أم الزين بنشيخة المسكيني: هناك مؤامرة تُحاك ضد الثقافة في تونس

الباحثة التونسية تعتبر أن المجتمعات العربية والإسلامية غير معنية بعالم ما بعد الأديان والعلمانية.
الخميس 2020/11/19
المثقفون التونسيون عُرضة للتهميش

لا تزال مفاهيم “عالم ما بعد الأديان” و”عالم ما بعد الحداثة” وغيرها تُثير غموضا في العالم ككل ولاسيما داخل المجتمعات العربية والإسلامية التي تُعد غير معنية بهذه المفاهيم، حسب ما تؤكده الباحثة التونسية أم الزين بنشيخة التي شكت في هذا الحوار من مؤامرة -على حد تعبيرها- تُحاك ضد الثقافة في بلادها.

تونس - تُثير المُقاربات التي يطرحها العديد من الفلاسفة وتؤسس لـ’’عالم ما بعد الأديان‘‘ تساؤلات عن ردة فعل المسلمين المرتقبة إزاء التحولات التي سيعرفها العالم والأسئلة التي سيواجهها هؤلاء، خاصة مع تصاعد حدة الانتقادات للمسلمين والإسلاميين في الغرب لاسيما فرنسا.

وفي هذا الصدد تقول الكاتبة والباحثة التونسية أم الزين بنشيخة المسكيني إن هذه المفاهيم -ما بعد العلمانية، ما بعد الدين، وغيرهما- لم تُطرح بعد في ما يُعرف بالعالم العربي والإسلامي، وهي مفاهيم ليبرالية، وأن هذه المجتمعات العربية والمسلمة غير معنية بـ’’ما بعد‘‘ بقدر ما هي معنية بـ’’ما قبل‘‘ لأن هناك وجها مظلما من الماضي يؤرق المسلمين الذين يحتاجون إلى ثورة تأويلية.

وأضافت بنشيخة في حوار مع “العرب” أن هناك مؤامرة تُحاك ضد الثقافة في تونس، مشيرة إلى أن الوباء ’’أبرَزَ خطرا وهو احتكار الفضاء العام من قبل الدعاة ورجال الدين والذين ينتمون إلى أجندات الإعلام التجاري‘‘ التي تجعل من الثقافة أمرا ثانويا.

بنشيخة تُحذر من سيطرة رجال الدين والدعاة والمشعوذين والإعلام الذي له أجندات تجارية على الفضاء العمومي

وبنشيخة هي باحثة في الفلسفة ومتحصلة على الدكتوراه في الفلسفة الحديثة، ولها العديد من المؤلفات التي حاولت من خلالها معالجة التحديات التي تعترض الإنسان اليوم وكذلك تفكك العلاقة بين الفن والحرب على الإرهاب، على غرار مؤلفها الذي صدر في العام 2016 ”الفن في زمن الإرهاب” وكذلك “الفن والمقدس.. نحو انتماء جمالي إلى العالم” وغيرهما من المؤلفات.

ولم تكتف بنشيخة بالكتابة فقط، بل تعدت ذلك إلى اقتحام مجال الإعلام حيث تقدم برنامج ’’نزهة مشتاق‘‘ الذي تبثه إذاعة تونس الثقافية وهي إذاعة رسمية، ويمثل البرنامج فضاء مفتوحا للكتاب والفلاسفة التونسيين كما غيرهم من الفاعلين في المشهد العام للنقاش
بهدوء.

وتستعد بنشيخة الآن لإصدار سلسلة جديدة بعنوان ’’صوفيا‘‘، وهو مصطلح إغريقي يعني الحكمة، حيث تقول بنشيخة إن الهدف منها نشر الفكر الفلسفي، وتعول عليها بنشيخة كثيرا من أجل التصدي للذين يتجاهلون الثقافة في بلادها على غرار ’’لوبيات المال والسياسة والإعلام‘‘.

