أم البطل

الاثنين 2014/11/03

رائحة الموت تفوح من جنبات المنزل، ويلفهُ صقيع الأحاسيس الباردة التي بخر دِفئها موت فلذة الكبد ونور العين، خسرت الأم حلمها الباقي الذي كانت تدخره لزمن قد تعجز فيه عن تناول كوب الماء وحدها، رائحة عطره المفضل مازالت تملأ جدران المنزل، والكرسي العجوز ينتظر جلسته المرحة وروحه الخفيفة، ولكن هيهات فقد خرجت روحه الخفيفة من عالم الأحياء بنفس خفة وجودها فيه، لم تستغرق دقيقة واحدة ولم تكلف قانصها عناءً، فقط رصاصة واحدة تسكن القلب البريء لينكسر العود الأخضر إلى الأبد وتتبعثر معه أحلام الأم الثكلى والأب المكلوم الذي ينتظر عودة إبنه كل يوم ولا يتناول طعام العشاء إلا معه.

لن يعود الابن لأنه من جيل قادر على حماية عقله من أن تسكنه أفكار جماعة احتكرت لنفسها توكيل إصلاح الأرض، وتكفير خلق الله وتوزيع صكوك الغفران على من اتبعها، وأصبح عناصرها وفق فكرهم “المريض” الأوصياء ووكلاء الله بين خلقه.

لن يعود الابن لأنه فارق الحياة ولن ينام هذا اليوم في أحضان البيت بل في برد ثرى المقابر، يلفه كفن يحمل علم مصر، وفي قلبه اللون الأبيض، ذلك اللون الذي كانت الأم تعده لفستان فرح عروسه.

سقطت الأم مغشيا عليها بعد أن تلقت الخبر الصادم، وشريط ذكريات عمرها يمر كفيلم تراجيدي حزين لقصة كتب الموت نهايتها. لقطات عدة توقفت عندها عينا الأم كأنما تتمسك بصورة ابنها ولو خيالا تستحلف المشهد ألا يمر، هذه صورته طفلا في الخامسة من عمره، وأول حرف يكتبه في كراسته، وأصابعه الصغيرة تحمل القلم الرصاص بعناء وهو يرسم عصفورا فوق الأشجار، ويلون سماء الحلم بلون البحر، زرقاء كذات الحبة التي ألبستها الأم لابنها بعد نجاحه في الثانوية العامة (الباكالوريا)، وتفوقه والتحاقه بكلية الشرطة خوفا من الحسد، ورفضها الإبن رفضا قاطعا قائلا: لو الخرزة الزرقاء تحمينا لامتلأت صدور البشر باللون الأزرق. “الله خير حافظا وهو أرحم الراحمين”.

تناثرت أشياؤه في مشهد جنائزي مهيب، أقلامه، كتبه، دفاتره كلها تبحث عنه كسراب يراه الناظر إلى أرض الصحراء ماءً هيهات أن تروي الظمآن، لكنه في عالم النسيان استقر، وأصبح من ساكني القبور، ضابط (أو جندي) أقسم بالله تعالى أن يفدي بلاده بحياته، حققت رصاصات الغدر له الشهادة ولكنها تركت خلفها أما ثكلى لا تجد من يكفكف دموعها.

نساء كثيرات أمهات ثكالى وشابات أرامل وأطفال في انتظار العائد من أرض سيناء بالحب والهدايا للصغار. نال الحادث الغادر الذي وقع مؤخرا بمدينة العريش وراح ضحيته 31 شهيدا وعشرات الجرحى من ضباط وجنود القوات المسلحة، اهتماما إعلاميا كبيرا، وللحق هو يستحق أكثر من ذلك، ولكن الأسر التي فقدت أبناءها من يشعر بجراح قلوبها؟.

فبرغم كل الزخم الإعلامي والحداد على شهداء الواجب، وصوت الفنانة الكبيرة شريفة فاضل (إبني حبيبي يا نور عيني، بيضربوا بيك المثل كل الحبايب بيهنوني، طبعاً ما أنا أم البطل) إلا أن ليالي المجروحين طويلة وأمهات الشهداء لن تعوضهن أغاني العالم عن فقد فلذات الأكباد.

21