أمي تعريف لوطني

الجمعة 2017/12/15

أحنُ إلى خبز أمي وقهوةِ أمي ولمسةِ أمي/ وتكبر فيَّ الطفولةُ يوما على صدر يومِ/ وأعشق عمري لأني إذا متُّ أخجل من دمع أمي.. هكذا قال الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، وكم كان بليغا في وصف مشاعر الحنين للوطن، الذي نحمله بين جوانحنا أينما ذهبنا.

الوطن يمتلك تعريفا بكلمة واحدة تعني الأم، ومن الأهمية بمكان القول إن النزعة العاطفية تجاه الوطن والأم متأصلة فينا وليست مجرد مشاعر مكتسبة، فكلاهما يحنو علينا ويحضننا ونشعر بدفئه، يغمرنا منذ مراحل أعمارنا الأولى، وتكبر معنا رابطة المحبة والتعلق، وهكذا نميل بالتبعية لأن نحبهما أكثر، وهذا في حد ذاته جزء من المحبة الكامنة فيهما تجاهنا، وعبر السنوات تنمو الرابطة العاطفية بيننا وبينهما أكثر، فتتخطى جميع الحدود الجغرافية، ونصبح مهما بعّدتنا المسافات وشغلتنا المسؤوليات، عاجزين عن القطع مع ذلك الإحساس الجارف بالحب الذي يسكن جوارحنا بقوة.

علاقتنا بالوطن علاقة خاصة جدا، وليست مجرد مكان ألفناه، فأحيانا وفي غمرة انشغالنا يلتقطنا الحنين إلى الوطن فجأة، وتدور في أذهاننا صور وذكريات متغلغلة في عقولنا الباطنة، ونسترجع أحداثا بأدق تفاصيلها، ونعيشها بحذافيرها وكأننا نحياها من جديد في الغربة.

علاقتنا بالوطن أكبر من عملية تفاعل ذهني مع الماضي والمكان الذي نشأنا فيه، وفارقناه لسبب من الأسباب، بل أعمق بكثير، ولذلك فمن الصعب وصفها لفظيا، إلا أن البعض من المنظرين والباحثين اختصروها في كلمتين “التعلّق بالمكان”، ولكنني أعتقد أن الوطن لا تحدده رقعة جغرافية، إنه امتداد لمساحات زمنية وحيز مكاني وعلاقات اجتماعية تتشابك مع خلايا عصبية، وتجتمع جميعا معا لتعطينا إحساسا بالانتماء والهوية لا يفارقنا مدى الحياة.

الكثير ممن مروا بتجارب هجرة عديدة وجدوا الحرية والكرامة ورغد العيش والعديد من الأشياء التي عوضتهم عما افتقدوه في أوطانهم، لكنهم عجزوا عن التخلص من ذلك الإحساس بالترابط والارتباط بالوطن، لأن حب الوطن لا يضعف أو يتلاشى بتغير المكان أو مع مرور الزمن.

ليس منافيا للغريزة البشرية أن يتعلق الإنسان بوطنه الذي يمثل بوصلة حياته، وتاريخه الشخصي متسق معه إلى حد التماهي، وقد كتب عالم النفس الأميركي ديفيد ماكليلاند باستفاضة عن نظرية الحاجة وما يحدونا للتعلق بمحيطنا الثقافي أو الديني أو السياسي الذي نترعرع فيه، ولكن الانتماء للوطن لا يعني فقط مجرد الانتساب، وإنما الانتساب حبا وولاء لذلك الوطن.

مشاعرنا تجاه أوطاننا لا يمكن أن نتخلص منها مهما ابتعدنا عنها، حتى وإن كان ذلك الوطن لم يضمن لنا أبسط مصادر السعادة، ولم نشعر فيه يوما بأن لدينا قيمة وكرامتنا لم تكن فيه مصانة، بل كنّا في الغالب مجرد رقم من عدد سكانه ومنسيين من طرف الحكومات، ولا دور لنا غير رفع كفة ذلك الحزب وتنزيل كفة ذاك.

وقد رأيت ذلك في نفسي حين انتقلت للعيش في لندن. لقد شعرت هنا بالراحة والاطمئنان وألفت الناس والمكان واتسعت آفاقي، ولكنني تمنيت لو أنني استطعت أن أحمل وطني معي أينما ذهبت.

هذا الإحساس يدفعني إلى سؤال الرئيس الأميركي السيد دونالد ترامب “ماذا لو بدل القدس منحت واشنطن لإسرائيل كيف ستكون مشاعرك؟”، لكن ما فائدة السؤال فجميع من تعاقبوا على البيت الأبيض لا يحملون جراح اللاجئين الفلسطينيين، ولم يتذوقوا لوعة العراقيين المشردين ولم يذرفوا دمعة السوريين الملكومين.. ولهذا فهم يتصرفون في الأوطان العربية كما لو أنها ضيعاتهم الخاصة.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

21