"أمّا الأحبة فنعانقهم ونبكي.."

أسباب الإعدام التبست لدى شخصيات كثيرة في التاريخ وحُفظت الأسرار بين “العشماوي ومضيفه".
الثلاثاء 2021/06/29
تعددت الأسباب والموت واحد

قال العشماوي لأحد المتفائلين من المحكوم عليهم بالإعدام، قبل دقيقة من تنفيذ الحكم: ما رأيك في سيجارة وكأس شاي قبل المغادرة؟ ردّ السجين بمنتهى الثقة واللطف “لا.. شكرا.. أنا أنوي تبطيل الدخان”.

طبعا، أقلع صاحبنا المتفائل جدا عن التدخين مرة واحدة وإلى الأبد، لكنه كسر خاطر منفذ الحكم اللطيف، ولم يشاركه السيجارة و”كبّاية الشاي” عند منصة المشنقة قبيل ذلك الفجر الذي لم يتنفس.

غادر الحياة وهو في صحة جيدة، واحتفظ منفذ الحكم بالسيجارة في علبة تبغه، وقد يعرضها على “زبون آخر” في اليوم التالي فيقبلها ثم يستقبل الموت وهو يسعل، وقد امتلأت رئتاه بالهواء الملوث.

الموت ليس واحدا يا صديقنا العشماوي الذي يستقبل زبائنه على منصة واحدة، ويستضيفهم من علبة واحدة وإبريق شاي واحد؛ دقق في الأسباب المتعددة إلى حد الحيرة والمتاهة، وسوف تعلم أن للموت نكهات ومقامات كثيرة مثل أي مشروب أو سيجارة أو مكان وإطلالة.

سبحان الله، وللناس فيما يرغبون مذاهب.. صاحبنا الملقب بالمتفائل جدا قد لا يعجبه الشاي أو نوعية السيجارة أو منصة المشنقة التي ربما تبدو قاتمة الإضاءة، رمادية اللون، ولا تطل على مشهد جميل يسرّ الخاطر، ثم أن العشماوي قد يبدو شخصا غليظ الطباع.. كيف لواحد أن يرتشف كأس شاي وسيجارة مع قاتله؟

ماري أنطوانيت اعتذرت لمنفذ حكم الإعدام الذي دهست على قدمه إبان الثورة الفرنسية، وقالت له بنبل أرستقراطي “آسفة لم أكن أتقصد ذلك”، أسد الصحراء وزعيم الثورة الليبية غادر مبتسما وساخرا من معدميه عام 1931، لكنّ قاتله الطاغية الفاشستي موسوليني قد عُلّق رأسه على بوابةِ محطة بنزين في ميلانو لتثبيت خبر الموت وتأكيده بين الناس، أي زيادة في الفرح والابتهاج، أمّا الأيقونة الثورية تشي غيفارا فقد أعدم عام 1967 مثل قديس.. ولم يقل له سفاحوه: هل ترغب في سيجار كوبي، قدح فودكا أو حتى كأس من مشروب “المتّة” الشهير في الأرجنتين؟ غادر تشي العظيم مثل نجمة تسكن السماء.

كيف تقولون لي “تعددت الأسباب والموت واحد”، وقد التبست أسباب الإعدام لدى شخصيات كثيرة في التاريخ وحُفظت الأسرار بين “العشماوي ومضيفه”، وبقيت الأسرار محفوظة في الدفاتر والأدراج المخفية في الأقبية الرطبة.

لم يكن كورونا إلا مجرد عشماوي، ينفذ الحكم بالموت الذي استصدرته جهات عليا في الدولة المقصّرة بحق شعبها، وقرار بالانتحار ارتآه مجتمع مستهتر رغم أنفه، وسط معادلة صعبة تحتار بين أن تموت بكوفيد – 19 أو التضور جوعا وخصاصة.

أيها العشماوي، بكل تحويراتك، سنقول لك ما قاله دوستوفسكي متألما: “أنا بخير.. تقال للغرباء، أما الأحبة فنعانقهم ونبكي”.

 
24