانتماءات الدينية أو القومية أو الإثنية أو الأيديولوجية، أو مجموعها معا، إلى هويات عنفية، إقصائية، استبعادية وقاتلة

ويعزز ذلك أن قراءاته الأولى التي شملت الأدب الغربي كانت باللغة العربية وعلى الرغم من أنه لم يكتب بهذه اللغة لاحقا، فإنه قال عن العربية إنها كانت لغة النور أيام طفولته وشبابه خلافا للغة الفرنسية التي كانت تعتبر لغة الظل والمحاولات الإبداعية السرية.


الهويات القاتلة


الروائي اللبناني-الفرنسي يعكف على سبر مفهوم الهوية، وقراءة تحوّلاتها، وتبدّلاتها، والمسارات المتعرّجة التي تتخذها، وكذلك تعدد عناصرها، وعدم استغراقها بصورة كلية في وجه واحد ووحيد من وجوهها يسم بميسمه الفرد أو الجماعة البشرية. فهوية الإنسان كما تتبدى في عمل معلوف الروائي، متحوّلة ومتبدّلة ومتعددة، لا تنزع إلى الثبات، بسبب العوامل والظروف والتجارب العديدة التي تفعل فعلها فيها، فتغيّرها وتجعلها تتخذ وجوهاً ما كنّا نعرفها فيها من قبل.

ولعل هذا الهاجس الدائم بمسألة الهوية، والإيمان بقدرة الهويّات البشرية على الانفتاح على بعضها البعض لتتهجّن وتغتني، أو تتقوقع على نفسها وصولاً إلى الإحتراب والتصادم والدخول في حروب الهوية التي لا تنتهي -كما يرى فخري صالح- هما اللذان قادا أمين معلوف إلى تأليف كتابه، العامر بالبصيرة والفهم والحكمة، والذي ينضح في الوقت نفسه، بالحس الإنساني العميق، "الهويّات القاتلة"، الصادر في سنة 1998. وهو يشرح فيه، بصورة جدالية، تتقابل فيها الحجة والحجة المضادة، كيف تتحوّل الانتماءات الدينية أو القومية أو الإثنية أو الأيديولوجية، أو مجموعها معاً، إلى هويات عنفية، إقصائية، استبعادية، قاتلة.

ليست أصالة الهوية، نقاؤها وصفاؤها وعدم اختلاطها بأيّ هوية أخرى، هي ما يسعى أمين معلوف إلى التأكيد عليه. ولهذا السبب طرح مثاله الشخصي الذي يعبّر عن هجنة الهوية وتبدّلها، واغتنائها، عبر مسيرة الحياة وتجربتها، والظروف الضاغطة التي جعلته يرتحل من بلد إلى آخر، ومن ثقافة إلى ثقافة أخرى، ومن لغته الأم إلى لغته المتبنّاة المختارة للكتابة والإبداع… مشيراً، إلى أنه يمكن القول، إن عمل أمين معلوف الإبداعي يقدّم نقضاً سردياً لهذا التصوّر المغلق للهوية، حيث نقع في رواياته على اختلاط الهويات وامتزاجها، وتفاعلها، وتناحرها، وتبدّلها، بل يكاد ينفيها ويبددها، قاصداً من ذلك تبديد سحرها ومحو الهالة التي يريد المدافعون عن الهويات المغلقة إحاطتها بها.

فـ"ليون الأفريقي"، بأسمائه وهوياته المتعددة، هو "ابن السبيل"، وطنه "هو القافلة"، "وهو لله والتراب"، ولا شيء يدلّ عليه سوى هذا العبور الذي ينقله من طريق إلى طريق، ومن لغة إلى لغة، ومن ثقافة إلى ثقافة، ومن دين إلى دين، ومن الحرية إلى العبودية، ومن حال الفقر إلى حال الغنى، بالمعنى السابق يكون الإنسان ابن المنفى والعبور والتحوّل وعدم الاستقرار، هويته رجراجة تعبث بها رحلته في العالم والوجود.

