"أم الرصيف".. الصيدلية القاتلة في العراق

صيدليات الرصيف في العراق تنافس أصحاب الصيدليات الرسمية، حيث تنتشر الأدوية على الطاولات والبسطات دون وازع أو رقيب، تقدم أدوية فاسدة ومنتهية الصلوحية في أغلبها مقابل أسعار زهيدة تغري المواطن الفقير الذي يفتك به المرض.
الثلاثاء 2016/04/05
أدوية الصيدلية غالية

بغداد - وسط الشوارع والأسواق المكتظة في بغداد تقع عيناك على أقراص وزجاجات دواء تفترش الأرض والطاولات بشكل عشوائي، وعلى من يرغب في دواء معين أن يبحث عنه وسط أكوام الأدوية، فهذا للصداع وذاك لتقوية الأعصاب وآخر للتقلصات المعوية، وهو مشهد أصبح مألوفا على أرصفة الكثير من أسواق بغداد، التي تحتضن “أم الرصيف”، وهي عبارة مألوفة بين العراقيين وتعني الأدوية التي تباع على الرصيف.

وأقرت وزارة الصحة، الأسبوع الماضي، بوجود أطنان من الأدوية الفاسدة أو غير الصالحة للاستهلاك البشري في صيدليات ومذاخر بغداد.

وذكر المفتش العام لوزارة الصحة أحمد الساعدي أن “فريقا من مكتب المفتش العام أتلف 12 طنا من الأدوية غير المرخصة والتي دخلت البلاد بصورة غير قانونية”، لافتا إلى أن “معظم الأدوية التي تم ضبطها تبين أنها أدوية منتهية الصلوحية بعد فحصها في المختبرات المركزية”.

وأدى الفساد المستشري داخل الدوائر الحكومية إلى ظهور مافيا متخصصة في بيع الأدوية المدعومة حكوميا وتسريبها من صيدليات ومذاخر الدولة إلى “أم الرصيف”.

ووسط هذه الكميات الهائلة من الأدوية غير الصالحة، تتهم وسائل إعلامية في العراق شخصيات تابعة لميليشيات مسلحة، بسرقة الأدوية بطرق احتيالية وبيعها للمواطنين، ما يعني أن المريض الذي يقتني هذه الأدوية هو في الحقيقة يتجرع موته.

وتفاقمت مشكلة الأدوية الفاسدة منذ العام 2003، بعد تدمير قوات الاحتلال للمؤسسات العراقية واختفاء الرقابة، فوجدت الأدوية الفاسدة والمغشوشة طريقها إلى باعة الأرصفة بدلا من الصيدليات.

إذا لم تمت جراء انفجار أو عبوة ناسفة، فإنك حتما ستلقى حتفك بالأدوية والحقن القاتلة

وأشارت مصادر إعلامية إلى أن المشكلة الخطيرة تكمن في صعوبة تعرّف المريض على حقيقة هذه البضاعة القاتلة، بسبب قيام العصابات باستيراد علب أدوية من الخارج وتغليف أدويتها المغشوشة، وهو ما يجعل المريض يعتقد أنها أدوية أجنبية، مؤكدة وجود أنواع من الأدوية الفاسدة ومنتهية الصلوحية تباع في الصيدليات وعلى أرصفة الشوارع، وقد تسببت في وفاة العديد من المرضى نتيجة تعرضهم لمضاعفات خطيرة.

وقال سالم العبيدي، الذي توفي ابنه إثر حقنة منتهية الصلوحية في أحد مستشفيات بغداد “إذا لم تمت جراء انفجار أو عبوة ناسفة، فإنك حتما ستلقى حتفك بالأدوية والحقن القاتلة”.

وكانت وزارة الصحة قد اعترفت بوجود أدوية وعقاقير فاسدة يتم تصنيعها داخل المنازل ولا سيما في العاصمة بغداد، كما أقرت أيضا بوجود عصابات تقوم بتصنيع الأدوية في العديد من مناطق العراق وبيعها للمرضى بأسعار زهيدة.

دواء بالواسطة

وتؤكد منال من بغداد “أن المتاجرة بأدوية منتهية الصلوحية أو فاسدة ظاهرة منتشرة سواء في بغداد أو في باقي المحافظات العراقية”، لافتة إلى أنها تقطع مسافة 20 كيلومترا لشراء دوائها من صيدلي تثق فيه”. وقال منير، صاحب صيدلية في بغداد، إن “استمرار العمل بنظام استيراد الأدوية وعدم فتح منافذ تصنيع جديدة سيجعلان العراق عرضة للتخلف وعدم التطور”. وألقى مسؤولية الوضع السيء في ما يخص تصنيع الأدوية على سياسة الدولة، معتبرا أن صيادلة العراق كانوا الأوائل بين دول المنطقة في التصنيع والتشخيص.

وأكد النائب سهام الموسوي، عضو لجنة الصحة والبيئة النيابية، أن “هناك مافيات تعمل داخل وزارة الصحة وفي المستشفيات العامة بسبب غياب الرقابة من داخل الوزارة وخارجها عن محاسبة المفسدين، مما أدى إلى استشراء الفساد واستفحاله داخل المؤسسات الصحية”.

وقال أبوجعفر بائع أدوية في سوق شعبي ببغداد “لن تستطيع الأجهزة الأمنية أن تصادر أدويتي. هل هناك من يستطيع أن يتطاول على العصائب؟”، في إشارة إلى انتمائه لميليشيا “عصائب أهل الحق”.

ويواصل أبوجعفر حديثه “أنا مقاتل في العصائب والذين يزودونني بالأدوية هم من العصائب”، ما يعني أن الميليشيات تقوم بدور كبير ومباشر في تسريب الأدوية من المذاخر الحكومية وتزويد “أم الرصيف” بها. وقال عباس، الذي افترش الرصيف عارضا بضاعته، “نحصل على بضاعتنا من أصحاب المذاخر التي تبيع الأدوية بسعر الجملة ونحن نبيعها بأسعار أقل من أسعار الصيدليات الرسمية، لأننا لا ندفع إيجارا ولا ضرائب، لذلك فالسعر أو الربح الذي نحصل عليه نراه مناسبا”.

بائعو الأدوية على الرصيف لا يمتلكون أي معرفة طبية بل إنهم لا يحسنون قراءة الوصفة ويجهلون كيف ومتى تستهلك بضاعتهم.

طبيبة الأطفال نور البرزنجي، أكدت أنها شاهدت لدى باعة “أم الرصيف” أدوية تم استيرادها خصيصا لوزارة الصحة، ويفترض أن تصل إلى المواطن من خلال وصفة طبية حكومية، مشيرة إلى أن هناك طرقا ملتوية عديدة تتسرب من خلالها هذه الأدوية إلى الباعة. وتقول “يحصل في بعض الحالات أن يشترك الأطباء والممرضون والصيادلة في مثل هذه الممارسة غير الأخلاقية، وأحيانا يتم تزوير وصفات طبية تسهل من تسريب الأدوية بشكل يبدو قانونيا”. وأكدت قائلة “في مرات عديدة افتُضحت هذه السرقات، وتمت مواراتها بعد تهديدات كشفت وجود ميليشيات تشترك في هذه الجرائم”.

20