أمّا ماتا امريتا الأم الهندية التي تحتضن العالم

السبت 2015/04/11
طفلة مضطهدة كانت تسرق جواهر أمها لتوزعها على الفقراء

تجوب أمّا بلدها الهند، منذ السادس والعشرين من شهر فبراير بصحبة سبعمئة من أتباعها بين هنود وآخرين من كافة أنحاء العالم، خلال رحلة تنتهي بالعاصمة نيو دلهي كان من المقرر أن تنتهي بداية هذا الشهر، وذلك قبل أن تنتقل إلى جولة في بلدان جنوب شرق آسيا وأستراليا.

وقد كان خروجها من الأشرم (المركز الروحي الذي أسّسته قرب مدينة كولام بإقليم كيلارا يوم الرحيل)، أشبه ما يكون بمشهد خروج نجمة موسيقى عالميّة من حفل، حيث تعلّق البعض بسيّارتها البيضاء، ونهر رجال ونساء الشرطة أحباءها الذين اصطفّوا لمدة ساعات في انتظار ظهورها، كي يفسحوا المجال لمرور العربة، أمّا “برناردو” وهو إيطاليّ من المقيمين بالأشرم، فقد اختار أن يتلافى مشهد فراقها لأنّه يكلّفه ما لا يطيق.

دارشان للجميع

هي ماتا أمريتا نندامايي دافي ويدعونها أمّا. تغدق محبّتها منذ أربعين عاماً على كل من يطلبها، الكل في ذلك سواسية، رجالاً ونساء، مهما كانت ديانتهم أو طبقتهم أو حالتهم الصحيّة.

وتأتي محبّة أمّا في شكل “دارشان” وهو ما يعني الاحتضان باللغة الهنديّة. يَقْدِمون إليها من كل حدب وصوب، من الهند ومن أوروبا وأميركا الشمالية والجنوبية ومن اليابان والصين وأفريقيا وحتى بعض البلدان العربية، ليدفنوا رؤوسهم في حضنها للحظات قد لا تتعدّى الدقيقة ولتهمس في مسامعهم بكلمات “مانترا” قبل أن ترمي في أياديهم بقطعة من الحلوى كهديّة منها.

يقول البعض إن الدارشان يمنّ عليهم بشيء من طمأنينة أمّا، وقد يقول البعض الآخر إن الدارشان لا يحرّك فيهم ساكنا، وقد يستنجد بعضهم بأمّا للحصول على جواب لسؤال حيّرهم أو استعصى عليهم. وأمّا، في خضمّ كلّ ذلك، تحتضن وتجيب دون شرط أو قيد.

المهاتما أما

أمّا ليست مجرّد امرأة تجود بفيض محبّتها على الجميع. هي تُعتبر أيضا في الهند وحتى خارجه ماهاتما أي روحا كبيرة، وهو نفس اللقب الذي عُرف به غاندي. وهي تلعب دور المعلّم الروحي معتمدة طريقة السؤال والجواب.

تجلس على الشاطئ المحاذي للأشرم قبيل الغروب أو في بهو الأشرم ذاته، وبعد فترة من التأمّل يطرح عليها الحضور أسئلتهم حول الأنا أو الموكشا (تحقيق الذات)، أو أفضل الطرق كي يستفيد الأشرم منهم خلال إقامتهم وكي يستفيدوا هم من الأشرم، فتجيب أمّا مطوّلا، معرّجة دوما على أهميّة عدم التعلّق بالحياة المادية ليعيش المرء كما تقول هانئا

كالعصفور الذي يسكن غصن الشجرة، ويبني عشّه ويقتات فوقه، ويزقزق فرِحًا رغم أنّه يدرك أنّه متى حلّت العاصفة وانكسر الغصن وجب عليه أن يرحل وأن يترك خلفه كلّ ما بنى.

وُلدت أمّا سنة 1953، حيث يوجد الأشرم اليوم، في عائلة فقيرة لصيّادين هندوس. ويُحكى أنّها قبل أن يتجاوز عمرها العامين، كانت تختفي من حين إلى آخر، فيبحث عنها أفراد عائلتها فيجدونها جالسة تحت شجرة، مغمضة العينين، في حالة تأمّل.

