أمّ تخذل أبناءها

التونسي تعوّد، على مسلسلاته وقناته الأم، التي يدفع لها نظير ما يُشاهده، وما لا يُشاهده أيضا ضرائب نقدية ضمن أتاوات الكهرباء والغاز الدورية، حتى وإن لم يُتابعها أصلا.
الخميس 2018/05/24
التلفزة التونسية آلت على نفسها منذ نشأتها أن تقدّم صورة التونسي بمشاغله ومشاكله

بنهاية شهر مايو الحالي، تطفئ مؤسسة التلفزة التونسية شمعتها الـ52، وهي المؤسسة الحكومية الأولى في تونس التي بثّت صورة تونسية من لحم ودم، ولو من خلاف، حيث ظهرت في مساء الحادي والثلاثين من مايو عام 1966، صورة مقدّمة البرامج، الراحلة نزيهة المغربي، رأسا على عقب في خطأ تقني يمكن تمريره أيامها، والقناة تتلمّس أولى خطوات مصافحتها للجماهير التونسية العريضة.

وهو ما تم بالفعل، وقع الصفح والغفران عن هذا التيه المُبرّر بنقص في الخبرة والتجربة، للفريق التقني الذي أمّن بث الصورة بـ”المقلوب”، واستقبل بعض المُرفّهين من التونسيين مّمن كانت تسمح لهم إمكانياتهم المادية، حينها، باقتناء شاشة تلفزيون، الموقف بشيء من التندّر العابر، ليحلّ محلّه الانبهار بهذا الإنجاز العظيم لدولة مستقلة حديثا.

تغيّرت أسماء القناة مع تتالي السنوات، فبعد أن كانت تعرف اختزالا بـ”إ ت ت” أي الإذاعة والتلفزة التونسية، لتصبح في العام 1983 “إ ت ت 1” عقب تعزّز التلفزة التونسية بالقناة التلفزيونية الثانية “إ ت ت 2” الناطقة بالفرنسية والتي تغيّر اسمها هي أيضا في أكثر من مرة من “القناة المغاربية” إلى “قناة 21”، وصولا إلى تسميتها الحالية “الوطنية 2”، وهو ما انسحب أيضا على القناة الأولى التي تتابع تغيّر اسمها مع صعود النظام السابق ليتحوّل من “إ ت ت 1” إلى قناة “تونس 7”، وصولا إلى “الوطنية 1” إثر ثورة 14 يناير 2011.

ومهما يكن من أمر ما سبق، وإن اختلفت التسميات والأيديولوجيات، على مرّ عمر القناة الحكومية الأولى في تونس الاستقلال، فإن التلفزة التونسية آلت على نفسها منذ نشأتها أن تقدّم صورة التونسي بمشاغله ومشاكله ضمن مشروع وطني متكامل ينتصر للتونسي صورة وصوتا وثقافة.

فكانت الأغنية التونسية، وبرامج المنوعات التونسية، وخاصة الدراما التونسية، التي كانت تجمع العائلة، كل العائلة، على طبق فرجوي شهي في شهر رمضان من كل عام، موسم الدراما التونسية الواحد الأوحد.

مسلسلات درامية طبعت عميقا في ذاكرة المواطن التونسي الذي ورغم تنوّع المشهد السمعي البصري إثر الانفتاح الإعلامي الكثيف عقب ثورة 14 يناير

تعوّد التونسي، على مسلسلاته وقناته الأم، التي يدفع لها نظير ما يُشاهده، وما لا يُشاهده أيضا ضرائب نقدية ضمن أتاوات الكهرباء والغاز الدورية، حتى وإن لم يُتابعها أصلا.

علاقة التونسي بقناته الأم، وخاصة في رمضان، لا يمكن أن يفهمها إلاّ من عاش نجاحات مسلسلاتها الفارقة كـ”الحاج كلوف” و”أمي تراكي” مرورا بـ”الناس حكايات” و”الأيام كيف الريح” و”الدوار” و”خطاب ع الباب” و”صيد الريم” وصولا إلى “ناعورة الهواء” وأخيرا “الدوامة”.

مسلسلات درامية طبعت عميقا في ذاكرة المواطن التونسي الذي ورغم تنوّع المشهد السمعي البصري إثر الانفتاح الإعلامي الكثيف عقب ثورة 14 يناير، حيث تعدّدت القنوات حتى جاوزت العشر فضائيات خاصة، وبعضها اختصّ في إنتاج وبث المسلسلات الدرامية التونسية أو المُدبلجة إلى التونسية، فإن المواطن التونسي ظل وفيا لقناته الأم ولمسلسلها الدرامي لإيمانه بوسطية القناة التي تعي جيدا معنى إنتاج مسلسل اجتماعي يجمع ولا يفرّق العائلة التونسية التي تبحث عن دراما تشبهها وتحكيها في شهر الذروة الفرجوية.

هذا ما حصل وما كان يحصل، مع “التلفزة التونسية” منذ انبعاثها في كل رمضان، وفاء مفرط من أبناء البلد، لمنتج البلد الذي تبثّه القناة الممثلة للبلد، في نظر الغالبية، وهي الموسومة بالقطاع العام الذي يحكي كل التونسيين.

“الوطنية 1” قد يهجرها مشاهدوها أحيانا لضعف في الطرح أو هشاشة في الإخراج أو لعبث في الكاستينغ، أو ربما لكل هذا مجتمعا، كما حصل في رمضان 2016 مع مسلسل “وردة وكتاب” الذي حقّق أقل نسب مشاهدة يمكن أن يحقّقها مسلسل، إلاّ أن أحباءها لن يتنكّروا لها أبدا، كما فعلت هي مرتين، حين حرمت أبناءها الأوفياء من مسلسلهم المرتقب في العام 2011، زمن الثورة، ليكون الغياب مبررا إلى حد ما أيامها، ومرة أخرى هذا العام، وهو غياب غير مبرّر بأي شكل من الأشكال، والحال أن ميزانية المؤسسة قدّرت بـ24 مليون دولار!

16