أمي اقرئي لي قصة

الثلاثاء 2016/10/18

“أمي أمي اقرئي لي قصة”.. فتنهر الأم صغيرها بحدة “فروضك المنزلية أولى، لا يليق بك التلكؤ ولن يفيدك اللعب”.. فيستنكر الطفل “أقسم أنّي لم أفكر في التملص من الفروض واللعب”، ويبسط يديه الصغيرتين أمامه قائلا “أنا أمسك لعبة” وينظر للمنضدة قائلا “بل قصة أريد منك مساعدتي على قراءتها”.

“لا تضيع الوقت في قراءة قصة، فروضك المنزلية أولى بذلك الوقت، هيا أسرع لأسمح لك بمشاهدة التلفزيون، برنامجي سيبدأ بعد حين”.

ينكب الصغير على الكتاب في صمت وقد اقتنع بضرورة الإسراع كي لا يحرم من برنامج الـ”ماما” الذي يتحدث عن قضايا قيل حلها يكمن في فضحها علنا أمام الجمهور.

لنعد إلى الوراء قليلا، اسمحوا لي بأن أفسر دواعي هذا الحوار بين الأم وابنها، هو كل ما بدر إلى ذهني بمجرد أن أخبرتني صديقة لي تعمل مربية بإحدى دور رياض الأطفال، بأن الأطفال دون سن الـ10 يتفننون في سرد أحداث البرامج الاجتماعية والمسلسلات التلفزيونية دون إهمال لتفاصيلها الدقيقة.

وإثر تساؤل وجهته إلى صديقتي عن رأي أولياء الأمور في هذه الظاهرة، تبسمت بأسى قائلة “إن أغلب الأمهات أكدن أنهن يتقاسمن غرفة النوم مع أطفالهن، وأن العمل خارج المنزل يجعلهن لا يعرفن غير الإسراع في إعداد الطعام وترتيب المنزل ولا يفقهن شيئا سوى أن ينجز الأبناء دروسهم كي لا يلقون المصير نفسه ويكون مستقبلهم أفضل”.

ومن هنا يمكننا أن نتخيل أن الطفل قد استسلم في الظاهر، لكنه وقع ضحية أفكاره الخرساء بين فكر رفاقه منذ أن بدأ يعي كل ما يحيط به بأن من واجب أحد الوالدين قراءة قصة لأبنائه قبل النوم، وبين حصر بعض الأمهات، وأؤكد على لفظ البعض، ومن بينهن أمه، القراءة في الفروض المنزلية.

والحال أن في قراءة قصة من الفوائد ما لا يحصى ولا يعد، إذ تأخذ الأطفال إلى عوالم كثيرة تبسط أمامهم عجائب السلف مما ينمي الخيال لديهم ويصقل المهارات، وتزودهم بفنون لغة الضاد وتذلل صعاب اللغات الأجنبية، وتساعدهم على التقاط أسرار اللغة، فيحسنون بحسن إنصاتهم القراءة والكتابة.

وتسهل قراءة الأهل لقصة على الطفل أن يأخذ كما قال الجاحظ “من كل شيء بطرف”، فينفتح على مختلف الثقافات، والأهم من كل ذلك أن القراءة تهذب الأخلاق وتُذهب الرؤى السلبية.

وعكس ذلك قد يحصل إذا ما ترك الطفل أمام برامج يكتب أسفلها دون سن الـ12 أو الـ18، لأنها قد تعيق تلقينه مبادئ الحياة، لا سيما وأن عددا من الأطفال ذهب ضحية تقليد مشاهد عنف التقطها لا فقط من المواد المعدة للكبار ولكن أيضا من الصور المتحركة المواجهة لسنهم الغض.

تربية الأبناء من المعادلات الصعبة التي يحاول فيها الآباء والأمهات مجانبة الصواب. وكثيرا ما تناقل البعض تعليقا طريفا لم يحدد قائله، بعضهم نسبه لأحد علماء النفس، وأرجعه آخرون لمقاتل من القدامى “كنت قبل الزواج أمتلك ست نظريات لتربية الأبناء.. والآن أمتلك ستة أبناء ولا أمتلك أي نظرية للتربية”.

حوار الأم والابن صورة حية للأسف تكمن خلف العديد من الأبواب الموصدة، لكنها لا تعني بالضرورة أن كل الأمهات العاملات ينتهجن نفس المنحى ولا تعني قلة ذات اليد أن كل أولياء الأمور يسمحون لأبنائهم بمشاركتهم الغرفة والتلفزيون.

تظل هذه الأمثلة حالات شاذة والشاذ كما هو معلوم يحفظ ولا يقاس عليه. أعرف الكثير من الأمهات مهما اختلفت وظائفهن خارج المنزل لا يهملن واجباتهن تجاه الأبناء حتى أنهن يحرصن على اللعب وقراءة قصة يوميا ويمثلن عبرها رفقة الأبناء، ومقاطعة البرامج والمسلسلات التي من شأنها إحداث أضرار نفسية بالأطفال.

كاتبة من تونس

21