وكانت تبدو لهم غريبة الأطوار تتغنّى بالأشعار والتّراتيل منذ نعومة أظفارها، وتغيب في حالات ذهول مريبة، وتأخذ حليّ والدتها كي تعطيه للمعوزين. ولتلك الأسباب، عاشت أمّا طفولة صعبة، أقصتها فيها عائلتها وجعلتها خادمة لها.

أمّا ليست مجرد امرأة تجود بفيض محبتها على الجميع، فهي تعتبر في الهند وحتى خارجها "ماهاتما" أي روحاً كبيرة، وهو نفس اللقب الذي عرف به غاندي

ولمّا قاربت أمريتا العشرين، كانت قد اعتادت على مواساة سكّان قريتها إذا ما رأتهم مغمومين، والاستماع إليهم والتخفيف عنهم ونصحهم. وصار الناس يحبّذون الجلوس إليها ويشعرون بقربها بالراحة والطمأنينة، وأخذوا يرتادون على بيتها جماعات وفرادى ممّا ساء والدها في البداية وسط مجتمع محافظ جدّا.

لكن لمّا ذاع صيتها وحضر إلى أمّا أشخاص روحانيّون مشهود بحكمتهم، أدركوا أنّهم يمثلون أمام ماهاتما فأخبروا والدها الذي قبل عندئذ أن تمضي ابنته في تحقيق رسالتها الروحانيّة.

بعد تأسيس الأشرم سنة 1981، بدأت أمّا بإعانة كل ذي حاجة حسب ما تفرضه متطلّبات الواقع، فسارعت وأتباعها أوّلا ببناء منازل للمحتاجين. وبينما كانوا يشيدون معبدا بالأشرم، اجتاحت المنطقة فيضانات وتهدّمت مدرستها. فتوقّفت أشغال المعبد إلى أن تمت إعادة بناء مدرسة جديدة.

مع مرور الوقت، تحوّل تعاطف أمّا مع المنكوبين والضعفاء والفقراء إلى جمعية خيرية دوليّة تحمل اسم “احتضان العالم”، ساهمت في تشييد منازل لمنكوبي التسونامي سنة 2004.

ونظرا لسرعة تدخّل جمعيّة “احتضان العالم” وسرعة إعادة بنائها لمنازل المنكوبين في كارثة التسونامي، طلبت منها الأمم المتّحدة أن تصبح مرجعيّتها في حالات الطوارئ. والجدير بالذكر أنّ جمعيّة “احتضان العالم” لا تصرف أجورا لعمّالها بل تقوم فقط على العمل المجاني للمتطوّعين.

ولقد استطاعت أمّا بعد ذلك أن تشيّد مستشفيات ومدارس وجامعات بالهند. كما أن حجم وعدد إنجازاتها يشي حتما، علاوة على روحانيّتها، بمهارة فائقة في ميادين الإدارة والتصرّف والموارد البشرية، حيث استطاعت أن تستعين بأفضل الخبراء لخدمة المؤسسات التي بعثتها.

يقول فؤاد ناصيف وهو محام لبنانيّ الأصل وواحد من أول أتباعها، إنّه رأى منذ التحاقه بأمّا سنة 1994 ظهورا تدريجيّا لموجة من المتعاطفين معها والمقتدين بمثلها في نصرة الضعفاء واعتناق خدمة الآخرين كمبدإ في حياتهم.

وشهادته مدعّمة بعدد الوافدين على أمّا سواء في جولاتها السنويّة بآسيا وأوروبّا وأميركا، أو في مركزها الروحي “أمريتابوري” بالكيلارا الذي يستقطب ألوفا من الهنود وآخرين من كافة أنحاء العالم.

ومن بين هؤلاء، توجد اليوم أغلبيّة من الفرنسيين حتى أنّه صار البعض يلقّب الأشرم بـ”أمريتا باريس”. وقد يبدو ولع أبناء الجمهوريّة الفرنسيّة التي وضعت العلمانية في أعلى هرم قيمها، بشخصيّة أمّا ورسالتها غريبا إلاّ أنّه مرشّح لشعبيّة أكبر، حيث أنّ أشهر الممثلين الفرنسيين “جان دو جردان” الحائز على الأوسكار سنة 2012 سيظهر مع “أمّا” في فيلم يصدر أواخر سنة 2015 للمخرج “كلود لولوش” بعنوان “واحد مع واحدة”.

