أمي التي لا تشبه رسومات كتاب القراءة

ماذا يعني أن يُطلب من طفل ريفي فقير في بقعة نائية ومحرومة من هذه الأرض، وصف زيارته للمتحف أو البحر أو مدينة الملاهي أو حديقة المنزل في درس التعبير الكتابي؟
الثلاثاء 2019/04/16
اكتشفت -بعد وقت طويل- أن أمي لا تتقن الكتابة والقراءة (لوحة رمضان حسين)

ظل أربعة أطياف ممشوقي القامة، وفي هيئة “سليمة، أنيقة ” ولباس شبه موحّد: أب وأم، طفلة وطفل، يتشابكون الأصابع وهم يشقون طريقهم في ثقة، أو حتى مجتمعين على مائدة طعام عامرة.. هذا هو الرسم الدلالي أو الأيقونة المعبّرة عن “الأسرة السعيدة” في مختلف الإشارات والكراسات والبروشورات المعممة على مختلف بلدان العالم، وبرعاية من جهات دولية وإنسانية و“إغاثية”. ننظر إلى هذه الصورة “الأيقونة” كبارا وصغارا، وما علينا إلا أن نتشبه بها إذا كنا نرغب في أن ننتمي إلى “الأسرة السعيدة”.. في نظر الهيئات الرسمية والجمعيات المدنية، وغيرها ممن لا يروننا إلا على شكل هذه “الأسرة النموذجية”.

كأن واضعي هذا الرسم الدلالي لا يقبلون داخل هذا “الكادر” الذي فرضوه علينا، بإخوة آخرين، بشقيق أو شقيقة تمشي على كرسي متحرك، بأم بدينة، أو أب كفيف.. أو حتى بهندام أفريقي أو عربي أو هندي، لا، بل يفترضون في الأسرة أن تحوي أطفالا بالضرورة، غير آبهين بمن لا ينجبون أطفالا لأي سبب من الأسباب.

هم أيضا لا يحبون أسرة “غير مكتملة النصاب” كأن يغيب عنها والد أو والدة.. أو أي مظهر من مظاهر تمجيد “المال والبنين”.

هذا “التعسف التوعوي” لا يشمل منشورات ومطبوعات الجهات المدنية والتنموية وحدها، بل يمتد إلى رسومات الكتب المدرسية التي يضع مناهجها، ويشرف عليها أشخاص ينظرون إلى المجتمع بعين واحدة، وفيها الكثير من التفرقة والاستعلاء عن سابق علم أو لمجرد تجاهل.

ماذا يعني أن يُطلب من طفل ريفي فقير في بقعة نائية ومحرومة من هذه الأرض، وصف زيارته للمتحف أو البحر أو مدينة الملاهي أو حديقة المنزل في درس التعبير الكتابي؟ هذا إذا تناسينا سؤالا يُطرح على الأطفال في المدارس الابتدائية بالبلاد العربية، على الملء وتحت سمع أقرانهم، وهو: ماذا يشتغل أبواك؟ كيف سيرد ابن العاطل عن العمل، واليتيم.. وحتى أولئك الذين لا يعلمون من أين يأتي آباؤهم بالنقود؟

ما موقف طفل لا يتقن أبواه القراءة والكتابة إزاء طلب آنسة في الصف “قل لأهلك أن يدرّسوك في البيت”؟ شخصيا كذبت على مدرّستي في الصف حين اعترفت لها زورا أمام اندهاشها من إتقاني لموضوع التعبير الكتابي بأنّ أمي هي التي كتبت لي التمرين في المنزل. أمي التي لا تشبه في هندامها تلك المرسومة في كتاب القراءة، ولا تلك التي تبدو في مطبوعات برامج “الأسرة السعيدة”.. ولا حتى في يافطات إشارات المرور، كانت صارمة في معاقبتي على كل زلّة في تلاوة القرآن، وهي تمسك بالمصحف بيد وتلوّح بالعصا في يد ثانية.. اكتشفت -بعد وقت طويل- أنها لا تتقن الكتابة والقراءة.

24