شبح الماضي

هناك جوانب مشرقة  في الماضي العربي والإسلامي لم ينجح المسلمون في إعادة إحيائها وتنشيطها أو لم يتقنوا ذلك، حسب أم الزين بنشيخة
هناك جوانب مشرقة في الماضي العربي والإسلامي لم ينجح المسلمون في إعادة إحيائها وتنشيطها أو لم يتقنوا ذلك، حسب أم الزين بنشيخة

حاولت أم الزين بنشيخة من خلال مؤلفاتها، على غرار كتاب ’’الفن والمقدس.. نحو انتماء جمالي إلى العالم‘‘ الذي صدر في العام الجاري، تفكيك شفرات العلاقة التي تحكم الفن والمقدس والتشديد على ضرورة مرور العالم إلى إنسانوية جديدة قوامُها الفن والجمال وغيرهما.

وفي هذا الصدد تقول بنشيخة إن ’’العالم العربي والإسلامي غير معني بهذا العالم؛ عالم ما بعد الدين وما يجري اليوم في هذا العالم المعولم.. هذا العالم الذي يسرّع من وتيرة التفكير في ما بعد؛ وما بعد هو مفهوم تكلم بشأنه الكثير من الفلاسفة على غرار الأميركي ريتشارد رورتي والألماني يورغن هابرماس (…)، فهؤلاء يتحدثون عن مفاهيم جديدة (ما بعد ديني، ما بعد علماني، ما بعد فلسفي، ما بعد ميتافيزيقي…). في الواقع هذه المفاهيم متجاورة توقع نمطا جديدا من البراديغم الفلسفي وهو مازال غامضا‘‘.

وتوضح ’’هذه المفاهيم (ما بعد) ليس لها مضمون واضح إلى حد الآن، غير أنها توقع قطيعة مع البراديغم التقليدي للفلسفة (…) لكن هذا النوع مما يمكن أن نسميه ‘الرفاهية الفلسفية’ قد لا يصل إلينا إلا من خلال التشدق اللغوي فقط أو الحذلقة الفلسفية؛ فهي مفاهيم ليبرالية (…) بالنسبة إلى سكان العالم الإسلامي الذين يطغى عليهم الإسلام كدين غير معنيين بما هو بعد بقدر ما هم معنيون بـ’ما قبل’ لأننا لم ننجح بعد في التعامل مع الـ’ما قبل’ الذي يخصنا والذي يعود إلى الساحة حيث يسميه فرويد مثلا ‘عودة المكبوت’ وهو الوجه المظلم من الماضي (…)، إنه يؤرقنا كثيرا‘‘.

وتُشدد الباحثة التونسية على أن هذه المفاهيم ليست حكرا على الغرب ولكن وصول المسلمين إليها يبقى رهين حُسن تعاملهم مع الماضي أي الـ”ما قبل” لأننا وبالرغم ’’من وجود جوانب مشرقة في الماضي لكننا لم ننجح أو نتقن كمسلمين إعادة إحيائها وتنشيطها‘‘.

وبالنسبة إلى أم الزين بنشيخة، فإن وظيفة الفنانين والمثقفين أن ’’يتورطوا‘‘ ويلتزموا أكثر في تعاملهم مع الوجه المظلم من الماضي الخاص بالمسلمين، مشيرة إلى أن ’’هابرماس مثلا يقول: علينا أن نتعامل مع الوجه المُظلم من ماضي ألمانيا‘‘ في إشارة إلى النازية.

وتُشدد الباحثة التونسية في حوارها مع ’’العرب‘‘ على أن ’’المطلوب ثورة تأويلية (…)؛ قراءة النصوص الدينية وانتقاء النصوص المناسبة لهذا العصر وإن شئنا الاستغناء عن النصوص الإرهابية العنيفة والمتطرفة (…)، نعم هناك نص قرآني واحد لكن هناك العديد من الإسلامات (…) ومع الأسف لا يمكن أن نحرر الإسلام من فتاوى الفقهاء وفتوة الإسلام السياسي إلا بنوع من الجرأة الروحية والعقائدية والتأويلية التي أسميها ثورة تأويلية في علاقة بالنصوص الدينية‘‘.