محبة أمّا تتجسد على شكل "دارشان" وهو ما يعني الاحتضان باللغة الهندية. حيث يقدم الناس إليها من الهند وأوروبا وأميركا الشمالية والجنوبية واليابان والصين وأفريقيا وحتى بعض البلدان العربية، ليدفنوا رؤوسهم في حضنها للحظات قد لا تتعدى الدقيقة ولتهمس في مسامعهم بكلمات "مانترا"

قد تولّد الشعبيّة العظيمة لأمّا داخل بلدها، الهند، وخارجه شكوكا حول حقيقة تأثيرها وروحانيّتها، وقد تختلف نظرة كلّ فرد لما تقدّمه، لكنها دون منازع هي شخصيّة روحانية فريدة من نوعها، تعيش بيننا في خضمّ هذه البدايات المضطربة للقرن الحادي والعشرين، وتواصل نشر رسالة محبّة لا تستثني منها أحدا، رسالة جديرة بأن تُعرف في زمن صارت فيه الأديان تختزل إلى طقوس دون معنى، وتستعمل كسلاح يفتك بكلّ من كان مختلفا.

رسالة أمّا الأولى هي إعطاء محبة غير مشروطة للجميع. بالرغم من اتباعها للتقاليد الهندوسية، حين تُسأل أمّا عن ديانتها تجيب “إن ديانتي هي المحبة والخدمة”، فمع أمّا، المحبة والخدمة لا تنفصلان، وهي تعلّمهما من خلال مثال حياتها، حيث تعمل بنفسها أحياناً عشرين ساعة في النهار أو أكثر مقدمةً نموذجاً حياً لهذه التعاليم.

مع زيادة عدد أتباعها، أسّست أمّا مجموعةً كبيرة من المشاريع الخيريّة كمستشفيات، ومياتم، ومدارس، وجامعات، وتشييد منازل للذين دون مأوى، وتدريب عمال، وغيرها كمشاريع المساعدة الكبيرة بعد التسونامي في 2005 بالتعاون مع الأمم المتحدة.

حالياً، تسافر أمّا حول العالم لإعطاء محبّتها، ألقت أمّا خطابات في الأمم المتحدة وبرلمان أديان العالم ومبادرات السلام العالمي للنساء المتديّنات والقادة الروحيّين. وفي عام 2002، كرمت أمّا بجائزة غاندي- كينغ للاّعنف.

عندما نتأمّل تعاليم أمّا، يمكننا أن نرى أن حياتها حقاً هي رسالتها. حين نرى كيف تعيش أمّا وما هي الأعمال التي تقوم بها يومياً، يمكننا أن نتأكد أنها حقاً تمارس ما تتكلم عنه وتبشّر به. تتلخص رسالة أمّا في تعليمَين: المحبّة وخدمة الآخرين.

ومن خلال محبّتها وتعاليمها ومثالها الحيّ، ألهمت أمّا مئات آلاف النّاس في الهند وفي جميع أنحاء العالم وهي تقودهم إلى سلوك

طريق الحقّ والمحبّة والعمل المترفع عن أيّ غاية شخصيّة.

ثلاثون مليوناً من جميع أنحاء العالم احتفلوا بعيد ميلاد أمّا، كثير منهم ربما احتضنهم صدرها قبل سنوات ماضية، ومن أجل هذه المناسبة تم حجز مدينة رياضية دولية كبيرة في ميناء كوتشين للاحتفالات التي استمرت أربعة أيام، احتفاء ببزوغ مدهش لامرأة صغيرة مشهورة بوجه ساطع مليء بالحيوية وثوب ساري أبيض، كانت قد رفضت الذهاب إلى المدرسة في صغرها، لتقضي غالبية وقتها في ترانيم الصلوات للإله الهندوسي كرشنان وتنام على الشاطئ بسلام.

12