فكرة تقارب الشرق والغرب تشكل حجر أساس في كافة أعماله الإبداعية. وقد قال معلوف أمام عائلته وأصدقائه الذين جاؤوا من بلدان مختلفة لتكريمه "اليوم هناك جدار في المتوسط بين الفضاءات الثقافية التي أنتمي إليها. طموحي هو المساهمة في هدمه. لطالما كان هذا هدف حياتي وكتابتي، وسأواصل السعي إليه إلى جانبكم"

فإذا ما تأملنا في السيف الذي سبكته له مؤسسة أرتوس برتران، وامتشاقه في مناسبة دخوله إلى الأكاديمية الفرنسية، خلفاً لعالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كلود ليفي ستراوس المتوفي عام 2009. لوجدناه يحمل شعائر معبّرة عن قناعاته، بما ترمز إليه من انتماءات أصيلة ومكتسبة.

حيث يُعتبر معلوف الكاتب الثاني من أصول عربية الذي تُقبل عضويته فيها بعد الكاتبة والروائيّة “آسيا جبار” الجزائرية الأصل. دخل معلوف إلى القاعة وهو يضع الرداء الأخضر والسيف المزخرف برموز ثقافته المزدوجة، حيث تُشكّل فكرة تقارب الشرق والغرب حجر أساس في كافة أعماله الإبداعيّة.

وقد قال أمام عائلته وأصدقائه الذين جاؤوا من بلدان مختلفة لمشاركته حفل تنصيبه “اليوم هناك جدار في المتوسط بين الفضاءات الثقافيّة التي أنتمي إليها. طموحي هو المساهمة في هدمه. لطالما كان هذا هدف حياتي وكتابتي، وسأواصل السعي إليه إلى جانبكم”.

في سعينا لقراءة تحولات الهوية عند معلوف نعود إلى ليون الأفريقي "حسن الوزان" الذي يعبر عن نفسه في الرواية قائلا “يشبه الوطن المفقود جثة أحد الأقرباء؛ أدفنها بإجلال وآمن بالخلود”، وقد انصبَّ حديثنا حتى الان، على علاقة معلوف بالهوية.

لكن فيما يخص بنية النص عند معلوف، فثمة فقط رقص أو جنون؛ ثمة سفر من معتقد إلى آخر؛ ثمة رحيل بين الحروف والنقاط والكلمات لا يحدّه أسلوب أو تحدّه أجناس أو تصنيفات؛ تحدّه فقط متعة وخيال، ذلك الإنسان القادر على افتتاننا وشدنا إلى ما يكتب في عصر التلفاز والسينما والفيديو. بلغة أخرى شدنا إلى عصر تعسر معه الكتابة كمتعة في حين تصلك المتعة متعددة الأبعاد حتى أعتابك وتلج عقر دارك.

ففي شخصية ليون الأفريقي؛ ثمة انحراف عن ذلك البطل العادي للرواية؛ ثمة سرد لوقائع نفسية وحياتية تتشكل عبر مسار الحكي وعبر مفاهيم ارتآها الكاتب لينحت الشخصية المضطلعة بدورين في الحقيقة هما: الفعل والرواية .

في اسم الوردة مثلا لأمبيرتو إيكو كانت الشخصية الراوية ”إدسو” تروي فقط ولا تقوم بالفعل المحرك للحدث كما يقوم به معلمها “جيروم” أما مع حسن الوزان فالأمر مختلف. فمع الراوي ـ أمين معلوف ـ العالم بالأحداث فإن شخصيته البطلة في القصة قد أسهمت بالغالب الأعم في صياغة هذه الأحداث وتواجدت عبر مسار القص تواجدا مكثفا يكاد يكون كليا: وذلك عبر علاقتها بالشخوص المحيطة بها و عبر اتخاذها لقراراتها الفردية التي أسهمت فعليا في صياغة الحبكة والأحداث أو حتى أرائها وأفكارها التي لونت السرد بطابعه العميق ورؤيته الفلسفية والنفسية للأشياء، شخصية معلوف الرائعة والجميلة فاضت علينا وأفلتت منا.
9