وتعتبر أم الزين بنشيخة أن وباء كورونا كشف عن أخطار كثيرة على غرار احتكار الفضاء العام من قِبل رجال الدين والمشعوذين والدعاة ولوبيات وأجندات الإعلام التجاري.

وتقول إن العصر المعولم غيّر طرق التدين، مضيفة ’’المُقدس مثلا لم يعُد يُنظر إليه بنفس النظرة التقليدية لأن العديد من التحولات حدثت لاسيما الثورة الرقمية، لذلك بات الأشخاص يلجأون إلى الكمبيوتر وغيره لاختيار مقدسهم (…)، لذلك نطالب بالتجديد (…). إن الثورات العقلية والروحية تحدث من خلال التجديدات الحاسمة التي ينبغي أن نعدل عليها عقولنا فمثلما نقتني الكمبيوتر يجب علينا انتقاء التجديد الذي هو مرتبط بشكل كبير بنمط الإنسان الذي هو بصدد التشكل‘‘.

مؤامرة ضد الثقافة

شكت أم الزين بنشيخة في حوارها مع “العرب” مما أسمته بـ”المؤامرة” التي تُحاك ضد الثقافة، مُعددة مناورات ومخاطر أجندات الإعلام التجاري الذي يهيمن على المشهد في بلادها.

وبنبرة فيها الكثير من الحسرة، قالت الباحثة التونسية ’’خطير جدا أن يسيطر على الفضاء العمومي رجال الدين والدعاة والمشعوذون والإعلام الذي له أجندات تجارية (…) هذا الإعلام الذي يقوم على تتفيه الثقافة وابتذال المثقفين ونشر ثقافة التسطيح الفكري ونشر الوعي الزائف‘‘.

وأضافت ’’هناك تتفيه للثقافة اليوم في تونس (…)؛ ليس لدينا وزير ثقافة إلى الآن (…)، أضف إلى ذلك تقليص ميزانية هذه الوزارة الهامة إلى حدود الصفر فاصل سبعة وهذه جريمة سياسية ترتكبها الدولة والحكومة والإرادة السياسية في البلاد ووسائل الإعلام ولنا الكثير من هذه الوسائل مورطة في ذلك‘‘.

وبالفعل، تُواجه وسائل الإعلام في تونس انتقادات لاذعة بسبب أدائها بالرغم من هامش الحرية الذي منحته إياها ثورة الرابع عشر من يناير 2011.

ضرب من ضروب مقاومة الفن للإرهاب في زمن المعارك
ضرب من ضروب مقاومة الفن للإرهاب في زمن المعارك

وبالرغم من الحرية إلا أن وسائل الإعلام (قنوات تلفزيونية وإذاعية) تولي أهمية كبيرة لبرامج ترفيهية لا تتوفر فيها أية معايير صحافية ما حوّلها إلى برامج إثارة، إلى جانب دخول هذه الوسائل معترك الأزمة السياسية، في تجاهل للأدوار الأخرى التي من المفترض أن تضطلع بها.

وفي هذا السياق، تُشدد بنشيخة على أن ’’كل تتفيه -أو ابتذال- للمثقفين يشكل جريمة (…) لأن القضاء على الحياة الإبداعية لشعب ما يحوله إلى مجرد قطيع‘‘.

وتوضح ’’عدم منح الثقافة المنزلة التي تستحقها -وهي ظاهرة شهدتها تونس منذ عهد زين العابدين بن علي (الرئيس الراحل)- يشكل خطرا على جهود مقاومة الإرهاب والعنف (…) ورأينا عواقب مثل هذه السياسة؛ تابعنا تدمير المتاحف والمكتبات وتحريم الموسيقى في أفغانستان مثلا (…)، كل أشكال الاضطهاد يعيشها الفنانون والمبدعون منذ السهروردي وابن رشد (…)، كلهم ذهبوا ضحية هذه العقلية الإرهابية الدموية غير المتسامحة والعنيفة‘‘.

