أمي والكرة واليهود والمسلمون

الثلاثاء 2015/03/17

لوالدتي، أطال الله عمرها، فلسفة خاصة في رؤية الأشياء والعالم. لم تدرس سوى بعض السنوات عند مؤدب القرية، أتاحت لها حفظ سور من القرآن تكفي لأداء الصلاة. منذ صغري كنت أسمعها تترنم، عندما تنفرد بنفسها، بأغان أو أناشيد صوفية من قبيل “يا سعد من زار النبيّ ومشالهْ” أو “سلام الله على ابن مريمْ”.

في صغري كانت تسودني رغبة في إشعال كل شيء أو أي شيء، ووالدتي كانت تتصدى لرغبتي تلك، بأن تقول “ما يحرقْ بالنّارْ كان العزيز الجبّارْ”، تحولت رغبتي تلك لاحقا إلى إشعال السجائر، لكن أمي واظبت على قول ذلك لكل طفل تراه يحرق شيئا.

لا تفقه والدتي في كرة القدم شيئا، لكنها عندما تلاحظ أنني منتبه لمقابلة ما، تسأل مباشرة: مسْلمينْ؟ (بكسر الميم) وعندما أقول لها: توانسة ضد بعضهم، تمضي غير آبهة. أما حين أقول مثلا تونس ضد فريق أفريقي، تكرر السؤال: مسْلمينْ؟ فأقول لها: لا. حينها تنطلق في الدعاء لتونس بالنصر المبين.

منذ فترة زارتني أمي، وصادف أن كنت أتابع خبر إحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، فسألت: مسلمْ؟ قلت نعم هو مسلم واللي حرقوه مسلمينْ؟ قلت: هم يقولون أنهم كذلك. فأجابت رأسا “ما يحرق بالنار كان العزيز الجبّار”.

لا تقتنع أمي بضرورة تباري الترجي ضد الأفريقي طالما أنهما فريقان مسلماْن، ولم تستوعب كذلك أن يحرق تنظيم داعش معاذ الكساسبة طالما أن العزيز الجبار فقط هو من يحرق بالنار.

تحدثني والدتي أنه في قريتنا الجنوبية البعيدة، كانت تسكن بعض العائلات اليهودية، تمارس تجارة بسيطة لا تدرّ مالا كثيرا، ولكنها ما زالت تذكر بعض الأسماء بالتحديد “رحنين وكمونة وإبراهم وداوود وكيكي”. قالت إنهم غادروا إلى مكان لا تعرفه، ولا تعلم إلى الآن أنه يرجح أنهم ذهبوا إلى إسرائيل، ولا تهتم بذلك، المهم أنها تحتفظ بذكريات جميلة عنهم وتذكر أيضا أنهم كانوا يبيعون حلويات لذيذة.

الوالدة تفهم خارطة العالم وفق رؤية محددة. تحبّ بغداد لأنها تجلّ “فارس بغداد” سيدي عبدالقادر الجيلاني، لذلك تحفظ عن ظهر قلب:

“يا فارس بغداد آه يا جيلاني

احضر يا صدّادْ بالك تنساني”.

وتعرف زليتن الليبية، مولد ومدفن سيدي عبدالسلام الأسمر، وتعرف سيدي حامد الذي ينتشر مريدوه على كامل الجنوب التونسي، فضلا عن سيدي بلحسن الشاذلي وسيدي بنعروس وغيرهما من الأولياء وشيوخ الطرق. كان لها تخيّل أن كل هؤلاء أجدادها. الجغرافيا عند أمي مفهوم محدد بالأولياء الصالحين، والتاريخ اختصار لسيرتهم. ولم تبحث كثيرا عن الفروقات الطرقية والعقدية بين التيجانية والقادرية والسلامية والشاذلية، لأنها تعتقد انها تنهل كلها من ذات المعين.

أمي لا تعرف أن في العالم شيعة وسنة، هي واثقة من أن العالم يحوي مسلمين كثر وأنهم جميعا “أمة محمد”. ولذلك تُفرد المسلمين كل صلاة بدعاء (لم أتوصل إلى جدواه) يتغير حسب الظرف: في ظروف الامتحانات: اللهم نجح كل أبناء المسلمين. وفي حالة وجود مريض في العائلة: اللهم اشف كل أمة محمد.

زينة، وهذا اسمها، بأغانيها وصلواتها وأدعيتها وسبحتها وذكرياتها ونظرتها إلى العالم والكرة واليهود والمسلمين، توفر وعيا خاصا بها. وعي فطري بسيط عفوي وتلقائي، لكنه أكثر تقدما من بعض ما نقرأ ونعاين ونشهد اليوم… أطال الله عمرها.

21