وأضافت الباحثة التونسية ’’نحتاج إلى الفن لمقاومة هذه العقلية (…)، بالنسبة إليّ مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تقتصر على الحل الأمني وعلى الحل العسكري وحدهما بل الفنانون هم أيضا جنود لمقاومة الإرهاب‘‘.

وبنشيخة ليست الأولى التي توجه سهام نقدها لوسائل الإعلام المحلية في تونس وسياسات الدولة حيال الثقافة والتربية والتعليم، خاصة في ظل تغييب مثقفين بارزين في هذه القنوات ما جعل تواصلهم مع عامة الناس ينقطع.

وتقول بنشيخة ’’الفيلسوف مثلا يواجه الإقصاء في وسائل الإعلام الوطنية (…)، أنتم تعرفون هذا، الفيلسوف، وعلى ندرته في بلادنا، بات صوته خافتا جدا (…)، المفروض أن يُصبح الفيلسوف قدوة للشباب وللشعب‘‘.

ولكن بالرغم من إيمانها بأن الفيلسوف والمثقفين يواجهون التهميش في بلادها، إلا أن بنشيخة تُطالب هؤلاء بالتحرك لافتكاك مكانتهم في المجتمع قائلة ’’علينا أن نفتك المصدح ونقول لهؤلاء المحللين الذين يتصارعون بالأيديولوجيا وغيرهم؛ كفاكم جهلاً، كفاكم زيفا، كفاكم نشرا للحمق‘‘.

وبالنسبة إلى أم الزين بنشيخة فإن هناك فتنا تحيط بالفلاسفة الذين يحاول البعض ’’تقسيمهم إلى غربي ومشرقي‘‘، محذرة من ذلك بالقول ’’كل ما يقوله الفلاسفة ينتمي إلى العقل البشري لذلك علينا أن نحررهم من الأحكام المسبقة المتعلقة بالأيديولوجيا وغيرها لأن الفلسفة هي ورشة فهم وعقل واختراع لمستقبل وآفاق جديدة (…) إنها تصنع الأمل‘‘.

وتُطالب بنشيخة كذلك بتجديد أسئلة الفلسفة قائلة ’’نعم لست أنا من أتيت بمصطلح تجديد أسئلة الفلسفة، لكن نحن نطور الأفكار؛ نأخذ أفكار هابرماس وجبران خليل جبران وغيرهما ونطورها إلى علبة مفاتيح (…)، الفلسفة بصدد تشكيل أسئلة جديدة وتوجه هذه الأسئلة نحو عالم الحياة‘‘.

وتضيف ’’ينبغي أن يكون الفلاسفة زعماء بدل زعماء الإرهاب الذين يشتغلون على الزعامة (…) ينبغي أن يصبح تشومسكي قدوة أبنائنا، فتحي المسكيني قدوتهم، بنشيخة قدوتهم وبكل تواضع لأن زعماء الإرهاب هم من باتوا نموذجا لشبابنا وهذا خطير جدا (…)، ولأن أيضا فراغ الأفق يمثل خطرا بفضل ما يروجه الليبراليون؛ ما الذي بقي من الإنسان؟ لقد أصبح الإنسان كائنا هشا مستهلكا مثله مثل بقية البضائع: تقوم حياته على الاستهلاك فقط ومعرض للاكتئاب والتصحير الثقافي‘‘.

وتختم بنشيخة ’’لذلك فقدنا الكثير من القيم الروحية؛ قيم التضامن والمحبة، ونما في المقابل كوجيتو الكراهية كما يسميه فتحي المسكيني (فيلسوف تونسي)، الفيلسوف إذًا وظيفته أن يعيد للشعوب قدرتها على الأمل والحب والحياة‘‘.

 
13